الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 381الرجوع إلى "الثقافة"

المأساة فى القرآن

Share

وددت لو أن أحدا من فلاسفة اليونان كأرسطو وأفلاطون وغيرهما أدرك القصص في القرآن وأعمل فيه عقله وذوقه كما أعمل هؤلاء ، الفلاسفة عقولهم وأذواقهم في الآداب اليونانية القديمة ، وكان من نتيجة ذلك كله أن خلفوا للناس طائفة من الآراء القيمة في النقد الأدبى لا يزال العالم ينتفع بها إلي اليوم

أجل ظهرت المآسي في الأدب اليوناني القديم ونظر فيها أرسطو وأفلاطون ، وقتلاها كما يقول الناس بحثا ودرسا وتنظيما وتوضيحا ، ولكنهما اختلفا بعد في هدف المأساة Tragidy ، فرأي أرسطو أن المأساة مما اشتملت عليه من عنصري الخوف والرحمة تحدث في نفس السامع أو القارئ تطهيرا أو تنفيسا لهذه العواطف ، فقد تزيد هذه العواطف نفسها او تنقص في الإنسان عن القدر المعتاد ، وزيادتها او نقصانها يعتبر مرضا في تكوينه يجب علاجه ، فالمريض بهاتين العاطفتين لابد له من تلقيح بنفس هاتين العاطفتين ، وذلك ما يشبه في الطب الحديث طريقة التطعيم بحقن الجدري لمرضي الجدري أو حقن التيفود المرضى التيفود .

هذا ما قاله أرسطو وهذا ما عناء . فلما نظر افلاطون في قوله عارض فيه وانــــــكر أن يكون هذا هو الغرض من المأساة ، وتولى الرد على أرسطو ، فتساءل أولا :

كيف يستثير البطل في المأساة مشاعر الناس ؟ أليس يفعل ذلك بأن يندب حظه المنكود ويشكو ما ألم به من أهوال وخطوب ؟ أليس يزداد إعجابنا نحن بالبطل بازدياد قدرته على إشعارنا بأحزانه وآلامه وإشرا كنا معه في هذه الأحزان والآلام ؟ ولكن أيهما أولى في الحقيقة بالإعجاب والإ كبار ؟ اهو الرجل الذي لا يخجل من أن يسرف في ندب حظه أو في أن يحمل اصحابه وجيرانه كل همه وحزنه ؟ أم هو الرجل الذي يصمد للأحداث صمود الجبل ، أو الرجل

الذي ينبت للكوارث ثبوت الطود ، فلا يشكو ولا يتذمر ، ولا يجزع ولا يتزعزع ولا يبدو عليه وهن أو ينطق عنه خور ؟ لا شك أن الناس يعجبون بالأخير ، ويمنحونه كل ما عندهم من حب وتقدير ، ولكنهم يقفون عند حد الإشفاق فقط على الأول ، ذلك أنه ليس من الصواب ان تمنح إعجابنا بطلا ما لأنه إنما يأتي أفعالا تحتقرها نحن في حياتنا العامة أو الخاصة . .

ومضي أفلاطون في حديثه هذا فقال : ولا ينبغي أن ننسى انه متى سمحنا لأنفسنا بأن نأسي ونحزن بالطريقة العصبية التي يأسي بها البطل في المأساة ويحزن فإن الحزن نفسه يصبح أمرا سهلا علينا ، وبذلك تضعف كل مقاومة في نفوسنا ، ويصعب علينا ضبط اعصابنا ، ونصبح عاجزين عن تحمل الامنا الشخصية ، وأي خسران هذا الذي تجنيه من المآسي على هذا النحو ؟ .

ذكرت هذه المقدمة بين يدي الموضوع الذي أعرضه عليك الآن لتشاركني تقدير المزايا التي يتمتع بها القصص في القرآن ، وعلى ضوء هذه المناقشة حول وظيفة المأساة يصح أن تنظر معي في أبطال المآسي القرآنية بالقياس إلي أبطال المآسي اليونانية . والقياس هنا مع الفارق العظيم كما يقول الناطقة ، فأبطال القرآن كلهم أو أكثرهم من الأنبياء والرسل ، وأبطال المآسي اليونانية ليسوا من الأنبياء أو الرسل ، وأبطال القرآن إنما هم أبطال قصص واقعية يصلنا كتاب الله تعالى بها ، وأبطال المآسي اليونانية رجال مسرحيات خلقهم الخيال اليوناني خلقا فليس لهم وجود فعلى

والقرآن الكريم هو الكتاب الذي أدب الله به محمدا وأتباع محمد ، وهو الجامعة الكبرى التي تخرج فيها محمد وأصحاب محمد ، وقد سلك القرآن فيما سلك طريقة القصص التي نجحت نجاحا باهرا في تكوين المثل الأعلى للخلق ، غير انه كما كان أسلوب القران فريدا في بابه بحيث لم نجد أسلوبا يشبهه بوجه ما ، فكذلك كان القصص

القرآني وحيدا في نمطه ومنهاجه بحيث لم نجد نموذجا يقاربه على هذا الوجه ، أجل فلقد بحث النقاد في أسلوب القرآن فقالوا إنه ليس شعرا وليس نثرا ولكنه قرآن ، وننظر نحن في القصص القرآني فلا نري أنه أقصوصة conte ولاقصة novelle ولارواية Roman . ولكنه قصص قرآني

ولقد اتي القرآن على ذكر الرسل والأنبياء وحكي تاريخ الجهاد الذي بذله كل واحد من هؤلاء وهؤلاء ، فجاءت حكاية كل نبي منهم مأساة في ذاتها تستخرج العبر من قراءتها وتنأثر النفوس بسماعها ، ويترك هذا كله أعظم الأثر في أخلاق المسلمين ونفوسهم فيطبعها على غرار خاص ، ويجعل لهذه النفوس العظيمة أخلافا من طراز خاص . وليس هدف من أهداف القصص الأدبى هو أسمي من هذا الهدف . .

ولنا بعد أن نستعرض طرفا من القصص القراني فسنجد أنه حرص كل الحرص على أن يظهر البطل في كل قصة من هذه القصص بمظهر الرجل الذي يصبر علي الخطوب ، لا يستطيع خطب منها ان ينال من عزمه أو يهي ما اشتد من قوته أو يضعف شيئا من إيمانه وعقيدته . ففي قصة الذبيح يري إبراهيم في منامه كأنه يذبح ولده ، وإذا رأي النبي شيئا في النوم وجب عليه القيام به في اليقظة ، وإذا هذا الشيخ الهرم الذي كان طول حياته يأمل في الولد حتى إذا بلغ من الكبر عتيا رزقه الله بولد سماه إسماعيل ، ثم يري في المنام انه يذبح هذا الغلام الوحيد .

يا للهول . . ويا للمصيبة . . ! ويالآمر الذي صدر من الله تعالى . . ولكن هنا يكون الصير . . فليصدع إبراهيم بما يؤمر ، وليتقدم بخطى ثابتة إلى ولده وليصارحه بأمر ربه ، وليقل له والدمعة تترقرق في عينه : " يابني إني أري في المنام أني أذبحك فانظر ماذا نري ؟ " وليبادر الفتى بقوله : " يا أبت افعل ما تؤمر ، ستجدني إن شاء الله من الصابرين " . . ولا أريد أن أمضي في هذه الماساة المؤلمة إلى

نهايتها ، لأنني اريد ان انتقل إلي مأساة أخرى من ما سي الرسل ، ومنها مأساة يوسف ويعقوب ، وقد حرص القصص القراني في على ان يظهر لنا هذا الأخير بمظهر الرجل عظيم الجلد شديد الإيمان بربه ، والثقة بنصره ، مهما أظلمت حوله الكرب ، ومتى حل إيمان كهذا في قلب رجل فانه يعينه على تحمل الشدائد كلها مهما كان نوعها ، ويذكره بالله تعالى في احرج المواقف وأظلمها . وهكذا فعل يعقوب حين كذب عليه بنوه وقالوا له إن يوسف أكله الذئب ، وجاءوا على قميصه بدم كذب ، ثم هكذا فعل يعقوب إذ دخل عليه أولاده مرة اخري وقد فقدوا أخاهم الآخر حين أمرهم يوسف بتركه إلى ان يرجعوا عليه بابيهم الهرم . وكظم يعقوب في جميع هذه المصائب غيظه ولم ينس ربه ، وإن كان الحزن يرح بقلبه وذهب ببصره ، ولم يزد على أن قال : " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله " .

ويطول بنا القول لو أخذنا نستعرض أنماطا من هذا القصص القرآني وفيها يظهر الأنبياء بمظهر الأبطال في ميدان الإيمان وقوة الاخلاق . ولقائل ان يقول : لابد أن يكون الفرق عظيما بين الأنبياء ومن دونهم من الناس . ولكنا لا ننظر إلى الأنبياء في المأساة القرآنية إلا على انهم جزء من الحياة ، ولا ينبغي أن ننظر هنا إلى أن البطل ملك او نبى أو قائد حربي ، بل ينبغي ان نصرف النظر عن نوع البطل كائنا من كان ، وان نكتفي بالنظر إلي خلق هذا البطل ، وهو ماحاولت المقارنة على أساسه بين المأساة في القرآن والمأساة في الآداب العالية فيما عدا القرآن .

أجل - وددت لو أن أرسطو أو أفلاطون أو غيرهما من فلاسفة اليونان قد ادر كوا القران ونفذوا بأعينهم إلى أعماقه وأنماطه ، وأعملوا عقولهم في أساليبه وأهدافه ، وإذا لكانت لهم في النقد الأدبى عامة وفي المأساة خاصة آراء ربما خالفت ما وصلوا إليه إذ ذاك .

اشترك في نشرتنا البريدية