يقوم مجمع فؤاد الأول للغة العربية بعمل معجم كبير يبحث في مواد اللغة ومفرداتها واستعمالاتها على طريق حديث ونظام جديد . وقد عنت لي بعض الآراء التي أوحتها إلي مطالعاتي في ((تاج العروس)) و " المزهر " وبعض المعاجم وكتب الأدب ؛ وزادني بها اقتناعا دراستي للهجات العرب ولغاتهم دراسة وافية مستمدة من عشرين مصدرا أو تزيد ؛ فرأيت أن لا مانع من الأدلاء بآرائي ، لعلها نجد تأييدا فتظفر بالقبول ، أو نجد معارضة فينالها التنقيح . وما دام المجمع اللغوي هو القائم على اللغة وشئونها ، فاني أتقدم إليه بهذه الآراء وإلي كل مهتم بالدراسات اللغوية ، تاركا لهم مهمة الاختيار أو الرد ، مع اعتقادى أن هذه الآراء جديرة بالنظر وحرية بالقبول وما كان اختياري هذا الموضوع بادئ ذي بدء إلا لأنه موضوع طريف ، هذا إلي أنه يمكن أن تستخرج منه أسس صحيحة وتقعد منه قواعد غير واهية ولا واهنة ولو أردنا أن نعرف اللثغ ما وجدنا أقرب إلي الصحة من أنه تحول اللسان من حرف إلي حرف لقصور ناشئ عن خلل فيه أو في الأسنان يقال لثيغ بفتح فكسر لثغا كفرح فرحا فهو ألثغ من قوم لثع بضم فسكون ، وهي لثغاء من نساء لثغ أيضا ، كما يقال فيه لثغة بضم فسكون إذا كان متصفا بهذا العيب واللثغ من حيث الحروف الملثوغ فيها ، إما حسن وإما قبيح ، كما أنه بالنسبة إلي الألثغ نفسه إما مكروه أو محبب ؛ فهو جميل من الشواب الغوانى والملاح الحسان الوجوه ومن كل من تجيء له محاسنه بألف شفيع ، وهو أيضا حسن أو غير
معيب من الأطفال وصغار السن ؛ لكنه من العجائز قبيح ، وهو من قباح الوجوه الذين كأنما خلقوا علي عجل أشد قبحا . وأحلى اللثغ في الحروف وأسره للنفوس ما كانت الثاء فيه مبدلة من السين ، وما كانت الغين فيه مبدلة من الراء ؛ ففي الثاء رقة تأسر وفي الغين نبرة تسحر ؛ وعجيب أمر هذه الغين، فقد لاحظت فيها ظاهرة غريبة يمر عليها الناس من غير أن ينتبهوا لها ، مع أن نبرتها تتغلغل في النفوس وتغور إلي أعماق القلوب وتغري المرء بالغزل أو الغرام ؛ ذلك أنها جاءت في كل صوت فيه حنان أو رقة أو تطريب ؛ فالطائر جميل وسجعه أجمل ، فهو إذا يغرد ، والظبية جميلة ، وإذا صاحت إلي ولدها بأرخم ما يكون من صوتها فانما هي تبغم ، والشاة في ترديدها حنان ، وإذا فهي تثغو ، والمرأة التي تداعب الطفل في عطف وحنو ورقة إنما هي تناغيه ، والشخص الذي يشجي بصوته ويطرب بلحنه إنما هو يغني ، وأغن الرجل أطربك بأحسن صوت ، ولذلك يقال ظبي أغن ، واللحن نفسه إنما هو نغم ؛ فنحن نلاحظ أن الغين في الغنة والنغم والغناء والمناغاة والثغاء والبغام والتغريد وحرف ( r ) في اللاتينية ينطق به أرستقراطيو الفرنسيين وظرفاؤهم غينا ، فيقولون في باري(paris) - التي هي باريس - باغي ؛ فلا عجب إذاَ إذا أولع الشعراء والمتغزلون بألحان اللثغ في الراء المحولة إلي الغين ؛ فيحكي لنا أحد الشعراء في البيت الأخير من شعره هذه اللثغة الجميلة التي أطربته وأعجبته ، ويبدع في عرضها حيث يقول :
أما وبياض الثغر ممن أحبه
ونقطة خال الخد في صفحة الصدغ
لقد فتنتني لثغة موصلية
رمتني في تيار بحر هوي اللثغ
ومستعجم الألفاظ عقرب صدغه
مسلطة دون الأنام على لدغي
يكاد أصم الصم عند حديثه
إلي اللثغة الغناء من لفظه يصغي
يقول وقد قبلت واضح ثغره
وكان الذي أهوي ونلت الذي أبغي
وقد نفضت كأس الحميا وأظهرت
على خده من لونها أحسن الصبغ
تغفق فغشب الخمغ من كغم غيقتي
يزيدك عند الشغب سكغا علي سكغ
ذلك شأن لثغة الغين و ما فيها من رخامة و استحسان. اما لثغة السين المحولة الي الثاء فانها لفرط رقتها و حلاوتها جعلت الشاعر العاشق يقوم من مجلس ساحره و آمره الذى بات يتعاطى معه الخمر و هو مأخوذ مفتون ألثغ كالمحبوب نفسه ،فيقول :
وشادن سألته عن اسمه فقال لي باللثغ عباث
بات يعاطيني سخامية وقال لي قد هجع الناث
أما تري حثن أكاليلنا زينه النثرين والآث
فقمت من لثغته ألثغا فقلت اين الكاث والطاث
والحروف التي يكون فيها اللثغ قد مر منها للسين ولثغته والراء وأحد لثغائه التي هي الغين . وللراء لثغات أخر ؛ فهي قد يحولها بعضهم إلى اللام ، فيقول في ضرب مثلا (ضلب)؛ وهذه ظاهرة في الاطفال كثيرا ، وتوجد في بعض الكبار ايضا ، وقد وردت في معاجم اللغة الفاظ بينها هذا الاختلاف اللثغي ، نورد منها بعض الأمثلة : هذا من جنسك وجنثــــك ، الوطس والوطث ، الجسمان والجثمان وانت نفسه ترين وغانت نفسه تغين ، المرث والمغث . الغابة من معانيها الراية يقال أرييت الراية وأغبيت الغابة بمعنى نصبت الراية ؛ وقد استعملها بعض الشعراء أو أوردها بعض الرواة بهذا الضبط ؛ فقد كان تجار الخمر
في بلاد العرب ينصبون راية ليعرف الناس انهم باعة للخمر
فقال الشاعر :
قد بيت سامرها وغاية ياجر
وافيت إذ رفعت وعز مدامها
ومما جاء : رمقته ولمقته ، والطرس والطلس الخ . ومن لثغات الراء الياء أو الهاء ، فيقال في ضرب مثلا ( ضيب أو ضهب ) وقد ورد : جوع درفوع وديفوع ودهفوع . أما لثغة اللام فإنما هي الياء ، فيقال مثلا في لبن (يبن )، وفي المعاجم ؛ الملث والميث مثله في بعض معانيه . ومن الحروف التي يكون فيها اللثع الزاي والشين والجيم ، فالزاي يلثغ فيها بالدال مثل ( حازه يحوزه وحاذه يحوذه ومزعزع ومذعذع. والشين يلثغ فيها بالسين وبعض الناس يقولون في الشمس (السمس) ومما ورد الارتعاش والارتعاس والهش والهس ، وقد يزداد اللثغ في الشين حتى يصير إلي الثاء بسبب العجز عن النطق بالسين ، ومما ورد الهبش والهبث وفرشط وفرثط . أما الجيم فهذه يلثغ فيها بالدال ويسميها بعضهم لكنة ؛ وكثير من الأطفال وقليل من العامة في قري بعض مراكز الوجه القبلي يلكنون في الجيم فيقولون في الجيش مثلا ( الديش ) ، ومما ورد في المعاجم أجهضت وأدهضت وجعست ودعست وقد عد الجاحظ في البيان والتبيين أن الراء قد يلثغ فيها بالذال وبالطاء ، وأن اللام قد يلثغ فيها بالكاف ، وان القاف قد يلثغ فيها بالطاء ؛ ولكن هذه اللثغات التي عدها نادرة بل لا تكاد تكون موجودة .
وإذاً فهناك حروفيلثغ فيها ، وهناك ألفاظ وردت في المعاجم في مادتين مختلفتين على وزن واحد وبمعني واحد أو ترادفا على معنى من معانيهما ؛ فما منشأ ذلك ، وما الداعى إليه ؟ الواقع ان بعض الرواة كان يتحري الأمانة في النقل فهو كما يسمع ينقل ، فرما سمع أعرابياً وقد
يتفق ان هذا الاعرابي ألثغ فينقل عنه ألفاظاً ، ثم يسمع أعرابيا آخر صحيح اللسان وترد هذه الألفاظ السابقة سليمة فينقلها ذلك الراوي أيضا ، ولكن يعتبر أنهما لغتان مختلفتان في مادتين مختلفتين وقد يكون بعض الرواة في البادية يستمع إلي الأعراب ويتلقي عنهم ، وقد يجيء غلام حدث فينطق بالكلمة أو الكلمتين باللثع , فيسأل الراوي من حضر عن معناهما فيجاب إليه على صحته . فينقل لفظ الغلام ولفظ الكبار على أمهما مترادفان . وهناك بعض الرواة قد ينبه إلي أن هذه لثغة ، إلا أن أمانة المدونين أيضا تأبي عليهم إلا أن يدونوا كل شئ في مادته ، مع معرفتهم أنه لثغة للفظ آخر ، لا أنه لفظ أصلى غير أن هناك بعض الرواة لم يكن فيهم التحرز أو الأمانة في النقل أو التورع عن الاختلاف ، فيسمع مثلا أحد الرؤساء يلثغ ، وحينئذ يتقرب الراوي إليه على حساب اللغة زاعما أنه سمع أعرابيا ينطق بهذه الكلمة كما أوردها الرئيس ، فتؤخذ عنه هذه وتوضع في المعاجم على اعتبار أنها لغة ، واللغة في الواقع منها بريئة .
وبناءً على ما تقدم نوجه الأسئلة الآتية ، محاولين الإجابة عنها مشتملة علي الآراء التي عنت لي والتي كتب من أجلها هذا الموضوع :
١ - أيجوز لنا أن نتغاضى عن هذه الألفاظ الملثوغ فيها وندعها في المعـــــــــاجم كما هي في أماكنها ، أم نزيلها ونجرد المعاجم منها ؟
٢ - وإذا جاز لنا أن ندعها في أما كنها ، فهل يكون على اعتبار أمها ألفاظ جائزة الاستعمال ، أم أنها ألفاظ تاريخية سقطت إلينا من أعراب لثغ ، وحينئذ فينبغي أن ننبه إلي أنه لا يحوز استعمالها ؟
٣ - وعلي فرض التسليم بصحة هذه الألفاظ ، فعلى أي قاعدة أو أساس يكون هذا التسليم ؟ أعلى أساس
اعتبار كل ما ينطق به العربي صحيحا ، حتى ولو كان هذا العربي ألثغ معيب اللسان أو ساقط الأسنان ؟ أم علي اعتبار التسليم المطلق بكل ما ورد في المعاجم من غير نقد ولا تمحيص ؟
4 - وهل يحق لنا أن نتخذ هذا أساسا ومقياسا ، فنجيز لأنفسنا التفريع من كل كلة مشتملة على حرف محتمل للثغ الشائع ، فنجعل كل ما ورد بالسين مثلا يصح أن يرد بالثاء ، ونجعل قول صاحب "تاج العروس " أساسا عاما وقاعدة صحيحة ، حيث يقول في مادة ( خنقث ) : كثيرا ما تخلف الثاء السين ؟ أم أننا نقتصر على ما ورد فحسب ؟
تلك أسئلة تستحق أن نعيرها النظر ، وأن نستخرج لها الأسس الصالحة المقبولة . أما أنا فاني مقتنع بأنه لا يحق لنا أن نتخذ اللثغ مقياسا ، إذ لا يعقل أن نجعل العيب اللساني في بعض الاعراب قاعدة لمن هو صحيح اللسان سليم النطق ، خصوصا وأن اللثغ داء لا يخلو منه أفراد في أي أمة ؛ وإذا كنا لا نتخذ شاذ اللهجات التي تطرد في بعض القبائل أساسا ، فمن الأجدر ألا نتخذ العيب اللساني أساسا أيضا ! كما أنني لست من أنصار التسليم المطلقي بكل ما ورد في المعاجم من غير نقد ولا تمحيص ؛ وإذاً فمن الواجب أن نجرد المعاجم من هذه الألفاظ تجريدا تاما ، ولا يبغي أن نجعل لها مواد مستقلة ، كما هو موجود فيها الآن ، فان لم يمكن هذا لبعض اعتبارات ، كأن يجد الإنسان بيتا من الشعر ، أو قطعة أدبية فيها هذا اللفظ الملثوع فيه ، فيحار في معناه إذا لم يجده في المعاجم بعد ذلك ، فلا أقل من أن نلحق هذه الألفاظ بموادها الأصلية ، لا أن ندعها كما هي في مواد مستقلة ، ولكن على شريطة أن ننبه إلي أنها ألفاظ تاريخية لا يجوز لنا استعمالها ، اللهم إلا كما ينطق أي إنسان ألثغ بأي لفظ
آخر غير موجود في المعاجم ، وإزاء هذا كله يمكننا أن نضع قاعدتين نسترشد بهما في تنظيم معجم جديد
(١) كل لفظين جاءا ( ا ) على وزن واحد ( ب ) وبمعني واحد ( ج ) والتغيير بينهما في حروف اللثغ فحسب ، فاننا نعتبر الكلمة التي فيها الحرف الأصلي هي الأصلية ، وأنها هي التي تداولتها العرب ، ثم تعتبر الكلمة الثانية التى فيها اللثغة ليست لغة مستقلة ، وليست موضوعة أولا ,. ولا يصح أن نعتبرها مادة قائمة بنفسها ، ولا هي مادة صحيحة ، لأنه لو أجزنا صحتها لصح لنا ان نجيز التفريع من كل كلمة مشتملة على حرف محتمل للثغ الشائع ، فنقول مثلا يجوز في سكر أن يقال ( سكع وسكل وسكى ,
وسكه وتكر وتكغ وثكل وتكي ) وهكذا وهذا ما لم يقل به أحد
( 2 كل لفظين جاءا ( ا ) على وزن واحد ( ب ) ولــــــــــــكل منهما معان مختلفة ، ولكنهما ترادفا على معنى ( ج ) وكان التغيـير بينهما في حروف اللثغ فحسب . فاننا نعتبر هذا المعنى دخيلا علي أحدهما ، وهو الذي اشتمل على الحرف الملثوغ به , فالغاية مثلا معناها المدي والمنتهي . ومن معانيها الراية ، وإذا فالغاية بمعنى الراية دخيل على لفظة الغاية يجب أن تجرد منه ويترك ما استقلت الغـــــــــــــــــــــاية بمعناه عن معاني الراية
( يتبع )

