الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 196 الرجوع إلى "الثقافة"

الكيمياء وكشف الجرائم

Share

- ٢ -

كثير من الناس يلذ لهم قراءة القصص البوليسية او مشاهدة أفلامها السينمائية ، حيث يقوم ابطالها امثال شرلوك هولز ، وشارلي شان وغيرهم ، بإظهار كثير من المهارة والذكاء في اكتشاف الجريمة . ويلاحظ أن في مثل هذه الروايات قل ان ينتهي فيها النصر لرجل البوليس السري يكشف غوامض الجريمة دون ان يلجأ إلي احدث الطرق العلمية لمعاونته في مهمته . والواقع أن جميع إدارات البوليس الكبيرة في العالم لا يمكن ان تخلو الآن من اخصائيين في هذا النوع من العلم التطبيقي المفيد .

وقد بينا في العدد السابق كيف ان الطبيب لا يمكنه في الوقت الحاضر القيام وحده بكل ما يتطلبه البحث والتدقيق في النقط التي يطلب منه بحثها دون الاعتماد على الكيماوي أو على غيره من الإخصائيين . كما تحدثنا ايضا عن كثير من طرق الكشف عن الدم وتمييز دم الإنسان من غيره من الحيوان ، وعن مجموعات الدم الأربع عند الإنسان ودلالاتها .

وسنتناول الآن بعض النواحي الاخري التي يستعان فيها بعلم الكيمياء علي اكتشاف الجرائم ، ولعل دس السموم للأشخاص من الجرائم الشائعة التي ما زال يلجأ إليها كثير من المجرمين - وقد يكون الطبيب أول شخص يقصد إليه للاستعانة به في الكشف عن هذه الجنايات ، وهذا أمر طبيعي إذ ان كثيرا من السموم يستعملها الطبيب بكميات مناسبة في علاج بعض الامراض ، كما انه علي دراية بتأثيراتها في الجسم إذا استعملت بكميات كبيرة ولكن إثبات وجود سم معين بالتحليل في بعض الحالات وتقدير الكمية التي استعملت منه في حالات اخري كل ذلك من صميم عمل الكيماوي ، أو هو على الأقل مشكلة كيماوية لا تحل إلا بالطرق الكيماوية في المعمل .

وعندنا الآن بمصلحة الطب الشرعي بمصر معامل كيماوية مستوفاة تقدم كثيرا من الخدمات الجليلة كل يوم للقضاء ، وللنيابة والبوليس ، ويقوم بالعمل فيها كثير من الإخصائيين في مختلف النواحي .

وسنكتفي في هذا الموجز بذكر بعض أنواع السموم الشائعة الاستعمال في القطر المصري دون أن نحاول بيان تفاصيل طرق كشفها ، فمن السموم الشائعة الاستعمال الزرنيخ الأصفر والأبيض ، وبعض مركبات معدنية اخري مثل الزئبق والأنتمون والنحاس والرصاص ، وهناك ايضا كثير من المركبات العضوية كالفينول ) حامض الفنيك ( وحامض الأساليك والفيرونال Veronal والاستركتين والكوكايين ، وبعض سموم نباتية مثل بذور البتج والداتورة وجذور خانق الذئب والأفيون وأوراق البلادونا ، وغير ذلك كثير مما يصعب حصره . ولا يقتصر استعمال هذه السموم  ضد الإنسان ، ولكن كثيرا ما تستخدم لقتل الماشية أو الكلاب أو حيوانات الحقل بقصد الكيد والانتقام

وفي وقت من الأوقات كان الزرنيخ هو !ا كثر هذه السموم استعمالا ، ومازلنا نسمع عن كثير من الجنايات التي استعمل فيها هذا السم للقتل علي رغم انه من اسهل السموم اكتشافا ، حتى بعد أن تمضي مدة طويلة على الوفاة ودفن الجثة ، بل إن كمية السم المستعملة يمكن تقديرها بكل دقة مهما صغرت مقاديرها ، ولو كانت أقل من جزء من الف من الجرام . وليست جميع السموم سهلة الكشف والتقدير كالزرنيخ ، واكتشافها يحتاج إلى علم واسع ودربة وفيرة على هذه العمليات الكيماويه . ولابد للقائم بها من ان يقدر عظم المسئولية ، ويكون له ضمير حي يحمله علي العناية والدقة

وكثيرا ما يطلب إلي الكيماوي أيضا بحث الملابس التي تضبط ويشتبه في ان لها علاقة بالجريمة سواء كانت خاصة بالجاني أو المجني عليه ، أو المشتبه فيه - وكثيرا ما أدى البحث الكيماوي إلي الكشف عن اسرار غامضة ما كان يحلم رجل البوليس أو النيابة بالوقوف عليها لو لم يلجأ

إلي العلم الحديث لمعارفته - وقد استمعت مرة إلي محاضرة لرئيس القسم الكيماوي باسكونلاند بارد في انجلترا ، ألقاها في جمع أقيم بمناسبة إهدائه مدالية الجمعية الكيماوية في الجامعة التي كنت أدرس بها فقد كان أحد خريجيها النابهين فبين كيف استطاع في حادثة سرقة إحدي الخزائن الحديدية الهامة أن يضع يديه على المتهم ، على الرغم من أنه كان قد أخفى كل اثار الجريمة ، وذلك باستخدام أحدث الطرق المعروفة للصوص ، حتى كادت معالم الجريمة تختفي ويصدر القاضي حكما يحفظ القضية ، لولا أن أثبت التحليل الكيماوي بالطرق الإسبكترسكوبية الدقيقة وغيرها أن ملابس هذا المتهم من دون ملابس سائر المشبوهين من سارقي الخزائن المشهورين كانت تحمل اثارا طفيفة من نفس الطلاء الذي كان على الخزانة المسروقة . ولا شك في أن ملابس المتهم قد تحملت بهذه الاثار البسيطة نتيجة احتكاكة بالخزانة اثناء محاولة فتحها . ولما وصل البوليس إلي هذه النتيجة ضيق الخناق على المتهم في الأسئلة حي اعترف بالحادثة كاملة ، والفضل في ذلك لاشك راجع إلي التحليل الكيماوي

ومن البديهي أن الأوساخ والبقع العالقة بالملابس لها أهمية في البحث عن مهنة الشخص المجهول ، أو البحث عن شخصيته ، فكثيرا ما تكون على ملابس الجزار والنجار والمهندس في ورشة ميكانيكية ، والشخص الذي يعمل في معمل كمياوي أو معمل للروائح العطرية ، بقعا خاصة مميزة

ثم إن تحليل الأتربة العالقة بالملابس قد يهدي الى معلومات هامة ، فمثلا يسهل تميز ملابس عمال المطاحن وعمال المكاتب أو دور الكتب بالأتربة ، ولجمع هذه الأتربة توضع الملابس في كيس خاص من الورق ثم تضرب بضع دقائق ويجمع التراب المنفصل ويعرض للفحص وقد يستدل من الأتربة التي توجد على الأحذية أو في طية " البنطلون " عند الرجل على طبيعة الأرض التي سبق له المشي فوقها ، فإذا وجدت جثة شخص ملقاة في ارض طينية ، وكان نعل الحذاء خاليا من أثار الطين أو عالقا به

اثار أخري طباشيرية مثلا ، أمكن بذلك الاستدلال على أن الجثة قد نقلت من مكان الجريمة بعد ارتكابها

وطريقة فحص الأتربة والأوساخ التي على الملابس ليست بالعملية السهلة ، بل تحتاج إلي كثير من الخبرة وتجري في أوروبا منذ بضع سنين ابحاث كثيرة عن فحص الاتربة سوف يكون لنتائجها أهمية كبيرة لخدمة الحقيقة .

ويبدأ فحص الأتربة عادة بالنظر إليها خلال عدسة مكبرة لأخذ فكرة عامة عنها ، ثم تفحص بالمجهر وتفصل بعض مكوناتها عن بعض إن امكن ، وبعد ذلك تحلل بالطرق الكيماوية أو الإسبكتروسكوبية . وقد يحتوي التراب علي مواد عجيبة مثل بعض الميكروبات أو بويضات بعض الحشرات ، واحيانا على ريش أو شعر صغير ، وهذه الأخيرة كثيرا ما تكبر عمورها الفوتوغرافية . وقد يحتوي التراب علي مواد بسيطة التركيب أو ذات تركيب معقد جدا

ومن الأمثلة الطريقة التي تدل على مقدار ما يمكن الوصول إليه من فحص ما يعلق بالملابس ، الحادثة الآتية التي يذكرها المستر لوكاس في كتابه Forensie Chemistry ) الكيمياء الشرعية ( والتي حدثت حوادثها داخل الحدود المصرية في أثناء الحرب الماضية . فقد قبض على أحد الأجانب بالقرب من قنال السويس في حالة مريبة ، فارسلت ) سترتة ؟ للفحص الكيماوي والفحص العام ، فجاء فى تقرير المعمل عن نتائج هذا الفحص أن هذا الشخص صاحب السترة قد سافر من بناقيا إلي القطر المصري على باخرة هولندية اذ ان البواخر الهولندية كانت في ذلك الوقت هي الوحيدة التي تمر في القنال وتقف في بناقيا ( ، وانه قد قفز من الباخرة في القنال ) ويحتمل أن يكون ذلك في المساء ( ، وبعد ان سبح إلي الشاطئ وصل إلي كثبان رملية خاصة معروفة على الشاطئ الغربى للقنال .

وقد أمكن الوصول إلي هذه المعلومات القيمة من فحص  الأزرار التي على السترة " فقد وجد عليها  اسم احد الخياطين في بتاقيا ، وأيضا من معرفة النسب التي تكونت

منها الأملاح التي وجدت على ملابس الرجل ومطابقتها لنسب الأملاح التي في مياه القنال ومن فحص دقائق الرمال التي وجدت في ملابسه ومطابقتها لطبيعة الرمال التي علي إحدي جهات الشاطئ ومن الطريف ان اعترافات الرجل جاءت مطابقة لكل ما ورد في تقرير العمل من استنتاجات وتكهنات

وقصة أخري حدثت وقائعها في انجلترا في السنوات الأخيرة ؛ وجدت جثة شخص مجهول ملقاة في جهة ما . وقد حار البوليس في معرفة شخصية القتيل ، فلا بصمات أصابعه كانت معروفة لهم ، ولم توجد أى مميزات خاصة يمكن الاستدلال بها علي شخصيته ، كما انه لم يتقدم أحد للتعرف عليه ، وأخيرا عثر في التجريف الذي بين نعل الحذاء وكعبه علي مادة ذات لون قاتم حلت كيماويا فأدي تحليلها إلي الاشتباه في أن هذا الرجل قد مشي حديثا على أرض غطيت بالاسمنت قبل تمام  جفافه ، وبالبحث وجد بقرب مكان الجثة حانة قد اصلحت أرض صالتها حديثا باسمنت من نفس النوع ، كما أنه لما فحصت هذه الأرض وجدت عليها أثار أقدام تطابق حذاء القتيل تماما ، ولما عرضت الجثة على صاحب المكان ، لم يقتصر الأمر علي انه تذكر شخصية صاحب الجثة بل تذكر من كان معه ، وأدلى بمعلومات عن شخصين آخرين كانا في صحبة القتيل قبيل العثور على الجثة ، وبذلك فتح أمام البوليس باب جديد للبحث ، وأمكن في النهاية القبض على المجرمين لنيل جزائهما العادل .

وكثيرا ما يؤدي تحليل رماد التبغ الذي يعثر عليه في مكان الجريمة إلي معلومات هامة ، فبالفحص الميكروسكوبي للرماد يمكن معرفة أن كان ناتجا من حرق السيجارة او السيجار أو من التبغ الذي يستعمل في الغليون ، وبالتحليل الكيماوي له يمكن ايضا الحصول علي معلومات وافية عن أصل التبغ ، وهل هو مثلا من النوع الفرجيني أو النوع التركي ، ولبيان ذلك يكفي إن نذكر ان مادة البوتاسيوم

توجد في النوع الاول بنسبة ك ٢.٥ % وفي النوع الثاني بنسبة ٢٠ / تقريبا

ومن الحوادث الهامة التي استخدمت فيها نتيجة هذا التحليل بمصر من عهد ليس بالبعيد ، الحادثة التي حاول فيها البعض الاعتداء علي أحد السلاطين ، فقد كان من الأدلة الى رجحت كفة الإتهام ، وجود أثار لفافة من التبغ بالقرب من مكان الاعتداء ، وجد بالتحليل الكيماوي مضاهاة تبغها النوع الذي يستعمله المتهم

وكثيرا ما تعرض المنسوجات والاقمشة للفحص بواسطة المجهر والتحليل الكيماوي ليؤدي ذلك إلي معلومات قد تفتح بابا جديدا في البحث عن غوامض الجريمة ، فيفحص مثلا عدد الخيوط في البوصة المربعة ، كما يمكن للعين الخبيرة أن تتعرف على نوع الغزل في الحال ويفحص التركيب الكيماوي للرماد الناتج من حرق جزء من القماش لمعرفة نوعه إن كان من الأقمشة الصوفية أو القطنية أو الصناعية ، أو خليطا من بعضها ، إذ أن التركيب الكيماوي للرماد الناتج من هذه الأنواع معروف الآن بتفصيل وفي

ومن الأمور التي تلجأ فيها إلي الكيماوي ليقول الكلمة الفاصلة في الموضوع حوادث النزيف والغش والتزوير فمثلا تفحص العملة التي يشتبه في تزييفها فحصا دقيقا لمعرفة العيوب التي لابد من وجودها في الغالب الذي صبت فيه أو ضغطت بواسطته ) وأحيانا يمكن بواسطة هذا الفحص معرفة إن كان مصدر التزييف واحدا في قطع العملة المضبوطة ( ، ثم ترسل بعد ذلك إلي المعمل الكيماوي لتحليلها ومعرفة نسبة تكوينها

أما حوادث الغش في الأطعمة وغيرها فكثيرة في كل يوم وبخاصة في هذه الأيام التي تأثر فيها العالم اجمع بهذه الحرب الضروص ، والتي شجعت ارباحها الطائلة الكثيرين من الجشعين على زيادة ملء . جيوبهم وبطونهم ما امكنهم إلي ذلك سبيل ، ولو عن طريق غش الجماهير

والحكومات ، على أن من حسن الحظ أن الكيماوي يمكنه ان يكشف عن كثير من جرائمهم ، فيمكنه أن يحكم بدرجة كافية من الدقة على غش الأطعمة مثل اللبن والسمن والدقيق والرغيف الذي ضج الناس من طعمه وشكله في هذه الأيام . وهناك أيضا الكثير من حوادث الغش المعروفة لنا جميعا ، والتي آثار بعضها اهتمام الرأي العام بمصر فترة من الزمن ، كشف عنها الكيماوي في معمله فساق بذلك أربابها إلي المحاكم العسكرية لمحاكمتهم .

ومن الحوادث الغريبة أيضا التي كان للتحليل الكيماوي فيها فصل الخطاب ، أن رجلا كان يشتغل في مصنع لحامض الكبرتييك في المانيا اختفي من الوجود فجأة ، فاعتقدت زوجه في أنه سقط في خزان الحامض فتآ كل جسمه واختفي شبحه ، وعلى ذلك طالبت الزوجة شركة التأمين بدفع ما تستحقه ؛ ولكن الشركة عارضت في ذلك

زاعمة ان الرجل لم يمت ، ورجحت انه قد رحل إلي امريكا أو إلي أي مكان ناء هربا من مشاكسة زوجه التي  كانت تكثر من مضايقته ، ولكن التحليل الكيماوي للحامض الذي في الخزان أثبت ان نسبة مركبات الفوسفور الموجودة فيه لا يمكن أن يكون مصدرها خامات الحامض ، ولكن يحتمل جدا ان يكون مصدرها كمية فوسفور تعادل الكمية التي توجد عادة في جسم إنسان بالغ ، وعلي ذلك اعتبرت الزوجة أرملة وحكم لها بدفع مبلغ التأمين

نكتفي الآن بهذا القدر المختصر ونذكر انه من حسن الحظ أن تعترف المحاكم الآن بأهمية الأبحاث العلمية الحديثة في سبيل كشف الجرائم ، ونأمل ان نبين في عدد تال بعض هذه الأبحاث العلمية المفيدة ، والتي تستخدم فيها أجهزة أخري خلاف التحليل الكيماوي .

اشترك في نشرتنا البريدية