سادتى ، دعا معالي وزير المعارف حضراتكم الى سماع تلك المحاضرات العامة ، فأمس الاول ألقى الدكتور منير العجلاني محاضرة قيمة عن رابطة اللغة والامة ، وبالامس القى صديقى وزميلى الدكتور طه حسين محاضرة عن تيسير القواعد في اللغة ، وما ينبغى ان يتخذ ليتعلم المتعلم فى سهولة ويسر من غير ان تضيع سلامة اللغة ، او يضيع جوهر اللغة .
واليوم بما اني جئت الى مؤتمر المجامع هنا ، وحثت من قبل المجمع اللغوي المصري ، رأيت من الخير ان اتكلم بشئ من الاجمال عن اهداف مجمع مصر في خدمة اللغة العربية ، وعن نزعاته فى هذه السبيل ، ومهما يدأب العلم ايها السادة في معرفة نشأة اللغات واطوارها وتوزيعها فى الافاق بين الامم ومهما يكن من تحليقه فى هذه الناحية فستظل ثمة حجب تحول دون ادراك الانسان للاسباب البعيدة الدقيقة التى حولت قوة التفكير وخلجات الوجدان ، وطاقات النفوس الى أصوات مسموعة ، ذات جرس ، تبدو عند الانسان تارة مجلجلة ، أو هامسة ! وتارة تبدو عند غيره من انواع الحيوان مهمهمة ، او مغردة ، او عاوية ، الى غير ذلك من انواع الاصوات الدالة على شىء معين فى عالم الباطن ، وقد تستدرجنا النظرة العابرة الى اللغات والاصوات من هذه الناحية الى فروض والى نظريات . وتشعرنا بضرب من اللاورائية من تلك الماورائية المحيرة كثيرا ، ويودى هذا الضرب من الماورائية ومن عميق التأمل فى ذلك الى الاقرار بعجر العقل عن ادراك كنه كل شئ ، ثم الى نوع من تسبيح الله يفرض على نفوس المتأملين من هذه الناحية .
نحن لا نعلم كيف كانت اللغات وكيف نشأت ، وكيف علم الانسان اللغات وكيف ألهم .. لا ندري .. العلم عاجز عن ادراك ذلك ، وليس من شأنى اليوم ان اتناول هذا اللون من التفكير الفلسفى ، وحسبى مانعا ان اجتماعنا قد اقيم لدراسة محدودة للغتنا المعينة ، وهى موقفها المعين ومسيرها ، وتقدمها ، واتصالها
بميدان الحياة العصرية العملية فلا ينبغي اذن ان ينأى حديثى عما كان لمجمع مصر من نشاط واهداف ، لخدمة لغتنا العزيزة .
ومن المسلم به ان اللغة العربية لم تقف دون حراك حيال الحركة العلمية والحركة الحضارية الحديثة ، فلقد هيأت لها قابليتها ، ومرونتها اسباب البقاء الطويل فهي تكسب وتغنم من حرص أهلها على دعم نهضتهم بالعلم ، وبالثقافة الرفيعة ، وما لها من اطيب الاثر فى تنشيط الاذهان واصلاح البيان .
وبدت بوادر هذا النهوض فى مصر وفى بلاد العروبة فى شتى الصور فيما يبحث ويبعث من تراث تليد وفيما ينشر او يستحدث من تفكير في غير ذلك مما تتسامى به المدارك وتعلو به انسانية الانسان .
وترجع ملامح هذا النهوض العربى الى عهد تترامى ذكرياته وعهوده عند قرن من الزمن ، فظهرت البشائر فى مصر على يد من فقهوا لغة الضاد ، وحذقوا بعض اللغات الاجنبية ، فالتزمت من بينهم جماعة بنقل طائفة من كتب الغربيين في مختلف العلوم والفنون ، واغرى ذلك بالتنقيب فى المجتمعات ، وفي كتب الأدب الانتقاء الالفاظ العربية ، او لوضعها وتفصيلها حتى تصبح قالبا محكما ولباسا وفاقا المختلف التصورات الذهنية التى جاءت بها الحضارة الراهنة ، وكان من اثر ذلك ان نهضت الفصحى ، الا ان التقدم من الناحية الادبية كان ارحب خطى ، واكمل مظهرا فى لغة العلوم ، وانها على اية حال فى نهضتها العلمية قد تعالت على لغة الدواوين التى كانت فى حالة يرثى لها وقتذاك . ولعل من دواعي تخلف اللغة العلمية عن اللحاق بلغة الادب ، ان طائفة من العلوم والمعارف كانت تعالج في معاهد الدرس بلغات اجنبية اما لفقر فى كفاية التدريس من اهل البلاد ، واما عن هوى فى نفوس المسيطرين الاجانب في نشر لغاتهم ، وثقافاتهم جميعا بلغاتهم ، وكان للامرين كليهما اثر سئ فى تعويق المصطلحات العلمية من اندماجها في لغة الضاد
لكن سرعة التتابع لشتى المخترعات كان من شأن جريانه الشديد من بلاد الغرب صوب البلاد العربية ان يدفق فى مختلف اسواقها طائفة من الالفاظ والتراكيب الاجنبية جرت فى الكتابة وفى احاديث الناس ، ومرافق الحياة ، ورافق ذلك التدفق الغامر المخيف دعوة لنفر من المستعمرين او من السطحيين ، او ممن فى قلوبهم مرض ، اذ كانوا جميعا يتجاوبون لاضعاف لغة الضاد ، وتفتيتها
لتحل محلها فى بلاد العروبة لهجات دارجة ، او شاملة ، لكى تصير بعد ذلك الى لغات متباينة
ولقد ترتب على بشائر هذا الانبعاث القومى ، والفكري منذ قرن ، وعلى الخوف من سيل المصطلحات والتراكيب الاجنبية الجارفة ، وعلى دعوة الدعاة الى تفتيت اللغة ان تجاويت همم ذوى الغيرة من العرب ليفكروا فى اتخاذ الوسائل لرفعة لغتهم الى المكانة اللائقة برباط العروبة المتين ، ولغة البيان المكين ، ومن ثم اسفر الامر عن فكرة المجامع العربية فى دمشق وغيرها الى انشات مصر مجمعها الرسمي الحالى ، فعقد اولى جلساته فى آخر كانون الثاني سنة ١٩٣٤ وحدد اغراضه فيما يلى
- ان يحافظ على سلامة اللغة العربية ، وان يجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون فى تقدمها ، وملائمة على العموم لحاجات الحياة فى العصر الحاضر ، وان يقوم بوضع معجم تاريخي لللغة العربية ، وان ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة وان يبحث كل ما له شأن فى تقدم اللغة .
هذا هو النص الاساسي فى تأليف المجمع المصرى . وقطع المجمع حتى عامنا هذا اثنتين وعشرين دورة ، وعقد فى كل دورة نحو اربعين جلسة الى جانب الجلسات العديدة للجانه المتعددة .
اخذ المجمع يعمل فى تحقيق الاغراض التى انشىء من اجلها فتصنفت جهوده اصنافا يمكن تلخيصها فى ستة او سبعة هى .
اولا - تطويع مادة اللغة العربية لمسايرة مستحدثات العلوم والفنون ثانيا - درس المصطلحات العلمية والفنية درسا دقيقا مستأنيا . ثالثا - تيسير دراسة النحو والصرف والاملاء . رابعا - تشجيع الانتاج الادبى . خامسا - بحث النصوص القديمة على مختلف انواعها . سادسا - دراسة اللهجات العربية . سابعا - تيسير الكتابة - الخط -
هذه هي اصناف جهود مجمع مصر ، ولعلى ايها السادة لا استطيع ان اعرض عليكم مفصلات من هذه الاصناف التى تمثل محاولات المجمع وجهوده ، فذلك
قريب ميسر لمن يريد ، لكن اود ان أقف قليلا عند اتجاه المجمع في تطويع مادة اللغة لاقرر انه قد سار سيرا سليما الى نزعة التيسير فى متن اللغة وفى قواعدها ، فدعا الى قياسية التضمن ، واجاز نوعا من الالفاظ المولدة ، واباح التوليد والنحت عند الضرورة القصوى واخذ بالاشتقاق من اسماء الاعيان ، وجعل اسم الالة قياسيا ، وكذلك المصدر الدال على الحرفة ، واخذ فى قياسية جموع التكسير . واجاز النسب الى الجمع وجعل المصدر الصناعى مقيسا ، ودعا الى تكميل المادة اللغوية التى لم تستكمل في المأثور من اللغة ، وايد حق المحدثين في الوضع اللغوي الى غير ذلك من الضوابط والاقيسة التى وردت موضحة في محاضر المجمع ونشراته وكان يعتمد فى ذلك على اقوال افاضل اللغويين المتقدمين المعلمين .
ولا يسعى فى موقفى المحدود بسط المفصل ، او تفصيل المجمل في هذه الدراسات اللغوية التى اثمرتها جهود المجمعيين في مصر على اننى لمناسبة قولي المجمل فى تطويع مادة اللغة اصارح برأى بينكم فيما احرص وجوب الحرص عليه فى نهضتنا المشتركة المتوثبة ويبدو ان الايمان بقيمة لغتنا والوثوق بخصبها هما ارسخ دعامة تقام عليها خدمتها والمحافظة على سلامتها وما هذا الايمان وهذا الوثوق الا نتيجة ملزمة لما يلهمه الواقع فمنذ عرف للغة العربية منظوم او مأثور او منثور من القول فى خلال نحو ستة عشر قرنا ، يتبين للمتأمل انها لم تعجز قط عن تحمل ادق المعانى النفسية وعن الافصاح عن نقائصها فى صورة تدعو الى الاعجاب ولم تعجز كذلك عن تحمل المعانى التى جلبتها حضارات قديمة كان لها اثرها في رقى البشر وحسبنا نظرة الى ما نقل اليها من فكر اهل العلم والادب والفن من الهند واليونان والفرس والروم والى ما اضافة من دونوا ونقلوا من مصطلحات الى ان نقرر انها لغة تدعو الى الثقة حقا وثقافتنا بلغتنا تهيب بنا ايها السادة الى ان نستقبل كل ما يجد بسلاح من صميم مادتها يكفل لها الفوز فى مجاراة التقدم العصري
وانه لا يضيرنا فى سبيل ذلك ان نتوسع فى مقاييس اللغة ونستزيد من صنعها لان ذلك افضل للـلغة وابقى عليها من ان يقتحم سياجها الفاظ غريبة لا تنسجم مع طبيعتها ولا تلبث ان تسرى فى جسدها وتتكيف حول مادتها سريان الداء المميت والتكيف المقيت القاتل .
اننا اذا استخدمنا الى جانب التوسع فى الاقيسة والى جانب الثروة الضخمة ، والمادة الغزيرة ما توارثناه من ذوق عربى وسليقة مواتية يصح ان يمثلها صفوة من اهل التفكير واللغة فى المجامع العربية ، فمن المؤكد ان ازدهار لغتنا من ذاتيتها ومن طبيعتها لموشك قريب لا تحتاج لغتنا الى الاساليب او الى التعابير أو إلى العبارات الاجنبية ، يمكن دائما ان نطورها من مادتها او من اساليبها المختلفة .
على انه مهما يكن من ايماننا فى قدرة لغتنا على استيعاب المحدثات فان ضرورة التساند من اجل سلامتها قد يستوجب تعبئة جميع القوى الفعالة لكى تسخو الحكومات العربية بسلطانها وامكانياتها ووسائلها ويزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .
اني لا اجهل ايضا انه لا يروق بعض ذوى الرأى ان تتدخل السلطات فى مدى حريات الناس عند استخدامهم الفاظا دون اخرى ويعتمدون في ذلك على كفالة الذوق العام في الجماعة بردع من ينحرف عن المألوف وعن السوية المتبعة . ولهذا الرأى قيمة وقدر ، لولا ان الذوق العام قد يضل ويجحد وينحرف فيصح بحاجة الى التقويم والهداية .
والناس وان خلقوا احرارا فان حرياتهم قد قيدتها مثل وحدود ، ومن الخير ان ترد الامور الى مستوياتها فى المثل الرفيعة ، وفي الحدود السديدة المنيعة ومهما يكن للافراد من حق الدفاع عن حرياتهم ، فان للجماعات ومظاهر هذه الجماعات ان تحاسبهم لصالح المجموع .
ولعل اكثر الدساتير العصرية فى زمن الناس الحاضر يقيد من حرية الافراد لصالح الجماعات واللغة ، وهي المرفق الأكبر الممثل للمجموع ، لها حق الحماية على الحكومات ، بردع الحريات التي لا ترعى للغة في بيئتها قدسا ولا كرامة فتبدو مظاهر الاستخفاف فى بعض ما ينشر ، او يرسل في اللافتات او المتاجر والمصانع او غيرها من حياة الاسواق العامة ، فاذا الالفاظ الاجنبيه تستخدم وتشاع
وكان من اليسير ان تستبدل بها الفاظ عربية مآلوفة سائغة بعد ان وجدت فى البلاد مجامع لغوية تتأهب لتقديم خدماتها لكل من تعينه سلامة لغة الضاد ونحن اذ نخشي وفرة المصطلحات والتعبيرات الاجنبية فذلك لان تكاثرها الموثوق
قد يجعل لها لونا من السيادة ، فاذا سادت فان سيادة اللغة القومية بين اهلها تصبح وهما من الاوهام او اسطورة من الاساطير ، ويتحقق عندئذ نوع من الاحتلال والاستيلاء البغيض على الذهنية العربية نفسها .
ولعل من اوجب وايسر ما تؤازر به الحكومات ايها السادة في خدمة اللغة ان تبدى وزارات التعليم ومعاهدها حرصها على حسن استعمال اللغة العربية والترويج لالفاظها فى مختلف المدارس ، وفي بواكير المراحل وان تعنى مختلف الوزارات والمصالح كل ضمن اختصاصها بتحرى خدمة اللغة ، وانى لست في دعوتي هذه خياليا او نظريا كما يلوح للبعض احيانا ، ولست كذلك اول من دعا اليها ، فقد سبقت الى كثيرين من معاصرين وغير معاصرين اذكر منهم العلامة المرحوم الشيخ احمد الاسكندرى حين ذهب الى بغداد لحضور المؤتمر الطبي سنة ١٩٣٧ ليمثل المجامع اللغوية او المجمع اللغوى المصرى والهيئات التى تعنى باللغة وتنادى الى تخليص لغة التدريس والتأليف من كلمات هي اعجمية يمكن ان يقوم مقامها اللفظ العربي متوخيا رياضة السليقة العربية وتربية اللسان الفصيح عند النشء الجديد فقدم للمؤتمرين على سبيل المثال مشروعا لمصطلحات الكيمياء .
ولا ابغي التفصيل فى الدخول فى مقترحات الشيخ فلذلك مقام غير هذا المقام فاذا كان ما نزع اليه الشيخ وارتآه ما صادف فى حينه وظروفه ما هو خليق به من تحقيق وتنفيذ ، فان النهضة العربية الحاضرة والعزة القومية اليقظة تحفز المخلصين الى اعادة النظر فيما استنة الشيخ الاسكندري ، وما عسى ان نراه من اتخاد هذه الخطة ايثارا فى لغة العلم والمعرفة .
وربما كان بعض من اشتغلوا بالعلوم من واضعى المعجمات والمصطلحات مثل زميلنا الاستاذ العلامة الامير مصطفى الشهابى كان يقدر هذه النزعات تقديرا تحيط به اللباقة والاعتدال المشكور ، فقد اشار فى بعض آحاديثه الى كامل الرضا مما قدمه مجمع مصر من قياسية بعض الاوزان ، والاخذ بالتوسع فيها مما اتاح للامير الشهابى صوغ طائفة كبرى من المصطلحات الزراعية والاتها ، وان المجمع اذ فتح الباب لمختلف النزعات والاتجاهات لوضع مصطلحات العلم وضعا عربيا سليما فانما كان ذلك نزوعا منه الى شحذ السليقة العربية ، وابتعاث قواها ، وان نتائج سعيه في هذا السبيل لا تقف عند ذلك فحسب وانما تتعدى الى خدمة الفكر ، والفهم ،
والذهنية العلمية لتحديد الحقائق وتصويرها فى قالب من اللفظ العربى المفهوم ، وذلك لان حسن التصور ، ولا يكون التصور الحسن الا ثمرة الفهم ، من اللغة التي انطبعت فى النفس وجرت على لسان القوم حين تؤدي الكلمة الصورة للشئ على وجه يمثله من قريب جدا ، او من بعيد ، وجلى ان التوسع في الأقيسة وفي الاشتقاقات والسير فى مسالكها لادنى موجب يلهمه الذوق ، لابد ان يزيد في ثراء اللغة ، ويمد رصيدها بكلمات عربية ويعين على تنميتها في التواليد والتكاثر حتى تحفل لغة الضاد بثورة واسعة تغبطها عليها اللغات .
ومع مالنا من حرص في هذا التوسع فقد اجاز المجمع اللغوي المصري التعريب عند الضرورة القصوى على أن تكون رخصة التعريب بعد عناء واستقصاء واستنفاد لوسائل الاشتقاق والمجاز ، بل بعد الانتفاع بما يلازم الصور المعنوية القوية من نواح ، او صفات ، او قرائن او ملابسة .
ومن أهم المبررات فى نزعة التشدد عند رخصة التعريب اسراف المتساهلين وانطلاقهم فى تبادل الكلمات والتراكيب والاوضاع اسرافا لا يقف عند حد ، وكذلك اسرافهم فى تجنب المشقة وبذل الجهد فى التنقيب عن الكلمات العربية والتقاطها من كنوز الماضى ، والحاضر .
على ان حرص المجمع على تطويع اللغة لاستتباب المصطلحات العلمية والحضارية لم يحل دون ان يرى البعض فتح الباب واسعا على مصراعيه لكى تدخل منه مصطلحات العلوم ، والحياة الحضارية الجارية بصيغها الاعجمية محتجين بمذهبهم بـما لتلك الكلمات من وفرة لا تقاوم وبما لها من تكاثر يتزايد بتتابع الكشف والاخضاع ، كما احتجوا بما لها من ترابط وما بينها من تناسق واتصال ، وهؤلاء يتناسون أن الف الالسن لهذه الكلمات على المصطلحات الاعجمية يرجع الى سياسة الاستسلام لها والتفريط فى واجب الاستعاضة عنها ، وحين تتساند الجهود وتصلح العزائم ، وتتلاقى الكفايات للمقاومة فلن يتعاصى على الصفوة المثقفة أن تنمى لغة العلم فى الكيان العربي وتردها بما هى فى حاجة اليه من رصيد مهما كبر هذا الرصيد ، واذا كنت ابدو مع كثرة من زملائي بحذر من سيل الالفاظ الاجنبية ورغبة عنها ، فانما مرد ذلك الى الخشية من تهاون يجر الى تهاون واهمال يدعو إلى اهمال فتتلاشى اللغة العربية نفسا فى نفس ، وتهتز قواعدها بعد ان رست
ورسخت ، وعلا بناؤها ترفرف عليه رايتها فى رحيل الافاق ، على مدى القرون واني لا اعدو الصواب أيها السادة اذا قدرت أن مصير العربية يتضامن مع مصير لغتها ، ففيها تتركز مواهب الامة العربية واحاسيسها ومفاهيمها ، وانتفاضاتها .
ولو خرجت هذه الامة على لغتها فانها توهن بذلك معنى العروبة وتزحزحها عن طريقها المقدر لرسالتها في ضريبة التقدم الانسانى وتنزلها عن مكانتها من العزة والكرامة ، فالدعوة الى رفعة اللغة ، هى دعوة الى رفعة القومية العربية والانحراف عن ذلك ، هو انحراف عن مطالب الوطن العربي الاكبر على ان مقاومة المجمع المصرى بالصورة الاعجمية فى المصطلحات لم تحل دون تقديره للتسامح المفيد ، فحرصه على انتفاع المثقفين العرب باللغة الشائعة بين اهل الاختصاص العلمي جعله يوصى بحصر اللفظ الاعجمي بين هلالين بجانب اللفظ العربى المقترح فأربى بذلك غرض اللغة من السلامة وحاجة من يقدرون مكانة اللفظ الاجنبى بين المختصين من اهله فى العصر الحاضر .
على هذا النحو تناول المجمع قرابة ثلاثين الفا من المصطلحات العلمية والفنية والادبية مما يستوعب حاجة التعليم الثانوى كله ويتجاوزها الى الدراسات في المعاهد العليا والجامعات .
ايها السادة - أبحث لنفسي ان استأني قليلا عند جهد المجمع فى تطويع مادة اللغة ، فى تطويع هذا الصنف من جهوده ، ولن اعنى ضروبا اخرى من جهوده الا اشارات عابرة ، فاما جهده فى توخى التمحيص لما يفد الينا من الكلمات العامة في المتجر والسوق والبيت ، فهو جهد يمثل التريث التقليدي للمجمعيين قرب كلمة تقتضى طويل التنقيب لمعرفة مأتاها ومنشئها واطوار تقلبها وانبساطها او انقباضها عن احتمال المعانى المختلفة ولا يعرف الصبر على ذلك الا من كابد هذا الجهد المرير .
ولما اراد المجمع البحث فى قواعد الصرف والنحو والاملاء رأى ان يلتزم مبدأ انتهى اليه فى سنة ١٩٤٥ ونصه : ان كل رأى يؤدى الى تغيير في جوهر اللغة واوضاعها العامة لا ينظر اليه وان المهمة هى تيسير القواعد هذا هو النص - فالامر فى ذلك لا يعدو اذن ان يكون محاولة لاختصار الطريق وترجيحا لبعض الآراء التربوية على بعض وقد يروق لبعض الناس رأى منها فيخالفه - او ربما يخالف البعض هذا الرأى الى رأى آخر ولكل شيخ طريقته ومناهجة ولكل
طالب قوته وطاقته فيما يتعلم وفى الطريق التى يتعلم بها . المسألة اذن في تيسير القواعد التى اشار اليها صديقنا الاستاذ الكبير طه حسين لا تتعدى هذا النص المجمعي اذ كل رأى يؤدى الى تغيير في الجوهر لا يؤبه له ، انما التيسير تيسير فى الطرائق وتيسير فى التعليم وهذا شىء مباح ، حصل من زمن وحصل من بعيد - جبر وضومط - فى بلادكم ، خليل السكاكينى رحمة الله عليه في فلسطين وغيرهما ايضا نظروا الى هذه الوجهة وارادوا ان يحسنوا في المناهج وفي طرائق التدريس وكان عندنا أمين ناصر ، كان من المحسنين في الطريقة ايضا ، وحسني ناصر حسن الطريقة التى سارت عليها الكتب الاثرية المعلومة للكفراوي والاشموني وغيرهم من الكتب ، حسن هو هذه الطريقة وجعلها مدارج مدارج ، هذا الراي ، التحسين التربوى ، هو رأى قيل وعمل به وما زال يقال وقد يقال في المستقبل ان التحسين فى الطريقة وفى الايضاح وفى الطرق التربوية امر معقول ومقبول وهو ما اشار اليه بعض اصدقائنا فى هذا العصر وفى هذه الايام اما تشجيغ الانتاج الادبي وهو جهد من جهود المجمع ففيه محاولة لالتماس الوسيلة للحض على التنافس في فنون القصة والشعر والنقد وتحقيق الكتب والتراجم وتسوغ اللغة الفصحى السائغة والادب السهل الرفيع . ولقد اتسع هذا التشجيع لادباء العروبة وتقيم المجتمع لهذه المناسبة حفلة سنوية تتهيأ لها دراسة نقدية لها اثرها فى التوجيه والحث على الاجابة والتفوق بلغة العربية الميسرة السائغة .
اما ما يتعلق بعمل المجمع بالمعجمات فهناك معجم الفاظ القراءن الكريم وهو يتجه الى استيعاب كل لفظ فى كل آية وتوزيع الالفاظ على معانيها المرادة بطريقة علمية ميسرة ، وبشروح تتجاوب مع البلاغة القرانية والذوق العربي الاصيل .
ولقد جعل المجمع في تقديره حين عني بهذا المعجم ان هذا الكتاب السماوى منارة متلالئة يهدى بها العاملون لوضع قواعد اللغة وابقائها في سلامة وصحة وانا اعتقد ايها السادة ان كل تيسير وكل امر ينزع بنا بعيدا عن هذه المنارة المتلالئة التي نقدر جميعا بايمان انها كانت سببا فى نشر اللغة العربية وفي ربطها بشعوب كبيرة ، كل تيسير ينأى بنا عن قواعد واصول هذه المنارة لا يؤبه له ولا يعمل به .
إنما نحن نستطيع ان نحول ونحوط ولكن نرتكز وننظر دائما الى هذه
المنارة المتلالئة لكي نهتدى بها ، نخرج منها قريبا او نبعد بعيدا ولكنها هي دائما المثل ، المثال الرابض ، وهي المنبع الام وهى القبلة الامامية التى نأتم بها فى كل شدة ، ان هذا القران الذى ارتضينا ان يكون اما للبلاغة او ان يكون الام البلاغية ، او يكون الام الحافظة للـلغة العربية ما دمنا نرتضى هذا ، فلا ضير علينا ان نحوم حول تيسير فى الاسلوب ، تيسير في التعليم ، تيسير في البرامج ، فى بعض الابواب التى قيلت ، نسهل تفهيمها او نحذفها عندما نرى ان الطالب الناشئ لا يفهمها مثلا ولكن الامام هو اللغة الفصحى التى يتمثل امامها في القرآن الكريم .
بعد معجم القران هناك المعجم الوسيط للشادين والمبتدئين وهو من اعمال المجمع وعلى وشك النهاية لولا ان يزود بالصور والخرائط وبتاريخ بعض الاعلام . والمعجم يعد الآن للمطبعة ، أما المعجم الكبير التاريخي فقد قدر المجمع ما يقتضيه من الجهد وطول الوقت ، فصدر منه جزء يبتدىء من حرف الالف الى حرف الالف مع الخاء واخراج هذا الجزء على سبيل التجربة في اربعمائة صحيفة وارسل الى مختلف الهيئات العلمية لكى يسجلوا ما يبدو لهم من ملاحظات لينتفع بها العاملون بهذا المعجم لوجه الحق والصواب وقد قام العمل بهذا المعجم على وجه دقيق يتلخص فى جملة بنود لا حاجة الى قراءتها الآن .
اما ما يتعلق بدراسة اللهجات فهذا جهد من جهود المجمع ، فالمجمع يهدف من وراء ذلك الى تلقط الكثير من فصيح ما يجرى في الهواء ، لكى يرد له اعتباره فى التعامل اللغوى السليم .
ايها السادة ، ان مجمع مصر باتخاد ما نوهت عنه من اتجاهات مختلفة يحفزه شعور بالواجب الشديد نحو لغة قوية طويلة العمر ، يكاد الدافق من حيويتها والمشاهد من طول عمرها ان يسماها بسمة الخلود .
ولقد اعترف النابهون فى القديم والحديث بقيمة تلك اللغة فكان ابو الريحان البيروني الفارسي فى القرن الحادي عشر يرى ان اللغة العربية اطوع للعلوم من الفارسية وكان يقول لئن اهجى باللغة العربية خير لي من ان امدح بالفارسيه
ولقد ذكر زميلنا المرحوم انطوان الجويرى فى محاضرة له في المجمع ما يلى . قال ان كارلوش الخامس المسمى شارلكان ، كان يقول اني اذا خاطبت الله ضارعا خاطبته بالاسبانية واذا خاطبت النساء متحببا مخاطبتهن بالايطالية واذا
خاطبت جوادى زاجرا خاطبته بالالمانية وادا خاطبت الناس عامة خاطبتهم بالفرنسية فهل نغالي اذا قلنا ان هذا العاهل لو كان يعرف اللغة العربية لغني بها عن غيرها فى مواقفه الاربعة فقد جمعت فخامة اللفظ وجمال الاسلوب الى قوة الاداء وفصاحة التعبير
ومع اقرارى ايها السادة بصحة ما قيل من الاشادة بلغة الضاد ، فانى ارى لها مناعة كبرى تقيها من الفساد وطاقة قوية على تحمل ما يصدر عن الطبيعة البشرية وجبلة الانسان من معنوياته وتأملاته وخطراته واشراقاته ولمحاته ولها طواعية فيما يتصل بعلاقة الانسان المادية - اضطرابه بمسعاه وفى معترك الحياة - فى لغة تحسن التعبير عن الباطن والخضير وعن الظاهر والمحسوس ، وليست لغة الضاد فى مختلف اطوارها تسير على نهج غيرها من اللغات فلها قانون خاص بها..
ربما ارفع منصوبا او انصب مرفوعا ربما كان هذا ولكن هل هذا يجعلنى اضطرب فى اصطلاح او اضطرب فى قياس . ولكن هل هذا يبعدنى بعدا كثيرا عن اللغة الام الاصلية كما يبعد الفرنسية عن اللاتينية مثلا ؟ كلا ايها السادة ففى كل يوم يزداد التعليم وتزداد فيه الثقافة ، وتزداد فيه المجتمعات والندوات الادبية وفى كل يوم تزداد فيه الاذاعة التى تفتح فى المتاجر والدكاكين والقهاوي الخ .
وفى كل يوم تمتلىء اذاننا باللغة العربية القريبة من اللغة الامامية الفصحى كل يوم تكسب في سبيلها ..كل يوم تكسب إلى السير في سبيلها . انا اعرف من مدة ستين عاما الرجل العامي البواب ، والسواق او من ماثل السواق ، سائق العربة مثلا.. السواق زميل فى هذا الزمن ..فى هذا الزمن اصبحت لهجته وتراكيبه في الحديث اقرب واعلى من لهجة زميله مدة خمسين عاما مما يدل على ان اللغة تسير على خلف مسير اللغات الاخرى التى كانت تتفكك من الام لتسير بعيدا إذ ان اللاتيني لو بعث لاتيني لا يفهم الفرنسية ولو اراد فرنسى ان يتفهم لاتينى يبعث لما فهم شيئا ، بخلافنا نحن ، فلو بعث عنترة واراد ان يتغزل بعبلة فى ابياته اوءكد لكم انكم انا وانتم وهذا السوقى فى الشارع يفهمها .
ايها السادة . اطلت وآن لى ان اختتم . يجر حديثي عن مجمع مصر واللغة الى ان اختتمه بكلمتين صغيرتين اولاهما الى المجمعيين والاخرى الى جامعة الدول العربية .
اما المجمعيون الذين اجتمع بهم كل يوم من ابناء العروبة ، فهم صفوة هيأتهم الظروف لعمل علمى مشترك ويتصفون بما وسمتهم به مبررات تعيينهم
فى المجامع من مقدرة على العمل للاحتفاظ بسلامة اللغة ، على ان المجمعي المثالي لا يقف همه عند التفقه فى اللغة والدأب فى خدمتها وهو فوق ذلك يتحلى بحس خاص ينتزع به وجهته فى العمل ، ومقومات سعيه فى الحياة ، من سليقة عربية مؤصلة ، ناصعة ، كرحمة الله تتسع لاطيب الامال ، ونقية كالصحراء التى تدني بنقائها النجوم المتألقة فى الليل البهيم حين يستشعر به صاحبه رسالة لترفيع قومه وانعاش ثقافتهم وامداد حديثهم ولغتهم بالمعاني المشرقة من كريم اللفظ العربي .
حس يذكى في نفسى نزعات واريحية الاعتزاز فيتسمع بالطيب من جرس لسانه وبيانه رنبنا مطربا يشجى فيروق لمسمعه من لغته كل صوت وتشدو في اذنه كل نبرة من نبراتها .
حس يتبين به شتى الذخائر الغالية التى تضمنتها اللغة من طرائف الحكم والمعاني والمأثورات المشتتة فى المنظوم وفى المنثور ، والمنطوية عليها المظان العامرة من تطاول الاعوام وتواصل القرون والايام .
حس يلتمس به الكريم العاطر من المعانى البشرية العليا لينقلها فى اجواء عروبته ويدس فى ثيابها ويذيب فى شخصيتها لتتكون منه ثقافة عربية تفرض نفسها على الناس ويفرضها الانسان الراقي على نفسه ، وحينئذ يوءدى المجتمع واجبه .
لقد اشرت ، فيما اسلفت من القول الى رغبتى فى مساندة الحكومات العربية وعنايتها باللغة ومجامعها ، الى املى فى تازر فعال بين مختلف السلطات والمصالح والهبثات الحكومية ، لاتخاذ اسباب التيسير حتى تنطلق اللغة النقية في ميادين اعمالها وتعاملها .
فاذا راي جمع المجمعيين فى ذلك فيقيني ان خير موصل لهذه الرغبة الى حكوماتنا الرشيدة مسعى جامعة الدول العربية .
فليكن رجاؤنا اليها ان تنوب عنا فى بسط ذلك التآزر المجدي ، والوسائل فى ذلك متعددة وعسى ان تكون مجال بحث واستبصار فيما بعد .
ايها السادة . اذا ادى المجمعيون رسالتهم على خير جهد ، واذا استخدمت المجامع طاقتها من مذخور العلم والذوق والايمان والاريحية والمثالية واذا توزعت الجهود وتناسقت وادا ازرت الحكومات والجماهير بالمزيد من التجاوب في خدمه لغة الضاد ، واذا تذكر كل من يتصدى لحركات النهوض ان عليه ان لا يفرط في معاني الهداية الاساسية من وصل الحاضر بالماضى ومن دعم القيم القديمة بالحديثة وباتقاء كل حركة لا تشد الى قطب ولا تنجذب الى قرار ، اذا كان كل ذلك فاستبشروا وبشروا لغة العرب بالخلود ، وأيقنوا ان النصر من عند الله قريب .
