الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 488 الرجوع إلى "الرسالة"

اللغة والتعريب

Share

تحركني كلمة الأستاذ زكريا إبراهيم إلى الرد لأنها تتناول مسألتين  جوهرتين: أولاهما مسألة الخطأ والصواب بمناسبة  (عثرت به)    و   (عثرت عليه)  وثانيتهما مسألة تعريب الأسماء الأعجمية.

فأما عن     (عثرت به)   فقد قلت إن المعنى الذي أريد التعبير  عنه هو العثور بالشيء أي ملاقاته اتفاقاَ، ولم أرد   (العثور عليه)   أي الاطلاع الذي يدل على علم ومعرفة وبحث وجهبدة لا أدعيها.

والذي يدهشني هو تفضل هؤلاء العلماء بلفت نظري إلى  مختار الصحاح ودوائر المعارف وتراكيب اللغة الإنجليزية وهذه  كلها مراجع ما كنت أحلم بوجودها.

وآفة هذه المهازل هي قول بيكون:   (العلم الصغير شيء خطر)   وهذا طبعاَ لا علاقة له بالعلماء الكبار أمثال الكرملي وزكريا  إبراهيم؛ وهما بلا ريب يعلمان أن لغات العالم كلها مجازاة ميتة  وأن تلك المجازاة رغم موتها تحتفظ دائماَ بشيء من معناها الحقيقي. فأنا عندما أقول   (عثرت بالشيء)  مفسراَ بقولي   (وقعت عليه)   يكون معنى ذلك أنني اطلعت عليه ولكن مصادقة كما يعثر حافر  الجواد بأحد الكنوز. وبذلك أعبر عن المعنى الذي في قلبي تعبيراَ  لا تحققه   (علي)  بما تفيده من إلى غاية وسعي لبلوغها.

ثم إن مسألة الصحة والخطأ في اللغات أصبحت مسألة تافهة  لا يحرص عليها في غير مجال التعليم المدرسي. وأما العلم فقد  تقدم وأصبحت المناهج تاريخية فترى العلماء اليوم لا يقررون  الخطأ والصواب في اللغات وإنما يستقرون الاستعمالات عند كبار  الكتاب ويفسرون ما يطرأ على اللغة من تطور. ومن الغريب  أن نظل نحن متردين في طرق التفكير التي تخلص منها العالم  المتحضر منذ أكثر من قرن. فاللغة العامية ذاتها ليست مجموعة  أخطاء، وأنما هي تطور عادي مألوف في كل اللغات. واللغة  الفرنسية والإيطالية كذلك ليستا أخطاء اللغة اللاتينية.

وإذن فكلام الكرملي وكلام زكريا إبراهيم حذلقة تافهة  ومماحكات لا علاقة لها بمناهج البحث في اللغات التي لم تعد  تقريرية Dogmatique في شيء.

وأما عنصر الثبات في اللغة وهو ما يطالب به الأستاذ زكريا  حتى لا يصير الأمر فوضى، فذلك مالا أستطيع أنا أن أدخله  في اللغة بل ولا المجمع اللغوي نفسه. عنصر الثبات هو استعمال  كبار الكتاب لمفردات اللغة وتراكيبها، ثم قراءة مؤلفات كبار  الكتاب في المدارس والجامعات لتشيع تلك الاستعمالات. وكل  محاولة في غير هذه السبيل لن تجدي شيئاَ.

اللغة كائن حي لا يقنن له وأكبر دليل على صحة ما أقول هو أن  المجمع اللغوي لم يستطيع شيئاَ في هذا الباب ولن يستطيع. وأنا أشكر  الأستاذ زكريا إبراهيم إذ نبهني ونبه زملائي أساتذة الجامعة إلى  وجوب ترجمة أسماء الأعلام كما ينطق بها أهلها. فهذا لا ريب مبدأ  سليم ولكن على شرط أن نعرف كيف كان ينطق بها أولئك  الأهل. ونحن لسوء الحظ لا نعرف ذلك دائماَ. ولقد ثار  الأستاذ زكريا على أساتذة الجامعة وثار الأب الكرملي لأننا  نعرف أحياناَ عن الإنجليزية والفرنسية مع أنني أستطيع أن أؤكد  لهذين العالمين أننا نعرف مبادئ اللغات الأندو أوربية  وبخاصة اللاتينية واليونانية، ولكننا مع ذلك نؤثر أن نترجم  عن اللغات الحديثة لأننا لسنا على ثقة من نطق هاتين اللغتين،  وهما لغتان ميتتان، والعلماء مختلفون في نطقهما الآن أشد  الاختلاف. وأنا وإن كنت لا أستطيع أن أدخل هنا في التفاصيل  إلا أنني أضرب لذلك مثلاَ باسم الخطيب الروماني الشهير cicero  فهذا الاسم ينطقه اليوم علماء الإنسانيات الإيطاليون     (شيشرو)    كأنه لفظ من ألفاظ اللغة الإيطالية الحديثة. والفرنسيون كذلك  ينطقونه     (شيشرو)   والإنجليز   (كيكرو)  فأيها أصح؟

نعم لقد ماتت في السنين الأخيرة دعوة كان من أكبر  زعمائهم العالم الفرنسي ماروزو Marouzeau تدعو إلى محاولة  النطق نطقاَ تاريخياَ أي نطقاَ يقارب النطق القديم يستنتجونه  من بعض الكتابات الصوتية القديمة ومن العناصر الموسيقية

في الشعر ومن نتائج علم الأصوات التاريخي وتطور نطق الحروف  المختلفة كما يستعينون بآراء العالم إرزم ومحاولاته في هذه السبيل،  أقول إن ذلك كله قد كان، ولكن هذه المحاولات لم تنجح.  ولا يزال علماء كل بلد في أوربا ينطقون اللاتينية واليونانية كأنهما  من لغاتهم. وإذن فنحن حتى في هاتين اللغتين مضطرون إلى أن  نتخير نطقاَ نأخذه عن علماء أحد هذه البلاد. وذلك إلى أن  يستقر النطق التاريخي  Reoconstitueeعلي أسس ثابتة مقبولة  من الجميع

ويزيد الأمر تعقيداَ أن مسألة تعريب الأسماء لا يمكن أن  يكون وفقاَ لقرارا ت يصدرها المجمع اللغوي أو الأستاذان  الكرملي وزكريا إبراهيم، وإنما الأمر أمر استعمال: استعمال  كبار الكتاب الذين لهم من الشهرة ما يجعل تعريبهم يذيع  بين الناس

خذ لذلك مثلاَ ما استقر عليه العرف في فرنسا منذ القرن  السابع عشر تجد أن أسماء الأعلام الشهيرة التي تتداولها الألسن  قد أعطيت صيغة فرنسية، ولذلك يقولون فرجيل وهومير  وسوفوكل واوربيد وإشهل. وأما الأسماء التي لا ترد إلا على  ألسنة الخواص من العلماء فقد تركت لها صيغتها اللاتينية  واليونانية، ولذلك يقولون: كورينلوس نبوس وإبيكوس  وبيوس ومورسكوس ومن إليهم

وإذن فالأمر أعقد مما ظن الأستاذ زكريا إبراهيم. وأساتذة  الجامعة يؤلمهم أن يبلبلوا أذهان القراء. ولكن ما الحيلة  والمسائل معقدة؟ أليس من الأجدى علينا وعليكم أن تتركونا  نتحسس السبل ونجاهد حتى نصل إلى تعريب سهل قريب  مستساغ نرجو معه أن تنتشر الألفاظ التي نفضلها فتنحل المشاكل  ويرتفع اللبس؟ ثم أليس من الخير أن نعرب عن إحدى اللغات  المنتشرة في بلادنا بدلاً من التعريب عن لغات قديمة لا يعدو من  يعرفها من مواطنينا الذين نكتب لهم عدد الأصابع؟

اشترك في نشرتنا البريدية