الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 330 الرجوع إلى "الثقافة"

الكوكب (( أوزوريس ))

Share

تمهيد:

طلعت علينا صحف نيويورك أخيرا بنبأ عظيم نقلته عنها بعض الصحف العربية واهتزت له دوائر الأرصاد الفلكية ، ويتلخص هذا النبأ فى أن الدكتور (( ستراند )) مدير مرصد سيرول فى جامعة (( وارثمور )) ، بعد أن ظل يرتاد أرجاء السماء بمناظيره الفلكية سنوات متتابعات ، قد وفق إلى كشف أول ((نجم)) يتبع مجموعة شمسية غير التى تتبعها أرضنا ، واختار له من بين الأسماء اسم ((أوزوريس )) أعظم الآلهة المصرية القديمة شأنا وأوسعها عبادة .

ومن أراد أن يتوخى الدقة العلمية فليقل إن (( أوزوريس )) هو أول كوكب لا أول نجم ثبت أنه يتبع مجموعة غير التى تتبعها أرضنا ؛ ذلك لان علماء الفلك اليوم لا يتسامحون مع من يخلط بين النجم والكوكب ، وعندهم أن النجوم ثوابت فى حين أن الكواكب سيارة ؛ فاذا ما عرض الفلكى الألواح الفوتوغرافية لمنطقة فى السماء تحوى كواكب ونجوما ظهرت النجوم فى الألواح نقطا لامعة واضحة ومحدودة ؛ ذلك لأنها ثابتة نسبيا . أما معظم الكواكب فترسم فى الألواح خيالا منطمسا لتحركها ، فما إذا تحرك شخص أمام الآلة الفونوغرافية أثناء أخذ صورته ،ونتحقق حركة الكوكب للرجل العادى إذا رصدها بالنسبة لنجم ما ، إذ أنه يراها تنير وضعها بالنسبة لهذا النجم ليلة بعد ليلة .

هذا إلى أن الكواكب تظهر من خلال المنظار على هيئة أقراص مستديرة ذات ضوء هادىء . أما النجوم ؛ هى ذات الضوء المتلألئ فلا تظهر إلا نقطا حتى بأقوى المناظر المستنبطة . وليس يخاف أن النجم هو مصدر الضوء ومبعث الحرارة للكوكب . وعلى هذا القياس تعتبر ارضنا

كوكبا وشمسنا نجما .

والمجموعة الشمسية الوارد ذكرها فى الخير - أسرة تتألف من الشمس وبناتها الكواكب وحفيداتها الأقمار . والكواكب التى تتبع الشمس عددها الآن تسعة ، تبدأ بعطارد وتنتهى ببلوتو الذى أعلن كشفه فى مارس سنة ١٩٣٠ والجموعة كلها منعزلة فى الفضاء انعزالا تاما عن بقية مجموعات النجوم ، وأفراد هذه الأسرة من كواكب وأقمار أقرب جدا من أقرب النجوم الثوابت إلينا . ولو دنا نجم منا حتى صار بعده عنا كبعد الشمس عن الأرض لظهر كرة نارية وهاجة تبهر عيوننا ، وقد تزوى بكرة الشمس فى عظمتها وروائها .

والنجم تستصغر الأبصار رؤيته

والذنب للعين لا للنجم فى الصغر

أهمية هذا الكشف :

لامرية فى أن كشف هذا الكوكب يعد فتحا جديدا فى علم الأرصاد ، وعجيبة من العجائب العلمية التى تأيدت بها حقائق علم الفلك . ولا مراء فى أنه سوف يفتح الباب على مصراعيه لأبحاث جديدة يقوم بها رجال الرصد وهم ينقبون فى السماء بمناظيرهم باحثين عن رب هذه الاسرة الجديدة وعن بقية كواكبها وأقمارها ، ويكشفون لنا عن طبائعها وحجومها ويضبطون حركاتها ويحسبونها حسابا دقيقا .

وإنا لنرجو أن يساهم مرصد حلوان الملكى فى هذه الجهود كما ساهم فى كشف (( بلوتو )) حتى يكون قسيما فى الفخار الذى تتنازعه مراصد أوربا وأمريكا .

طريقة العلماء فى التسمية :

ولقد جرت عادة المحدثين من العلماء أن يلجئوا إلى الأساطير اليونانية والرومانية الفنية بخيالها الخصب يستخرجون من بطونها وآدابها أسماء لآلهة يطلقونها

على ما يكشفون من أجرام سماوية ، والأمثلة على ذلك كثيرة ؛ فالنجيمة (( سريس )) ceres  التى تدور فى فلك واقع بين فلكى المريخ والمشترى إن هى إلا إلاهة الحصاد والحب عند الرومان ، أطلق عليها هذا الاسم مستكشفها الايطالى جوسى بيازي سنة ١٨٠١ ، واختها (( بلاس )) pallas الأوسع منها أفقا ما هى إلا إلاهة الحكمة عند اليونان ، وأختهما الثالثة (( جونو Juno )) هى زوجة جوبتر Jupiter كبير الآلهة عند الرومان ، ونبتون Nepton الكوكب الثامن فى المجموعة الشمسية المستكشف سنة ١٨٤٥ هو فى الاساطير الرومانية إله البحر ، ويرسم على شكل رجل مفتول العضل فى يده حربة ذات ثلاث شعب ، وأحيانا يرسم وهو يسوق عربة تجرها خيول ذات معرقات ذهبية فوق أمواج البحر

بهذا وأمثاله قد خلد الأوربيون أساطير اليونان والرومان تخليدا لم تتمتع به اساطير المصريين الأقدمين ، وهم أعرق منهم فى الحضارة منزلة وأعلى فى المدينة كعبا .

فإذا جاءنا اليوم الدكتور (( ستراند )) متفضلا باطلاق اسم الإله أوزوريس على هذا الكوكب الجديد أخذا من الميثولوجية الفرعونية وإنصافا لها وتخليدا فانه لا يسعنا إزاء ذلك إلا أن نغتبط وأن نشكر وأن نعتبر ذلك دليلا على مكانة مصر وتراثها القديم فى نفوس علماء الامريكان .

وليس ثمة شك فى أن الدكتور ستراند كان موفقا غاية التوفيق فى اختيار هذا الاسم الذى هو أقرب إلى طبائع الأمور ؛ ذلك أن الأسطورة الفرعونية القديمة تزعم أن أوزوريس كان يسكن السماء فنزل منها على هيئة إنسان ثم رجع اليها بعد حوادث طريفة ترويها هذه الأسطورة التى تقرأ فى إحدى فقراتها تلك العبارة : (( إن المجرة نيل السماء حيث يسكن الابرار فى نعيم دائم تحت سلطة اوزوريس )) . ولرجال الرصد بعد ذلك أن ينحتوا من الأساطير المصرية ما يروق لهم وما ينطبق على ما يكشفونه من كوا كب ونجوم فانها معين لا ينضب وينبوع صاف منه يملون وينهلون .

خاتمة

وإن مصر الشاعرة بمجد ماضيها ، الأمينة على عبقريتها بينها المأثورة ، المتيقظة لما يحتمه عليها مركزها من أداء ، رسالة التعاون ، لتؤدى فى هذه المناسبة قسطها الحق من الإجلال لجهود البلاد الأخرى ، مترسمة خطاهم ناسجة على منوالهم .

ومصر التى لها زعامة الثقافة الحديثة فى الشرق تلك الثقافة التى تنبعث من جامعتيها الملكيتين ، لتعبر أصدق تعبير عما يخالج قلوب أبنائها المثقفين من الإعجاب والعرفان بالجميل .

وإذا كان لى بعد ذلك ما أقوله فإنى أتقدم بإقتراح ، وهو أن تقوم جامعتا فؤاد واروق بشكر جامعة وارثمور توكيدا للصلات الجامعية وتوثيقا للعلاقات العلمية ، على هذه التسمية التى تحمل فى طياتها معنى من معانى تكريم مصر وماضيها المجيد وتراثها العظيم .

اشترك في نشرتنا البريدية