افتتح يوم الثلاثاء الماضي في باريس المؤتمر الدولي لكتاب اللغة الفرنسية من الأجانب فألقى الأستاذ جورج قطاوي الأديب المصري خطبة جاء فيها:
في مقدمة الكتاب المصريين باللغة الفرنسية واصف غالي باشا وزير الخارجية المصرية وقد شرفنا بحضور اجتماعنا هذا. وجميع المصريين يقدرون عمله السياسي حق قدره، فالاستقلال الذي أحرزته مصر مكنها من دخول جامعة الأمم من عهد قريب مرجع الفضل فيه إلى الجهود الوطنية والتضحيات وهمة الذين جاهدوا إلى جانب سعد زغلول باشا وفي جملتهم واصف غالي لنيل الأمة المصرية مطالبها المشروعة. فالخطب التي ألقاها واصف غالي والنشرات التي أصدرها في أثناء الثورة المصرية تكاد تكون صدى لصوت دانتون أحد أعلام الثورة الفرنسية الكبرى. ومع اشتغال واصف غالي بالشئون السياسية لم يهمل حرفة الأدب والبحوث التاريخية وقرض الشعر، فإن آثاره القلمية معدودة من محاسن النثر وعيون الشعر، وقد بين أن الغرب والنصرانية اقتبسا كثيراً من الحضارة الإسلامية. وأحيا ذكر شياطين الشعر العربي القديم والقصة العربية، ولم يسبقه في معالجة هذا الموضوع إلا المغفور له ثروت باشا أحد رؤساء الوزارة المصرية السابقين.
وما من أديب في مصر كلطفي السيد وطه حسين وأحمد ضيف ومنصور فهمي لم ينشر نبذاً باللغة الفرنسية على هامش مؤلفاته العربية النفيسة. ولو شئنا الإسهاب في هذا الموضوع لتمادى الكلام إلى مدى بعيد. وحسبنا أن نذكر أسماءهم. وأظن أن اسمي عدس وجوزيبوفتشي مستحقان أن يكونا في رأس جدول أسماء الذين نكرمهم، فإن كتابهما (جحا الساذج) قد بلغ بهما إلى أوج البلاغة، فقال عنه اوكتاف ميريو إنه لا يقل قيمة عن الكتب التي نسجت بردتها يراع ستندهال وفلوبير وتلستوي.
وقال إنه لم يدرك حقيقة الشرق إلا حينما قرأ كتاب (جحا الساذج) وكتب أحمد ضيف بالاشتراك مع فرنسوا بون جان قصة (منصور) وغيرها فوصف الأول محاسن الريف المصري ومعيشة النوتية في النيل ومرفأ الإسكندرية، واشترك معه بون جان في وصف جامعة الأزهر. وفي جملة الذين عالجوا محاسن مصر القديمة التركية أحمد راسم
فإن نثره الشعري يحكي بسلاسته وابتكاره ما نراه في شعر فرنسيس جام، وفي كتابة أحمد راسم تكثر النكتة والتعابير الشعرية والأمثال العلمية. وقد عالج تحليل قصائد الشعراء المصريين باللغة الفرنسية، وسيتسنى لكم الإطلاع على تراجم هؤلاء الشعراء في الديوان الذي يعده في القاهرة المسيو روبرت بلوم الأديب الفرنسي الذي اختار مصر وطناً له.
ومن المؤلفين الذين لا يذهل راسم عن الإشادة بهم أمامكم شاعر أريد أن أسبقه إلى التنويه به وهو محمد ذو الفقار فإنه من أرقى شعراء مصر وأحسنهم ديباجة، ولكنه ينفر من الظهور والتبجح، وهو علاوة على تفوقه في الشعر يعد من المصورين البارعين. ويحب في غالب الأحيان أن يستر عواطفه الحقيقية بنكتة لطيفة أو بتهكم لاذع. وقد قال عنه أحد النقاد: (أن الكلمات العادية في اللغة الفرنسية تتخذ إذا عالجها بقلمه طلاوة جديدة).
وأول من رفع الستار عن قصائد ذو الفقار وأعلنها للجمهور هو الكاتب المصري جورج دوماني بك، ولم يكن قبل ذلك قد اطلع عليها إلا خلصاؤه. أما جورج دوماني الذي استهوته السياسة والأعمال وشغلته عن عالم الأدب، فهو والحق يقال من أدق النقادين نظراً وألذعهم قلماً. فالمواهب التي يسخرها لتخليد ذكرى بعض زملائه وإظهار عبقرية البعض الآخر، تدل على أن نزوعه إلى النقد لم يضعف فيه قوة الشاعرية.
ومن عهد قريب صارت مصر تضيف إلى عداد شعرائها الذين ينظمون باللغة الفرنسية شاعرة جديدة هي السيدة قوت القلوب كريمة المغفور له عبد الرحيم الدمرداش باشا، فقد أصدرت رواية مطولة بعنوان (الحريم) أجادت في إنشائها كل الإجادة ونظم لها الكتاب الفرنسيون عقود الثناء عليها.
وإذا كانت الصداقة، الحقيقية وليدة اندغام بعض المتضادات والتقرب عن طريق المصاهرة فقد وجدت فرنسا ومصر لتتفاهما فعند طرفي حوض البحر الأبيض المتوسط لا تتخدش شواطئنا المتطرفة بخطوط منحرفة. وكأن شعبينا قد أعدا من الوجهتين الجغرافية والتاريخية لأن يكونا في ملتقى الطرق حيث تتواجه وتندغم الحضارات المتضادة. فباريس في الغرب تقوم بين العالم الجرماني والعالم اللاتيني بهمة تماثل المهمة التي تقوم بها الإسكندرية بين آسيا والعالم الأفريقي. ونجد في فرنسا كما نجد في مصر الفلاح المتعلق بالأرض وحراثتها، فاليسر لم يجرده من الميل إلى العمل ولا التعلق بأهداب الحرية ولا يسعى وراء الاقتصاد المحمود. وكان (بوسيه) يقول عن مصر الفرعونية: إن الأحوال الجوية المتساوية فيها دائماً تولي عقول أهلها متانة وثباتاً.
