تقدم أحد الأشخاص في انجلترا إلي المحاكم ذات مرة مدعيا أحقيته في وراثة ضيعة واسعة ومعززا ادعاءه بوثائق قديمة لم يكن هناك أي شك في صحتها مما حمل المحكمة على الاعتقاد بصحة دعواه . ولكن بدا للقضاة فجأة أن يأمروا بتحليل ورق الوثيقة الأصلية التي كان يرجع تاريخها إلي عام ١٧٢٨ فظهر من التحليل انها مصنوعة من لب لم يكن معروفا قبل عام ١٨٨٠ ، وبذلك انهارت دعوي الرجل ، وبدلا من ان يفوز بالضيعة كان جزاؤه الأشغال الشافة عقوبة على جريمة التزوير .
هذه الحادثة وكثير مثلها مما يعرض على المحاكم وإدارات البوليس في جميع أنحاء العالم كل يوم ، تبين أهمية العلم الحديث في المساعدة علي اكتشاف الجرائم ، ولكن المشتغلين بهذه الناحية من العلوم التطبيقية يواجهون دائما لسوء الحظ عقولا لا تقل مهارة وذكاة عن عقولهم ، فكلما اكتشفت طريقة تساعد على كشف نوع معين من الجرائم فان المجرمين لا يعدمون وسيلة لمعرفة الطريقة الجديدة مادام العلم ميسورا لكل إنسان ، فيعملون على ملاقاة ما يؤدي إلي كشف أسرارهم ، وقد يكتشفون طريقة علمية أخري لطمس الحقيقة
لذلك نري في إدارات البوليس الكبيرة في العالم ، أنه قد انتهى العهد الذي كان يرجع فيه إلي الطبيب في كل صغيرة وكبيرة تساعد علي اكتشاف الجريمة بطريقة علمية ، فقد أصبحنا في عصر التخصص نظرا لاتساع هذه العلوم وتشعبها ، ولم يعد الطبيب في هذه الإدارات الكبيرة كافيا لإبداء رأيه كخبير في تحليل السموم والأطعمة والمياه والدماء ، وفي تحليل الأترية والنسيج والورق والحبر والبارود والنقود وما إلي ذلك من العمليات التي من صميم عمل الكيمياني ، ولو أنه في بعض الأحوال قد
يكون من المرغوب فيه ان يتوافر للشخص القائم بمثل هذه العمليات مؤهلات طيبة وكيميائية في آن واحد
ولعل لفظ الجريمة كثير الارتباط في أذهاننا بمنظر الدم بسبب إثارته للعواطف عند الانسان ، ولنبدأ لذلك ببيان عمل الكيميائي في هذه الناحية ، فإن أول ما يود المجرم أو القاتل تحاشيه هو تلوثه بالدماء ، كما أن رجل البوليس أو النيابة يسارع دائما إلي جمع معلومات وافية عن البقع التي توجد على الملابس المضبوطة ، فقد يكون فيها المفتاح الذي يساعده على جلاء الحقيقة ، فأول ما يحب ان يتأكد منه هو ما إذا كانت هذه البقع بقعا دموية ، وإن كانت كذلك فهل الدم دم إنسان ام دم حيوان آخر ، وإن كانت دم إنسان فهل من المحتمل أن تكون من دم الجاني أو دم المجني عليه . وطبيعي ان كل هذه المعلومات لها أهميتها في الوصول إلي النفي أو إلي الإثبات .
وفي الواقع توجد عملية واحدة سريعة يمكن بواسطتها أن يتأكد الكيميائي في الحال من أن البقعة التي أمامه هي دم ، ولكنه يضطر لأن يجري أكثر من تجربة واحدة ، قبل ان يقرر ان ما وجد على الملابس او الخرق المضبوطة من بقع هو دم .
فهو يبدأ عادة بالفحص الميكروسكوبي ليري إن كانت هناك الخلايا الحمراء التي تعرف بالكريات الحمراء والتي هي إحدي مكونات الدم الهامة والتي تحتوي المادة المعروفة بالهيموجلوبين - وأحيانا يعطي هذا الكشف معلومات هامة عن نوع الحيوان فيمكن مثلا معرفة إن كانت البقعة ناتجة من دم الفرخة أو دم بعض الحيوانات الثديية .
ويلي هذا الفحص الابتدائي القيام بعمليات كيميائية خاصة على مقادير صغيرة جدا من المادة للكشف عن وجود الدم . ويستعمل فيها بعض المواد الكيميائية مثل ماء الأكسوجين والبنزيدين وصبغةGuaiacum فالبنزيدين مثلا يعطي مع الدم ) ولو كانت كمية ضئيلة جدا ( لونا أزرق خاصا ، فإذا لم ينتج هذا اللون الأزرق ثبت أن
البقعة ليست دما ، أما إذا فتح اللون الأررق فليس هذا دليلا على أنها دم ، إذ قد تكون دما أو شيئا آخر يعطي مع هذه المادة الكاشفة نفس المون ، وهنا يجب استعمال طرق كيميائية اخري علي كميات صغيرة من مكونات البقعة يحاول فيها الكيميائي تحويل مادة الهيموجلوبين إلي مادة أخري تسعى الهيمن Hemin يسهل تمييز بلوراتها تحت الميكروسكوب . وأخيرا يجري علي المادة المكونة للبقعة كشف بواسطة جهاز خاص بسمي الإسبكتروسكوب ) منظار الطيف (
والفكرة الأساسية في هذا الجهاز في غاية البساطة فمن المعلوم لنا أن أشعة الشمس العادية تتركب من موجات ذات اطوال مختلفة تظهر بشكل الوان الطيف عند مرور ضوء الشمس الأبيض في منشور من الزجاج ثم خروجها منه واستقبالها على حاجز أبيض فنري جميع الألوان التي تشاهد في قوس فرح ، وكل لون من هذه الألوان ينتج من موجة ذات طول خاص - وهناك من المواد ما له القدرة على امتصاص ألوان ذات أطوال موجات خاصة من الضوء عند مروره فيها - فيظهر الطيف وفيه خطوط معتمة في أماكن الألوان التي امتصت موجاتها ويعتبر الطيف في هذه الحالة مميزا لكل من هذه المواد . ويمكن بهذه الطريقة التثبت تماما من وجود الدم ، وكذا بعض مشتقات المادة الملونة فيه ) الهيموجلوبين ( بواسطة جهاز الإسبكتروسكوب والأطياف التي ينتجها . وهناك طرق اخري كالتي تستخدم فيها الأشعة فوق البنفسجية للكشف عن الدم بل وعن كثير من العمليات المتصلة بالجرائم نأمل أن نتناولها بالتفصيل في فرصة أخري .
الخطوة الثانية بعد ذلك ، هي التحقق من أن الدم دم إنسان حتى لا يذهب كثير من الأبرياء إلي المشنقة بغير وجه حق ، وبقليل من علم الكيمياء الحيوية يمكن تحقيق هذه المسألة . فمنذ حوالي خمسة وثلاثين عاما
اكتشف أحد الأساتدة في جامعة كمبردج ان البروتينات الموجودة في مصل الدم لكل نوع من أنواع الحيوانات تختلف قليلا بعضها عن بعض . فقد وجد أنه إذا حقن دم حيوان معين كالانسان مثلا في حيوان اخر كالارنب ، فإنه يتكون في دم الأخير مواد خاصة مرسبة يسمونها - preeipitins تزداد كميتها بتكرار عملية الحقن ، فلو أخذ المصل من دم هذا الارنب وأضيف إليه مصل من دم أي إنسان لظهر في الحال راسب خاص ، وبذلك يمكن تمييز دم الإنسان عن دم كثير من أنواع الحيوانات الآخرى - وفي المعمل تكفي بقعة واحدة لأجراء هذا الكشف حتى ولو كان قد مضي عليها بضع سنين ، ولاشك في أن النتيجة قد تغني عن كثير من البحث والعناء
ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل أصبح من الممكن في الوقت الحاضر الحكم بأن البقعة ليست ناتجة عن دم شخص معين أو احتمال انتسابها لدم شخص آخر - ونقول " احتمال لأنه إلى الآن لم يمكن الجزم بأن البقعة تنتمي إلي دم شخص معين . ولبيان ذلك بإختصار نذكر أنه قد لوحظ أن الكريات الحمراء في دم أحد الناس قد تتجلط إذا خلطت بدم بعض الأشخاص ، ولا تتجلط مع دم أشخاص آخرين - وهناك فئة أخري من الناس يتجلط دمها إذا خلط بدم أي شخص آخر ، وفئة ثالثة لا يتجلط دمها إطلاقا بهذا الخلط . وقد فسرت هذه الظاهرة بأن هناك عاملين يطلق عليهما ال ,B A يوجدان معا في الكريات الحمراء للدم ، وقد يوجد أحدهما فقط وقد يمتنع وجودهما إطلاقا في كريات دم الشخص . وبالمثل هناك عاملان آخران a,b في مصل الدم - وفي دم كل شخص يوجد عاملان فقط من هذه العوامل الأربعة ، لا أكثر ولا أقل . كما أنه لا يمكن اجتماع العامل A في الخلية الحمراء مع العامل a في المصل وبالمثل لا يمكن اجتماع B مع b وإلا تجلط الدم في الحال واستحالت الحياة
لذلك ينتج ان دم أي إنسان لا يمكن إلا أن ينتمي
إلي إحدي المجموعات الأربعة الآتية بترتيبها من اليمين إلي اليسار وهي ab,aB,Ab,AB ومن ذلك نري أن الكريات الحمراء في دم المجموعة الأولى سوف تتجلط إذا خلطت بمصل من دم اي المجموعات الثلاث الأخرى ، كما يلاحظ أن الكريات الحمراء في المجموعة الأخيرة وهي خالية من أي عامل من عوامل الدم ) فما فيها هو ab وهي عوامل المصل وحده ( لا يمكن أن تتجلط بخلطها بأي مصل آخر . أما المجموعتان الثانية والثالثة فكراتهما الحمراء تتجلط مع مصل بعض المجموعات الأخرى ولا تتجلط مع مصل البعض الآخر .
وللحكم على المجموعة التي ينتمي إليها دم شخص معين يمزج قليل من دمه بتصل a ومصل b علي التوالي على شريحة من الزجاج ، فقد يحدث التجلط مع كليهما ) دلالة على أن الدم ينتمي إلي المجموعة الأولي ( . وقد لا يحدث التجلط مع أيهما ، وقد يحدث مع مصل a فقط أو مع مصل b فقط ، ويمكن اجراء هذه العملية بسهولة وسرعة فائقتين بواسطة الشخص المتدرب على العمل بها كما يمكن اجراؤها أيضا على البقع الدموية لمعرفة المجموعة التي تنتمي إليها ثم مضاهاة النتيجة بمجموعة الدم التي ينتمي اليها المجني عليه مثلا ، فان لم يكونا من مجموعة واحدة انتفي كون البقع المضبوطة من دمه
ولهذا التقسيم في مجموعات الدم اهمية اخري ، إذ يجب مراعاته عند اجراء عمليات نقل الدم من شخص إلى شخص اخر ، فإن لم يكونا من مجموعتين متوافقتين حدثت أخطار جسيمة قد تؤدي إلي وفاة الشخص الذي ينقل إليه الدم بسبب حدوث التجلط في شرايينه
ومن الطريف ملاحظة أنه إذا وجد العاملان AB في دم أحد الأشخاص فلا بد وان يكون أبوه أو امه قد حملاه في دمهما أو دم أحدهما من قبل - ولذلك كثير ما يستخدم هذا الدليل في المحاكم لنفي أبوة شخص لطفل
معين ، فإذا وجد مثلا أن طفلا يحتوي دمه العامل A وان امه لا يوجد في دمها هذا العامل فلا بد إذا ان يكون دم أبيه محتويا عليه ، فإذا حلل دم الرجل ووجد انه لا يحتوي على هذا العامل فلا يمكن ان يكون هو أبو الطفل ، أما إذا وجد هذا العامل في دم الرجل فليس في هذا اي دليل على أبوته أمام القاضي
وقد قرأنا أخيرا في الجرائد اليومية تنازع ثلاثة من النسوة علي طفل رضيع كل منهن تدعي أنه ولدها وان الجهة المختصة قد قررت تحليل دمهن ودم الطفل لعله يمكن إثبات ادعاء بعضهن .
ولنكتفي الآن بهذا القدر وموعدنا عدد تال إن شاء الله نذكر فيه بعض النواحي الآخرى التي يستعان فيها بعلم الكيمياء على اكتشاف الجرائم وكيفية ذلك
