لاشك أن اللغة العربية تجوز في عصرنا طوراً من الإحياء والتجديد، ولا شك أن مصر هي التي تحمل لواء هذه النهضة المباركة؛ بيد أن هذه النهضة تتكشف أحياناً عن مظاهر ضعف تدعو إلى الأسف؛ فبينما نجد لغة الصحافة والأدب تبلغ مستوى رفيعاً، إذا لغة المصالح الحكومية والمحررات الرسمية بوجه عام لا تزال على جانب عظيم من الركاكة والضعف، هذا إلى كثير من الألفاظ الأجنبية الدخيلة تستعمل في الدوائر الحكومية والعسكرية؛ وهذه الألفاظ الدخيلة، وهي تركية في معظمها، هي من آثار عصر مضى، ويجب أن تمحى اليوم لاعتبارات قومية وأدبية ظاهرة المغزى؛ واللغة العربية ليست قاصرة عن أن تؤدى بديلا لهذه الألفاظ الأجنبية التي أضحت في الدوائر الرسمية كالطفيليات الضارة. ولقد رأت تركيا الكمالية من قبل أعوام أن تطهر اللغة التركية من جميع الألفاظ الأجنبية التي تسربت إليها، ومن المعروف أن العربية كانت تمثل في التركية بنسبة عالية ولكن زعماء تركيا الكمالية الذين يضطر مون بغضاً لكل ما يمت إلى الإسلام واللغة العربية بصلة، لم يجدوا بديلاً في التركية لتلك الثروة العربية التي أطلقت ألسنتهم قروناً، بل عمدوا إلى اللغات الأوربية يشتقون منها ويستعيرون. ومن حق العربية على نفسها وعلى أبنائها أن ترد إلى التركية بضاعتها المزجاة من الألفاظ العتيقة؛
واللغة العربية ليست في حاجة إليها، وليست عاجزة عن أن تقدم مكانها البديل؛ أليس مما يبعث إلى الخجل والأسى أن نسمع حتى اليوم كلمات (حقانية، وباشكاتب، وحكيمباشي) وأمثالها تدون في محرراتنا الرسمية، وأن تكون اصطلاحات الجيش المصري إلى اليوم كلها تركية؟ ولقد سبقت العراق مصر في التحرر من هذه الآثار البالية، واستحدثت لنفسها في الدواوين وفي الجيش ألفاظاً واصطلاحات عربية. وضربت بذلك مثلاً رفيعاً يحتذى، فعلى مصر التي تتصدر لزعامة الآداب العربية أن تحرر نفسها من هذه البقية العتيقة من العصر البائد، وأن تطهر لغتها ومحرراتها من هذه الألفاظ الدخيلة، وأن تكون في ذلك قدوة حسنة لجميع أبناء العربية في مختلف الأقطار.
