كنت أتصفح عددا من مجلة " الشفاء " التى كان يصدرها المرحوم الدكتور شيل شميل منذ ستين عاما، فلفت نظرى مقال عن الكوليرا بعنوان : " وباء الهواء الاصفر فى سنة ١٨٨٦ " جاء فيه ما يلى : " لا يخفى أن الهواء الأصفر قد نزل منذ مدة على أوربا ضيفا غير محتشم ( كذا ) . وطاب له المقام فيها بعد أن فارقنا غير مأسوف عليه . وإذا راجعنا تاريخ الوباء الحاضر نجد انه ابتدأ أولا فى فينسيا من أعمال إيطاليا، وذلك فى شهر ديسمبر سنة ١٨٨٥، حيث ألم يألف قسمة، وأمات منها ٦٣٠، ثم انتقل إلى يرتدزي فى أواخر أبربل ومنها أمتد إلى الضواحى المجاورة . وفى شهر سبتمبر سار فى طريق آخر وعرج على ضواحى نابولى وفى أكتوبرحل فى رومية، ولا يزال حتى اليوم فى مقاطعة كالبارى . على أن الحكومة الإيطالية تزعم أنه قد زال من بلادها، وتدعى أن عدد الذين أصيبوا به فى عام
١٨٨٦ خمسة عشر ألفا فقط، والحال (كذا) أن المسجلين منهم ٢١٠٠٠والمتوفين ٨٦٥٠ .
" وقد نزل الوباء على بلاد النمسا والمجر، ولكنه لم تشتد وطانه هناك جدا، وقد زال من فينا ومن بودابست ومن تريستا أيضا " .
وبينما أقلب الصفحات، عثرت على مقال آخر تحت ( أخبار طبية) بعنوان "الهواء الأصفر " جاء فيه : " جاء فى تلغراف من شركة روتر فى ٣ أغسطس ١٨٨٧، مفاده أنه قد توفى فى سالطة اثنان فى الكوليرا (كذا ) وجاء فى التاريخ نفسه أنه أصيب خمسة وتوفى واحد فقط . وجاء فى ٤ شهره (كذا ) تلغراف من شركة هافاس، مفاده حصول ٣ إصابات فى سواحل نابولى . وجاء فى التاريخ المذكور تلغراف من حاكم مالطة إلى قنصل إنكلترا بالإسكندرية، مفاده أنه لم يصب أحد فى مساء اليوم، وانه لم تقع وفيات جديدة، وأن الذين أصيبوا هم ٣ فقط، وهم تحت المعالجة، وجاء للقنصل أيضا فى ٤ الجاري من حكومة مالطة إفادة مفادها أن الكوليرا قد ظهرت فى الجزيرة، وأنه نقل فى الحال الأشخاص الذين أصيبوا بها إلى المستشفى المخصوص وهو على بعد ٢٠٠ ذراع من آخر منازل المدينة، وأحرقت الفرش التى توسدها المصابون، وطهر البيت وأمتعته، كل ذلك بقصد حصرها وعدم امتدادها، إلا أن كل هذه التحوطات لم تنجح فى حصر هذا الداء، بل هو لا يزال فى ازدياد فى الجزيرة وإصاباته ووفياته تكثر يوما عن يوم " . وهكذا انتشر ذلك الوباء الذى بدأ فى مصر عام ١٨٨٣ والذى اكتشف أثناءه العلامة كوخ جرثومة الكوليرا، التى عصفت بأرواح الملايين، وهى من فرط حقارتها لا تراها العين المجردة ؛ وهى أكثر ما تنتمش فى الأشهر الحارة ، وخاصة فى أوائل الخريف . وهي لا تحترم السن ، لأنها تصيب الأطفال والشبان والشيوخ سواء بسواء . ولا تولد الإصابة بها مناعة ضد الجرثومة، لأن الشخص الواحد
عرضة لأن يصاب بها مثنى وثلاث ورباع . ولم يكن هذا المرض معروفا قبل أوائل القرن التاسع عشر، حتى إذا جاء عام ١٨١٧ شمل الوباء الأول آسيا، ولم يمتد إلى غيرها، ثم خبا فى عام ١٨٢٣ دون أن يمتد إلى مصر . أما الوباء الثانى فقد استمر بين عامى ١٨٣٧،١٨٢٦ وشمل مصر . وحدث الوباء الثالث بين عامى ١٨٦١،١٨٤٦ والرابع فى عام ١٨٦٣ . والخامس بين عامى ١٨٩٠،١٨٨٣ وقد شملت كلها مصر ، وفى الوباء الأخير اكتشف العلامة روبوت كوخ ميكروب الكوليرا فى مصر فى غرفة ملحقة بالمستشفى الأميرى بالإسكندرية، وهى لا تزال قائمة حتى الآن . أما الطوفان الوبائى السادس فكان من سنة ١٨٩٠ إلى ١٨٩ ، ولم تنج مصر منه . وآخر وباء تذكره مصر هو الذى أصابها فى عام ١٩٠٢، عندما بدأ فى قرية موشا من أعمال أسيوط، ثم اتسع نطاقه حتى قضى على ما يقرب من ٢٠ ألف شخص فى أيام قلائل ولم تعرف بلادنا هذا المرض بعد ذلك إلا فى حالات فردية لم تتجاوز الخمس، تسربت إليها من فلسطين من وحدات العمال فى سنة ١٩١٨.
ولابد أن تخمن مصدر الوباء الحالى ( عام ١٩٤٧ ) فلو كان وافدا من الهند، فلا يمكن أن يكون تسربه بلادنا عن طريق مريض مصاب به، لان مدة الحضانة فى هذا المرض تتراوح بين ٣ و ٤ وأيام، وقد تصل إلى سبعة، والمعلوم أن السفر من الهند إلى مصر يستغرق حوالى الأسبوع وهى مدة تتجاوز مدة الحجر الصحى المقررة، أى أن أعراض المرض لابد أن تظهر بجلاء ووضوح قبل أن ترسو الباخرة على أرض الوطن العزيز الذى شاء موقعه الجغرافى أن يجعل منه ملتقى مدنيات العالم جميعا .
فالمعقول أن المرض تسلل إلى بلادنا عن طريق حامل الحرثومة، وهو الشخص الذى يأخذها فى جوفه دون أن تظهر عليه علامات المرض، وهو يحملها مدة قد تتجاوز
الشهرين، يتسنى له خلالها أن ينثر المرض حيث شاء دون أن يشاء !
وينتشر المرض عن طريق الماء الذى لونه براز المرضى أو حامل الجرثومة، ويكون ذلك إما بشرب الماء الملوث، أو الخضراوات والفاكهة التى غسلت به، وأشد حاملى الجرثومة خطرا هو الطاهى الذى يأتى لك بالعدوى إلى مقر دارك وأنت آمن، فيوردك ومن حولك موارد الهلاك . وقد ينقل الذباب العدوى إلى الطعام الذى تأكله . فحاربه وأبدء تأمن شره حتى يأذن الله بالخلاص.
وتتلخص أعراض المرض فى ثلاثة أدوار : الأول دور التفريغ، والثانى دور الهبوط، والثالث دور رد الفعل . أما دور التفريغ فهو اسم على مسمى لأن المريض يفرغ ما فى جسمه من سوائل حيوية عن طريق الفم والشرج، فينتابه إسهال شديد وفى أشد هولا، ويشعر بعطش ملح ويأخذ فى الهبوط، وتضعف نبضات قلبه، وتنخفض درجة حرارته عن مستواها الطبيعى . وقد يقف المرض عند هذا الحد، ويتحول سير المرض إلى طريق الشفاء، أو قد يستمر فى شدته إلى دور الهبوط، وقد تنهار قوى المريض، وتغور عيناه، وينكمش جلده، وتزرق شفتاه وأظفاره، ويغمره العرق، ويقل إفراز بوله أو ينعدم تماما، ويسرع نبضه، وقد لا يحس به مطلقا، وقد لا تستغرق هذه الرحلة غير المتعة إلى وادى الموت أكثر من ساعات معدودات أما الحالات البسيطة فإنها تدخل فى دور رد الفعل وفيه تبدو علامات التحسن السريع على المريض، فتعود إليه قوا ودفؤه الطبيعيان، ويقل عدد مرات التبرز، وقد ترتفع درجة حرارته قليلا، ثم يسير حثيثا فى طريق الشفاء .
وتتلخص وسائل الوقاية فى عزل المرضة عزلا تاما واكتشاف حاملى الجرثومة وعزلهم أيضا، أما السليمون
فيجب عليهم أن يتجنبوا أكل الخضروات الديئة والفاكهة الطازجة المعرضة لحط الذباب دون غسلها جيدا وغمسها فى ماء مغلى مضافا إليه أحد المطهرات كبر منجنات البوتاسيوم مثلا، ويحب ان يرفعوا مستواهم الصحى ولا يتأفى ذلك ما لم يتمتعوا بالغداء الجيد والهواء الطلق وتجنب أجسامهم مضار المشروبات الكحولية أما اللفاح الواقى فإنه أكيد فى مفعوله ويعطى مناعة تستمر لمدة خمسة شهور فقط، ولا تتولد هذه المناعة قبل مضي عشرة أيام من الحقن باللقاح . ولذا يجب ألا تتراخى فى اتباع وسائل الوقاية اعتمادا على الأمل الكاذب أثناء هذه الفترة الملائمة، ويعطي من اللقاح حقنتين بينهما أسبوع، ويختلف المقدار بحسب السن، فهو فى الشخص الكبير١/٢ سم ثم سم، وفى الأطفال فوق الثانية من عمرهم ١/٤ ثم ١/٣ سم، أما دون ذلك فيأخذون ١/٢ ثم ١/٢ويمكن إعطاء الأطفال الرضع ١/١٠ ثم ١/٤سم.
وقد كانت الكوليرا فيما مضى من الزمان تفتك ببنى البشر فتكا ذريا، حتى إن نسبة الوفيات كانت أحيانا تتجاوز السبعين فى الماية من عدد الإصابات أما الآن فقد دق الطب الحديث أحافين عدة فى الجزيرة الفاعلة الملقمة، حتى كادت تستسلم للذهن البشري الجبار . ففي الوباء الأخير بمدينة كلكتا جربت مستحضرات السلفاجوا بتدين فكانت نسبة الوفيات ١,١ % فى حين أنها كانت ٣٨,٣ % في الحالات التي لم تعالج بالسلفا . أما التى حقنت بالبلازما Plasma علاوة علي تعاطيها مركبات السلفا فقد انعدمت الوفيات بينها تماما . ويقصد باليلازما السائل الدموى الذى يتخلف من الدم بعد أن تفصل منه الكريات الحمراء، وقد توصلوا إلى تحضيره والاحتفاظ به على هيئة مسحوق يذاب عند اللزوم، ثم يحقن فى الوريد في الحالات التى يفقد الجسم فيها كميات كبيرة من السوائل، كما يحدث فى مرض الكوليرا وإسهال الصيف الحاد، والحروق الشديدة، والصدمات
الجراحية، والنزيف الداخلى والخارجى، وقد أدى استعمالها فى الكوليرا كما أسلفنا إلى نتائج باهرة فما أجمل العصر الذى اعيش فيه لقد تقدمت فيه وسائل الوقاية والعلاج من معظم الامراض التى فتكت بأجدادنا دون حساب أو ضمير، وأصبحنا فى أمان نسى من يطشها، وعندما نفكر فيما ووصلنا إليه وننظر إلى السماء فى خشوع حامدين، يجب الا ننسى طبيب العمل الذى يقبع فى ركنه يصل الليل بالنهار باحثا منقيا وراء أعداء الإنسان، ليقهرها الوحد بعد الآخر، فتعيش أنت ومن حولك فى طمأنينة تشكر عليها الله الذى ألهم هؤلاء الرسل اكتشاف ما توصلوا إليه؛ فطونى لهؤلاء المجهولين، إن جزاءهم عند الله !
ولنعد إلى صوت الماضى مرة ثانية، ونقلب صفحات مجلة الشفاء، فنقرأ فى صفحة ٤٣٦ من المجلد الثانى لعام ١٨٨٧ ما يأتى بعنوان " باشلس الهواء الأصفر " قالت البربتيش مديكال (بقصد المجلة الطبية البريطانية ) : لقد صار لاكتشاف ياشلس الهواء الأصفر أهمية عظيمة بين الناس، إذ صار يمكن به أن يتأكد ما إذا كانت حوادث الهيضة المفردة حوادث كوليرا أسيوية حقيقية أم لا، كما يظهر من الحادثة التالية التى حدثت فى مدينة نيويورك . فقد أقبلت على هذه المدينة من مدة قريبة سفينة إيطالية بين ركابها ولد هيضة، ولم تكن علاماتها تدل على أنها كوليرا حقيقية، ولتحقق ذلك أبقوا السفينة أولا تحت الحجر، وأخذوا شيئا من براز الولد وزرعوه، وبعد أربعة أيام وجدوا فيه ياشلس كوخ بكل خواصه المميزة له، فثبت لهم أن الحالة كوليرا أسيوبة حقيقية، وزادهم يقينا ما حدث فى هذا الوقت من ظهور حوادث أخرى فى السفينة مما دل على أن المرض انتشر فيها .
انتهى كلام الزميلة العزيزة القديمة . الله يرحمها ويرحم مؤسسها ومحرريها
