الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 458الرجوع إلى "الثقافة"

المؤتمر الثقافى العربى الأول بلبنان

Share

فى أوائل شهر سبتمبر عقد ببيت حربى بلبنان أول مؤتمر ثقافى عربى أعدته اللجنة الثقافية ودعت إليه حكومة لبنان، وتولى رياحته وزير التربية بها، كما شمله رئيس الجمهورية اللبنانية برعايته السامية.

ولقد كان المؤتمر موفقا كل التوفيق فى فكرته، موفقا فى الخطة التى اختطها لتنظيم أعماله، موفقا فيما انتهى إليه من قرارات.

اختار المؤتمر موضوعا لأعماله: النظر فى الوسائل التعليمية الكفيلة بترقية تدريس اللغة العربية والمواد الاجتماعية فى البلاد العربية، والعمل على تحديد القدر الذى يجب أن يشترك فيه كل بلد من هذه البلاد فى تلك المواد .

وعكف المكتب الدائم على تحضير أعمال المؤتمر زهاء عام استطلع خلاله آراء المختصين من مختلف الأقطار العربية فى نقاط البحث، وأعد تقارير وافية تلخص تلك الآراء، وطبعها ووزعها على المشتركين فى المؤتمر من ممثلى الحكومات والأفراد .

واشترك فى المؤتمر نحو ثلثمائة عضو، منهم ثلاثون يمثلون حكومات البلاد العربية جميعا ويمثلون جامعاتها وهيئاتها الرسمية المهتمة بتلك الموضوعات.

عقد الافتتاح:

عقدت حفلة افتتاح المؤتمر فى فندق بيت مرى الكبير، وهو الفندق الذى اختارته الحكومة اللبنانية مقرا لأعمال المؤتمر، وهو فندق ممتاز متسع الأرجاء متعدد الأبهاء، ملائم كل الملاءمة لعقد اجتماعات اللجان، وقد نزل به أعضاء الوقود الرسمية وكثير من المشتركين.

وقد اختير الفناء الخارجى ليكون مقر حفلة الافتتاح وزينت جوانبه بأعلام الدول العربية وهيئت للخطباء منصة ركبت عليها مكبرات الصوت، ورتبت الإذاعة اللبنانية وسائل إذاعة الحملة وما ألقى فيها من كلمات .

وشرف الحفلة فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، ورئيس الوزارة ووزير التربية، وغيره من الوزراء، كما حضر الوزراء المفوضون فى الأقطار العربية وطائفة مختارة من رجالات لبنان وكرائم السيدات.

وقد افتتح فخامة رئيس الجمهورية الحفلة بكلمة سامية رحب فيها بالوفود ونوه فيها بقيمة المؤتمر، وما يعلق على أبحاثه من نتائج، وتمنى له فيها التوفيق والنجاح، وأعقبه كلمات قوية جامعة من معالى وزير التربية اللبنانية رئيس المؤتمر، ومن سعادة مدير الإدارة الثقافية بالجامعة العربية

ومن حضرات رؤساء الوفود الرسمية فى مختلف البلاد العربية، وكان ختام حفلة الافتتاح قصيدة رائعة للشاعر المصرى الكبير على بك الجارم، أذكت الحماسة بما امتلأت به من إحياء للشعور العربى، وتنويه بالألام التى تعانيها فلسطين ومصر، ودعوة صادقة للتكاتف والاتحاد بين الأمم العربية.

وفى اليوم التالى عقد المؤتمر جلسة للتنظيم انتهى فيها إلى تأليف لجنتين عامتين إحداهما للغة العربية وثانيتهما للمواد الاجتماعية، وقد تفرع عن اللجنة العامة للغة العربية لجنتان إحداهما للأدب وثانيتهما للقواعد، كما تفرع عن اللجنة العامة للمواد الاجتماعية ثلاث لجان أولاها للتاريخ وثانيتها للجغرافية، وثالثتها للتربية الوطنية.

وقد عكفت اللجان الفرعية على أعمالها وعقدت كل منها عدة جلسات طويلة وفرغت من إعداد قرارات فى مادتها بعد مناقشات كثيرة وبعد مراجعة ما أعد من تقارير .

ثم عقدت اللجنتان العامتان جلسات نافشت فيها ما انتهت إليه لجانها الفرعية وأقرت ما أقرته، وعدلت ما رأت تعديله ورفعت قراراتها النهائية للمؤتمر .

وتولت لجنة خاصة إعادة النظر فى قرارات اللجان وصاغتها فى صيغة نهائية نسقت فيها الأسلوب وقربت الاتجاهات.

وعقد المؤتمر بعد ذلك جلسة عامة ناقش فيها تلك القرارات وأفرها فى صورتها النهائية .

الجلسة الختامية :

وفى الجلسة الختامية التى عقدت فى ١٠ سبتمبر سنة ١٩٤٧ تكلم مدير الإدارة الثقافية فنوه مما أحرزه المؤتمر من نجاح وتوفيق، وشكر الحكومة اللبنانية على ما أحاطت

به المؤتمر من رعاية شاملة سهلت مهمته، وما شملت به أعضاء المؤتمر من كرم الوفادة، كما تكلم رؤساء الوفود شاكرين لكل من اشترك فى أعمال المؤتمر وأسهم بنصيب فى نجاحه، خاصين بالذكر حكومة لبنان وعلى رأسها فخامة رئيسها ودولة رئيس وزارتها، كما شكروا لرجال الجامعة العربية ما بذلوه من جهد مشكور فى الإعداد للمؤتمر وتنظيم إدارته، وحسن ترتيب اعماله . وتوجت الحفلة بلفتة كريمة من دولة رئيس وزراء لبنان الذى تكلم فأيدي عظيم اغتباطه بنجاح المؤتمر وأبان عن روح عربى قوى هز مشاعر الحاضرين، ثم ختم كلمته بأن الحكومة اللبنانية تقديرا لجهود المشتركين فى هذا المؤتمر قد رأت اهداء أوسمة ونياشين لرؤساء الوفود وكبار رجال اللجنة الثقافية وقد قوبلت كلمة دولة الرئيس ولفتته الكريمة بعظيم التقدير والشكر .

الحفلات الاجتماعية:

لم تقتصر فترة الاجتماعات على عقد جلسات اللجان والمؤتمر للدرس والبحث، بل شاء كرم الحكومة اللبنانية أن تهيئ المجتمعين فرصا يجتلون فيها محاسن لبنان ويستمتعون فيها بزيارة أهم مغانيه.

فهيأت فرصة لزيارة زحلة، تلك المدينة الشعرية الساحرة جارة الوادى التى خلدها شاعر العرب شوقى بك بقصيدته المعروفة؛ وقد قامت بلدية زحلة على ضيق الوقت بين حضور الوفود وبين علمها، بإعداد حفلة أنيقة على حافتى البردونى، حيث فيها الوقود وغمرتهم بكرمها وحسن ضيافتها، ثم اختلف الأعضاء بعد ذلك إلى موائد آنيقة أعدها فندق قادروى، فكان يوما مشهودا، حار الناس فيه فى المفاضلة بين جمال الطبيعة الفاتنة فى زحلة وجمال أخلاق أهلها وكريم شعورهم العربى واناقة استمداد الفندق وفيض الكرم الذى أحاط به لبنان المؤتمر وأعضاءه .

وزار الأعضاء بمليك وشاهدوا آثارها الخالدة، ثم أقيمت لهم فى فندق صوفر حفلة مسائية جمعت بين الكرم الفياض وسمو الذوق واستمتعوا فيها بسعر شعبى لبنانى ساحر .

وأقيمت حفلة بضهور الشوير أشرف فيها أعضاء الوقود على مناظر الوادى الخلابة التى تطل عليه تلك الضاحية واستمتموا فيها بمحاسن هذه البقعة . وأظن الإطالة فى أمر الكرم وحسن الوقادة قد أصبح حديثا معارا، فحسبنا أن نشير إلى أن كل حفلة كانت تزيد على سابقتها معنى وكلها جامع للحسن .

وفى هاتين الحفلتين استمتع الحاضرون بالمونولوجست اللبنانى " عمر الزمنى ومما لفت الأنظار روح النقد القوية فى تلك الأرجال وتوخيه غاية واضحة فى كل ما يقوله، هى الإصلاح لا مجرد تسلية الجمهور وإطرابه بالفكاهة والنكات، فهو زجال ذو موضوع يسعى لقيادة الجماهير لا لتملق غرائزهم والتقرب إليهم مما يحبون .

وأتيح لأعضاء الوفود شهيد حفلة الأزهار فى بكفيا، وقد كانت حفلة رائعة جمعت بين جمال الذوق والتفن وإبراز ما حبت الطبيعة به هذا الجبل الأشم من أزهار واثمار خصته بها .

ورتب للأمضاء زيارة الأرز الخالد، ثم أقام لهم آل فرنجية أمرة السيد حميد فرنجية وزير المعارف، حفلة شعبية فى بلدتهم أهدن، وهى أقرب القرى للأرز. وقد كانت هذه الحفلة الشعبية آية فى إبراز الروح اللبنانى الكريم المرح شهد فيها الوفود رقصات شعبية يمتاز بها أهل هذا الإقليم، وشهدوا القرية بأسرها تزفهم وتحيط بهم وتلاحقهم بالزغاريد والموسيقى والأناشيد حيث ساروا، ثم شهدوا كرم آل فرنجية وجميل ترحيبهم فى تلك المائدة الشعبية التى أقيمت فى أعلى القرية قرب عين الماء فيها، وسمعوا فيها الأغانيى الشعبية كما سمعوا قسيس القرية يشيد بالعروبة ويشيد

بمصر، ويذكر أن هذه القرية كانت مقرا لوالى مصر المغفور له إبراهيم باشا، لبث فيها شهرا كاملا كان الشعب يحيطه فيها بآيات المحبة والولاء .

ثم عاد الأعضاء فى المساء إلي طرابلس حيث أقامت لهم البلدية برياسة وإلى طرابلس الأمير خالد شهاب حفلة أنيقة بهرت الأنظار بجمال تنسيقها واناقة ترتيبها، ألقيت فيها كلمات طيبة ملئت بالروح العربى الصادق والحماسة الوطنية القوية .

وهذا إلى كثير من الحفلات رتبت فى " بيت مرى " نفسها حيث أقام المؤتمرون.

هذه كلمات أردنا منها وصف المؤتمر ونظامه . أما أبحاثه ومقرواته فلنا إليها عودة .

على أننا لا نود أن تختم حديثا دون الإشارة إلى ما كان للمنصر النسائى وخاصة سيدات لبنان وسوريا من نصيب كبير فى نشاط المؤتمر ونجاح لجائه وحفلاته.                              (  )

اشترك في نشرتنا البريدية