الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 269 الرجوع إلى "الثقافة"

المؤتمر الزراعى

Share

انعقد بالقاهرة من ٧ فبرابر سنة ١٩٤٤ إلى ١٠ منه مؤتمر للزراعة دعا إليه ونظمه مركز تموين الشرق الأوسط (M.E.S.C) (١) بعد الاتفاق مع الحكرمة المصرية ، وقد حضره مندوبون للبلدان الآتية : عدن ، وقبرص ، ومصر ، والعراق ، ولبنان ، وفلسطين ، والملكة العربية السعودية ، والسودان ، والشام ، وشرق الأردن ؛ كما مثلت فيه الهيئات الآتية : مركز تموين الشرق الأوسط ، والبعثة العلمية الاستشارية للشرق الأوسط ، والهيئة المنوطة بالتقدم الزراعي بمركز تموين الشرق الأوسط ، وممثلو هذا المركز في بعض البلدان الآخري ، وقد مثل كل هيئة من هذه الهيئات ، وبلدة من تلك البلاد ممثلون يختلف عددهم من واحد إلي ستة أو أكثر

كما حضر المؤتمر أعضاء زائرون من شرق أفريقية ،

ومصر نفسها ، ومن العراق ، وفلسطين ، ومؤسسة الشرق الأدني .

ومثل في المؤتمر كذلك السفارة البريطانية بالقاهرة ومكتب الوزير الإنجليزي المقيم بالشرق الأوسط والسفارة الأمريكية بالقاهرة والإدارة الاقتصادية الخارجية للولايات المتحدة وإدارة الإغاثة والتعمير للأمم المتحدة .

ومن أهم الهيئات المذكورة فيها مضي هيئة التقدم الزراعي بمركز تموين الشرق الأدنى ، والبعثة العلمية الاستشارية ، فهما يضمان خير المزارعين عالميين ، واختصاصيين عالمين في مختلف الموضوعات العلمية المتصلة بالزراعة بوجه عام وبالتموين بوجه خاص ، وأعضاء الهيئتين يتغير بعضهم باستمرار ويتمثلون من بلد إلي بلد ليدرس كل منهم الموضوع المتصل باختصاصه دراسة مستفيضة في كل بلد يزوره ، ثم يتباحث مع زملائه في المركز ويقدم تقريره

قبل سفره ليحل محله غيره وهكذا .

وكان من بين هؤلاء الدكتور كين وكيل محطة روثمستيد للأبحاث الزراعية في لندن وهي اقدم المحطات الزراعية للبحوث الفنية في أوربا . وقد أذاع الدكتور كين من محطة الإذاعة المصرية كلمة عن هذا المؤمر مساء الأحد ٣ الجاري .

وكان للمؤتمر رئيسان هما اللورد موين الوزير البريطاني المقيم في الشرق الأدنى ، والمستر لاندس الوزير الأمريكي مدير العمليات الاقتصادية الامريكية في الشرق الأوسط . كان ينتخب لكل جلسة رئيس آخر غير الرئيس الفني ، فترأس معالي وزير الزراعة إحدي الجلسات ، وسعادة وكيلها جلسة أخرى ، ورئيس وفد العراق ثالثة ، ورئيس وفد الشام رابعة ؛ وهكذا .

ولعله من المفيد قبل أن نتكلم عن المؤتمر نفسه وما جري فيه أن نشير بكلمة قصيرة إلى الهيئة الداعية إليه ، المنظمة له :

مركز تموين الشرق الأوسط :

أسس هذا المركز في سنة ١٩٤١ ، لما وجد الحلفاء أنفسهم في مأزق في كل ما يتصل بالشحن والتموين لبلاد الشرق الأوسط وللجيوش الجرارة التي لهم فيها ، فشعروا بأنه لابد من وجود هيئة منظمة لهذين الأمرين وهما : الشحن والتموين ، حتى تستطيع الجيوش أن تضمن وصول الإمدادات من الرجال والآلات والذخائر والأطعمة ، وتحصل بلاد الشرق الأوسط أيضا على الضروريات اللازمة لها بكيفية منظمة وبغاية الاقتصاد .

وقد كان المركز في مبدإ الأمر منشأة بريطانية ملحقة بالقيادة العامة للجيش البريطاني ، فلما دخلت أمريكا الحرب صار المركز إنجليزيا أمريكيا ، فهو الآن منشأة تضامن بين الإنجليز والأمريكان ، يتبع سياسة مشتركة ، وتتألف هيئة الموظفين فيه من البريطانيين والامريكان يعملون جنبا إلي جنب في جميع أقسامه .

أما الأغراض التي يرمي إليها المركز والوظائف الرئيسية التي يقوم بها فيمكن تلخيصها فيما يلى :

أولاً : إنماء الإنتاج المحلي للأطعمة الضرورية والمواد اللازمة للشرق الأوسط بالتعاون مع الحكومات المحلية لجميع بلاد هذا الشرق الأوسط ، وبذلك يقل الطلب على استيراد الأطعمة والمواد الخام بواسطة الشحن من الأماكن النائية ، ويدخل في ذلك تشجيع استخدام المواد الموجودة محليا بدلاً من مواد مناظرة لها كانت تستورد من الخارج وضمان استيراد المواد الضرورية من أقرب مصدر لها .

ثانياً : عمل المباحث اللازمة للتأكد من أن طلبات الاستيراد للبضائع المدنية للشرق الأوسط تقتصر على الضروريات وحدها ، وبذل كل الجهد لضمان وصول تلك الحاجيات الضرورية إلي طالبيها . وذلك بتنظيم توزيع منتجات الأطعمة والمواد في جميع أنحاء العالم توزيعا يتفق مع تقليل الشحن إلي أدنى حد ممكن .

ثالثاً : معاونة حكومات الشرق الأوسط في ضبط ومراقبة التوزيع بحيث تستخدم المواد المستوردة في أحسن الأغراض وانفعها ، وضمان استخدام المنتجات المحلية من المواد ، واستخدام الطاقة البشرية استخداما اقتصاديا موجها نحو إنتاج الضروريات قبل كل شئ .

رابعاً : إيجاد مركز لتبادل المعلومات بشأن جميع المسائل الخاصة بالإنتاج الزراعي والصناعي وبالتوزيع وبالاقتصاديات بوجه عام ، والعمل على إيجاد خبراء فنيين يستطيعون إسداء النصيحة وبذل المشورة فيما يتعلق بجميع تلك المسائل .

وقد استطاع هذا المركز الرئيسي أن يحقق كثيراً من أغراضه ، وأن يوفر كثيراً من الحيز النافع لشحن المواد ، وأن يحقق توفر الأطعمه ، والمواد الخام ، والأدوات الصحية ، ومطالب النقل من سيارات وإطارات وأدوات تغيير الخ ، وغير ذلك كله من لوازم التموين . كما استطاع أن يقوم بأعمال جليلة لازمة لزراعة والصناعة ، كل ذلك بالتعاون مع الحكومات المحلية .

وليس هذا المؤتمر الزراعي أول مؤتمر عقده مركز تموين الشرق الأوسط ، ففي سنة ١٩٤٢ عقد مؤتمرا لبحث وسائل جمع الحبوب . وفي سنة ١٩٤٣ عقد مؤتمرا لنفس الغرض ، كما عقد مؤتمرات خاصة بالنقل ومقاومة الجراد ، وتوزيع الأطعمة ، والإحصاءات ، وفي يناير سنة ١٩٤٣ ايضا عقد مؤتمرا للزراعة. فالمؤتمر الذي نحن بصدده هو المؤتمر الثاني الذي يعقده لبحث المسائل الزراعية وما يتصل بها .

جلسات المؤتمر وبحوثه :

عقد المؤتمر ست جلسات بحث في الجلسة الأولى منها مسائل الزراعة الجافة ، ومسائل الري والصرف ، فتكلم أحمد خيري بك في ضبط الري والصرف بوادي النيل ، والنيجر جوائز ممثل مركز التموين فى بيروت عن التقدم الحديث في الري في دول شرق البحر الأبيض المتوسط والدكتور ريبورن مهندس المياه بقبرص عن إنماء مصادر المياه الصغيرة وحفظها . وقرأ أحد المفتشين الزراعيين  بفلسطين بحثا للمستر ستدمان ديفز مراقب الإنتاج الزراعي بها عن الري من الآبار والينابيع ، وتكلم الأستاذ أديسون من كلية الهندسة بمصر عن بعض المسائل العامة الإيدروليكية ، وتكلم الدكتور مايرز من هيئة التقدم الزراعي بمركز التموين عن الوسائل الفنية للزراعة الجافة ، والمستر لو عن الزراعة الجافة بمنطقة بير شبيه بفلسطين ، والدكتور محمد بهجت عن الزراعة الجافة بمنطقة مريوط بمصر ، والمستر هارتلي عن طرق الزراعة الجافة بعدن .

أما الجلسة الثانية ، فقد خصصت لإصلاح وإنماء الأراضي الجديدة تكلم فيها محمود حلمي بك عن إصلاح البراري في شمال الدلتا ، والمستر بيلي عن بعض المصاعب التي تعترض اصلاح الأراضي (مثل من جنوبي إيران) ، والمستر جاربت عن الإنتاج على نطاق واسع في وادي الفرات ، والمستر هويلر عن نمو الفلاحة على نطاق واسع في المنطقة الشمالية للجزيرة بالشام ، وسعادة محمود يوسف باشا عن

الزراعة المجهدة في الأراضي الرملية المستصلحة .

أما الجلسة الثالثة فقد خصصت لتآكل التربة وحفظها . وكانت البحوث التي تلبث فيها معظمها خاص بقبرص وفلسطين وشرق أفريقيا والشرق الأوسط بوجه عام .

وخصصت الجلسة الرابعة لتحسين الفن الزراعي عن طريق البحث والتعليم ، فتكلم مندوب العراق عن إعداد الموظفين الزراعيين هناك ، والأستاذ الأزاري فلكانى مدير محطة ريهوفوت للبحوث الزراعية بفلسطين عن الأعمال التي تجري في تلك المحطة ، والدكتور يولر كبير الفنيين في القطن بمجلس المباحث القطنية بمصر عن التطبيق العملي للبحوث الزراعية . وقرأ المستر ألن بحث الرئيس دودج عن معهد الحياة الريفية في بيروت ، كما تكلم الدكتور أحمد حسين عن التحسينات الاجتماعية الريفية ، وسعادة حسين عنان بك عن التحسينات الزراعية الريفية بمصر .

أما الجلسة الخامسة . فقد خصصت لبعض المسائل المحلية ، وكانت معظم البحوث التي ألقيت فيها متصلة بشرق الأردن وفلسطين ، وكان ختامها بحثان ، أولهما : للدكتور على حسن عن تحسين معايير التنغذية في الشرق الأوسط ، وثانيهما : للدكتور مري مدير قسم الأطعمة بمركز تموين الشرق الأوسط عن العصبة الزراعية لبلدان الشرق الأوسط .

وخصصت الجلسة السادسة للمناقشات وبحث القرارات . وهناك محاضرة قيمة لم تكن في البرنامج ، وإنما تليت بناء على رغبة معالي وزير الصحة ألقاها الأستاذ الدكتور محمد خليل عبد الخالق بك عن الملاريا وأثرها في بلدان الصعيد المصابة بها ، وتناول فيها حالة الأهلين هناك وما يعانونه من جوع راجع إلي فقرهم المدفع .

هذه كلمة عابرة عن المؤتمر وفكرته والمواضيع التي تناولها بالبحث ، ولعلنا نستطيع في فرصة اخري أن نوافي

القراء عن بعض البحوث التي ألقيت في هذا الؤتمر .

على أننا يمكننا أن نستخلص من البحث الأخير للدكتور مري ومن الكلمة التى أذاعها الدكتور كن والتي  قال فيها : "إن بلاد الشرق الأوسط تمثل وحدة قائمة بذاتها لما بينها من أوجه شبه كثيرة في اللغة والعادات والجو وقلة الأمطار وقلة استعمال الآلات الزراعية بالقياس إلي أوربا وأمريكا ، وبفقر الفلاح ونشاطه وتشابه حالته الصحية والاجتماعية " . نستخلص أن كل ذلك يجعل من تلك البلاد وحدة زراعية يصح ان تكون أساساً لعصبة أمم شرقية .

وتحسب أنه علي هذا الأساس قد وصل المؤتمر إلي أهم قرار اتخذه وهو تأليف مجلس دائم يمثل أمم الشرق الأوسط يكون ممثلا للرأي الزراعي أو الآراء الزراعية التي

تنتهي إليها تجارب تلك الأمم الشرقية فرادى ومجتمعة بواسطة متدربيها ، وقد تألف هذا المجلس من رؤساء المندوبين لكل دولة من الدول الممثلة في المؤتمر .

ولعل هذا الاتصال والتضامن يؤدي في النهاية إلي تعاون فعلى بواسطة معهد أو معاهد تتركز فيها البحوث وتعد فيها طبقات الموظفين الفنين في مختلف نواحي الزراعة لتلك البلاد كلها .

وبعد فلا شك في أن مصر تستطيع أن تفيد وتستفيد فوائد كبرى من مثل هذه الحركة إذا أحسنت استغلالها وأحكمت خطواتها التي ستخطوها في سبيل ذلك الاتجاه الزراعي المنشود .

اشترك في نشرتنا البريدية