الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 284الرجوع إلى "الرسالة"

اللغة الأصلية ومعلمو اللغة العربية

Share

جاء فى الأهرام بتاريخ ٤ ديسمبر سنة ١٩٣٨ تحت عنوان ( تنفيذ خطة الاصلاح في معهد دار العلوم ) أنه قد استقر الرأي على إنشاء قسم لتعليم اللغات الأجنبية وآدابها لخريجي دار العلوم على أن تكون الدراسة ليلية . وسيذاع في الأيام القادمة بيان بأغراض هذا القسم ونظام الدراسة فيه ، على أن يبدأ العمل فيه من منتصف الشهر الحاضر )

وهذا إصلاح جدير بالثناء يتقبله خريج و الدار بنفوس راضية مطمئنة متشوقة إلى الكمال ، راغبة في الاستزادة من العلم. فاللغات الأجنبية الآن من أعظم مناهل الثقافة في العلوم والآداب؛ و هم شديد و الرغبة في ورود مناهلها ، ولديهم الاستعداد للاستفادة منها، حتى تجدى عليهم في أدبهم ورسالتهم التي يودون أداءها على أحسن الوجوه وأكملها

ولكن ليس كافياً أن تفتتح الوزارة قسما لتعليم اللغات الأجنبية وآدابها ، وتنادى المعلمين : هلموا إلى هذا القسم ، فاذا هم إليه يوفضون ، ومنه يستفيدون مادة جديدة ؛ ثم إذا هم يصدرون عنه وقد حمدوا الورد والصدر ، ورووا نفوسهم من معينه ، وتجيبوا ريا من نميره ؛ وإذا هو أصبح طيب الأثر لديهم

عظيم الجدوى على عليهم وأدبهم وصناعتهم لا . ليس هذا كافياً ، بل لابد أن تنظر الوزارة إلى الموضوع من ناحية أخرى : تلك هى أنهم ينوون الآن بسملهم ، فلا يتوقع لهم أن يصلوا إلى الفائدة المرجوة ما لم يجدوا الوقت فسيحاً يمكن لهم من إتقان عملهم الأصلى أولاً ومن التحصيل المثمر ثانياً

إن المعلم الابتدائى مثلا يقوم بتدريس ٢٤ حصة في الأسبوع؛ وقد يكون لديه عمل إضافي كمكتبة المدرسة ، فيشغل نفسه بالتحضير والتدريس والتصحيح وغير ذلك من الأعمال الاضافية ؛ ثم لا يجد وقتا للاستجمام وتجديد المعلومات والاطلاع على ما يجد من البحوث ؛ أنه كان أولى من غيره بالبحث والاطلاع والانتاج ؛ ولكن عماد الأصلى بأكل وقته وباهيه عن العناية بشأن نفسه ، بل يورثه الكلال والأسقام

كنا في لجنة امتحان لا تزيد على عشرة معلمين من خريجي دار العلوم ؛ ولعل القارئ بأخذه العجب إذا علم أن سنة من هؤلاء. كانوا على الطعام يتناولون أدوية تساعد على الهضم وتنظيم عمل المعدة وهم فى سن تعد عند غيرهم من الشباب ؛ ولكن الذى خير المهنة وأحس متاعبها يعجب كيف لا يصطحب العشرة جميعهم قارورات الدواء إلى مقر الامتحان !

إلى لأعرف كثيرا من معلمى اللغة العربية أقبلوا على تعلم اللغة الانجليزية حتى نالوا منها قسطا كبيرا جديرا بأن يفيدهم لو بقى في نفوسهم ، وهيهات أن بقى مع تتابع أعمالهم المرهقة

وهذا واحد مهم تعلم سنة أشهر بمدرسة اجنبية ، وحصل من اللغة الانجليزية في هذه المدة القصيرة مالم يحصله التلميذ في ثلاث سنوات . أندرى ماذا من أمره بعد ذلك ! لقد قضى سنة يتردد على أطباء العيون والمعدة والأسنان والمفاصل والأعصاب . أما ما عرفه فما لبث أن استحال شبابا نائما ، ثم تساعد بخاراً ذائيا إذا كانت الوزارة تعتزم الاصلاح حقا ، فاتخذ الوسيلة لذلك بتخفيف العبء عن معلمى اللغة العربية ؛ ولتجمل أقسام اللغة الأجنبية في المدن الكبرى متعددة ليسهل على كل معلم أن يرد القسم القريب من مسكنه ؛ حتى يحفظ وقته، ويحصل أكثر ما يستطاع ولا يجولن بخاطر أحد أن المعلمين يرجون التخفيف بطرا وتجنيا . لا بل إن كل نقص في الكم يقابله تحسين وتجويد في الكيف . ولتسلك الوزارة السبيل القاصدة محمد غبها ومجد خير النتائج إن شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية