احتل أبو المحاسن مركز الصدارة بين المؤرخين بمصر بعد وفاة المقريزى والعينى ، في أواسط القرن التاسع الهجرى . واسمه أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن تغرى بردى بن عبد الله الظاهرى الجوينى ، ومولده بالقاهرة فى شوال سنة ٨١٣ ه ، بدار الأمير منجك اليوسفى ، بجوار مدرسة السلطان حسن ، بحى القلعة الحالى . وكانت أمه جارية تركية من جوارى السلطان الملك الظاهر برقوق ؛ وأصل أبيه تغرى بردى مملوك يونانى ( رومى ) جميل الطلعة ، اشتراه هذا السلطان ورباه وجعله ضمن مماليكه ، ولم يلبث أن أعتقه ورقاه يوم عتقه إلى فرقة الخاصكية ، وهي إحدى فرق المماليك السلطانية . ثم أصبح تغرى بردى موضع رعاية مولاه ، فتقلد كثيرا من الوظائف الرفيعة في الدولة المملوكية ، وشارك في حوادث ذلك العهد حتى وفاة السلطان برقوق سنة ٨٠١ ه . وقام تغرى بردى في أيام السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق بدور خطير ، وناء بمسؤوليات كبرى ، إذ تولى نيابة دمشق ، وهي أكبر النيابات في دولة المماليك ، وساهم في مدافعة تيمورلنك عن مدن الشام ، وانهزم منه مع السلطان إلى الديار المصرية . ثم تولى نيابة دمشق للمرة الثانية بعد جلاء التتر عن الشام ، واتهم أثناء ولايته عليها بتهمة الخيانة العظمى ، فشق عصا الطاعة وهرب إلي بلاد التركمان ، حيث أقام مدة منفيا . ثم عفا عنه السلطان بعد ذلك ، وطلب إليه العودة إلى القاهرة ، وولاه أنابكية العساكر بالديار
المصرية ؛ بل تزوج بعيد ذلك من كبريى بناته ، واسمها فاطمة ، وولاه نيابة دمشق للمرة الثالثة ؛ وما زال تغرى بردى على نيابتها حتى وفاته في أواسط المحرم سنة ٨١٥ ه ( ١ ) . وفي تلك السنة نفسها مات السلطان فرج قتيلا بسيف الشرع ، على يد الأميرين نوروز وشيخ ، وقد اعتلى عرش السلطنة الملوكية من بعده ثانى هذين الأميرين ، وهو المعروف باسم السلطان الملك المؤيد شيخ . أما تغري بردى فقد ترك ستة أبناء وأربع بنات منهن خولد فاطمة زوج السلطان المتوفى ، وكان أبو المحاسن أصغر أولئك الأولاد والبنات جميعا . وقد توفى والده وهو في الثانية من عمره ، فتولى تريبته قاض القضاة ناصر الدين بن العديم الحنفى ، وهو زوج أخته الثانية واسمها بيرم ؛ ثم توفى ابن العديم ، وتزوجت بيرم من قاض القضاة جلال الدين البلقينى الشافعى ، فأكمل البلقينى تربية الصبى إلي أن كبر وانتشا وترعرع ؛ ثم توفى البلقينى سنة ٨٢٤ ه ، فصار أبو المحاسن تحت كنف جماعة من أكابر مماليك أبيه ، فتعهدوه بما احتاج إليه من رعاية وعيش وتعليم مدنى وحرب
وقد حكى أبو المحاسن عن نفسه أنه أدخل يوما وهو في الخامسة من عمره إلي حضرة السلطان المؤيد شيخ ، وقد علمه بعض من كان معه أن يطلب إلى السلطان أن
يعطيه "خبزا " ومعناه في مصطلح دولة المماليك " إقطاع من الأرض ؛ وهذه عبارة أبى المحاسن : " فلما جلست عنده وكلمنى سألته في ذلك ، فغمز من كان واقفا بين يديه و أنا لا أدرى ، فأتاه برغيف كبير من الخبز السلطانى ، فأخذه بيده وناولنيه ، وقال : خذ ، هذا خبز كبير مليح ، فأخذته من يده والقيته إلى الأرض ، وقلت : اعط هذا للفقراء ، انا ما أريد إلا خبزا بفلاحين ، يأتون بالغنم والأوز والدجاج ، فضحك حتى كاد أن يغشي عليه ، وأعجبه مني ذلك إلي الغاية ، وأمر لي بثلاثمائة دينار ، ووعدنى بما طلبته وزيادة ( ١ ) .
والواقع أن أبا المحاسن نشأ في بسطة من العيش ، وليس من الحق قوله في موضع آخر من كتابه هذا إنه عاش فقيرا من غير مال ولا عقار بعد وفاة أبيه ، إذ كان الناصر فرج قد استولى فعلا علي جميع ما خلفه ثغرى بردى من ثروة ومتاع وإقطاع طبعا . ولكن قد كفل أوصياؤه نفقته وتنشئة وتعليمه على أحسن وجه ، كما تشهد بذلك قائمة المشايخ الذين درس عليهم مختلف علوم عصره بمصر والشام والحجاز ، ومنهم المقريزى والعينى وابن حجر وابن عربشاء بالقاهرة ، وابن ظهيرة وابن العليف مكة ، والمرعشى وابن الشماع بحلب ، وكثير غيرهم من أصلاء القرن التاسع الهجري بالشرق الأدنى من علماء المسلمين . على أنه أحب التاريخ من دون العلوم التي درسها وأجيز له فيها ، فلازم المقريزى - والعبنى أيضا - من أجل ذلك ، ونهج نهجهما ، واتبع أسلوبهما ونمطهما في التحصيل والكتابة الغزيرة ، واجتهد في ذلك إلي الغاية ، وساعدته جودة ذهنه وحسن تصوره ، وهذا فضلا عن معرفته باللغة التركية (٢) .
غير أن تفضيل أبى المحاسن لدراسة التاريخ خاصة ، كان راجعا في الغالب إلي وصول العينى بواسطته إلي المكانة السامية التي شغلها في بلاط السلطان برسباى ، إذ طمح هو أيضا في مثل ذلك لنفسه بالوسيلة عينها لدى سلطان مقبل . فلما مات المقريزى سنة ٨٤٥ ه ، والعينى بعده سنة ٨٥٥ ه ، خلا الجو تماما لأبى المحاسن ، ولم يوجد من ينافسه فى زعامة المؤرخين في عصره ؛ وقد أشار أبو المحاسن نفسه إلى ذلك في غبطة ورضى وجسارة مشوبة بغرور ، إذ كتب بصدد وفاة العينى : " ولما انتهينا من الصلاة على قاضى القضاة ] العينى ، قال لى [ بدر الدين محمد بن عبد المنعم الحنبلى : خلا لك البر بيض واسيفر ( ١ ) . فلم أرد عليه ، وأرسلت إليه بعد عودتى إلى منزلى ورقة بخط العينى هذا يسألنى فيها عن شئ سئل عنه في التاريخ من بعض الأعيان ، ويعتذر عن الإجابة بكبر سنه وتشتت ذهنه ، ثم أبسط في الشكر والمدح والثناء إلى أن قال : وقد صار المعول عليك الآن في هذا الشان ، وأنت فارس ميدانه ، وأستاذ زمانه ، فاشكر الله على ذلك ؛ وكان تاريخ كتابة الورقة المذكورة في سنة تسع وأربعين ( ٢ ) وثمانمائة " . أي قبل وفاة العينى بسنتين .
ومهما يكن من صيرورة الزعامة بين المؤرخين فى مصر لأبى المحاسن ، فإنه لم يتفق له أن صار نديما دانيا لسلطان من سلاطين المماليك ، يقرأ له التاريخ فى أمسياته ، مثلما كان العينى مع السلطان برسباي . على أنه تقلد كثيرا من الوظائف في عهود مختلفة ، وكان له من مولده وتنشيئة وقراباته ومصاهراته وصداقاته ما جعله من رواد البلاط السلطانى . فقد كان من المتصلين بحضرة السلطان برسباى
حتى سحبه في حلقات الصيد والنزهة والسرحة ، وتوثقت صلته بالسلطان جقمق حتى انتظمت زياراته لمجلسه مرة كل أسبوع ضمن رجال العلم المقربين ، وكان بينه وبين الأمير محمد بن جقمق صحبة قديمة ومحبة زائدة ومصاهرة . بيد أنه لم يكن ذا حظوة لدى السلطان إينال ، حتى إن زياراته لبلاطه لم تعد المرة أو المرتين في العام كله ؛ ثم لم يلبث أن عاوده الحظ عند السلطان خشقدم الرومى ، بفضل وساطة أحد الأمراء الكبار ؛ وقد عاش أبو المحاسن ليرى أوائل سلطنة قايتباى ، وليكتب في حوادثها بما يدل على أنه لم يلق في بلاط ذلك السلطان عناية أو قبولا .
ولقد استطاع أبو المحاسن خلال حياته الطويلة ، التى صرف معظمها وهو يحوم حول البلاط السلطانى ، أن يكتب كثيرا في التاريخ والتراجم ، وأن يبرع في فنون الفروسية كلعب الرمح ورمى النشاب وسوق البرجاس ولعب الكرة بالصوالجة ( Polo ) ، وأن يحذق علم النغم والضروب والإيقاع ، وأن ينظم الشعر بالعربية والتركية ، وأن يحج إلي مكة مرتين سنتى ٨٢٦ ه ، و ٨٤٩ ه . وقد قام أبو المحاسن في حجته الثانية بوظيفة " باشا المحمل " المصرى ، وهي أقل رتبة من وظيفة " أمير المحمل " وكانت العادة أن يكون لهذا الباشا رجلان في معيته يسمى أحدهما باشا الميمنة ، وثانيهما باشا الميسرة ، وكان قايتباى الذي تسلطن فيما بعد على الميسرة ( ١ ) فحسب .
أما مؤلفات أبى المحاسن فقد بلغ عددها اثنى عشر كتابا ، على حد قول ابن الصيرفى وغيره ممن كتبوا ترجمته . وقد بقى بين أيدينا من هذه المؤلفات سبعة فقط ، وأشهرها كتابه في تاريخ مصر من الفتح الإسلامى إلى سنة ٨٧٣ه ، واسمه " النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة " ، فى
سبعة مجلدات ضخمة ( ١ ) ؛ وقد ألفه أبو المحاسن من أجل السلطان المرجو محمد بن جقمق ، الذي عاجلته المنية سنة ٨٤٧ ه قبل أن يتحقق ذلك الرجاء ؛ وكان في عزم أبى المحاسن أن يختتمه بحكم هذا الأمير وعدله ، وأن يجعل منه ما جعل العينى من " عقد الجمان " ( ٢ ) . وكثيرا ما يشير أبو المحاسن في ثنايا هذا الكتاب إلي مؤلف سبق له أن ألفه ، واسمه " المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى " . وهو كتاب كبير شامل لتراجم الأعيان والنابهين من سلاطين الدولة المملوكية ورجالها ، و بعض ملوك البلاد القريبة من المسلمين والنصارى ، من سنة ٦٥٠ ه إلى عصره ؛ وقد رتبه أبو المحاسن ترتيبا أبجديا ، وأراد به أن يكون ذيلا وتكملة لكتاب " الوافى بالوفيات " ، لخليل ابن أيبك الصفدى المتوفى سنة ٧٦٤ ه . ثم اختصر أبو المحاسن هذا المؤلف في كتاب سماء " الدليل الشافى على المنهل الصافى " ، وجعل لهذا المختصر مختصر أسماء " مورد اللطافة في ذكر من ولى السلطنة والخلافة " ، فجاء هذا الأخير كالهيكل العظمى العارم ، إذ لا يوجد به سوى تاريخ مقتضب المسيرة النبوية ، يتلوه بيانات جافة بأسماء الصحابة والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والفاطميين ومن وليهم على مصر إلى سنة ٨٤٢ ه .
ولأبى المحاسن كتاب آخر يكثر من الإشارة إليه أيضا في كتاب " النجوم الزاهرة " ، واسمه " حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور " ، وهو ذيل لكتاب " السلوك لمعرفة دول الملوك " لأستاذه المقريزى ، وقد رتبه على السنين والشهور والأيام ، فبدأ به من حيث
أنتهى ذاك إلى سنة ٨٥٦ ه . لكنه خالف المقريزى وغايره قليلا في طريقته من الإطناب في الحوادث والاقتصار في تراجم الوفيات ، فأطال في كل منهما ما استطاع إلا ما سبق له استيفاؤه في كتابيه الأولين . " لتكثر الفائدة من الطرفين " على حد قوله في مقدمته لذلك الكتاب الأخير .
ومن مؤلفات أبى المحاسن أيضا " نزهة الرائى في التاريخ " ، و " البحر الزاخر في علم الأوائل والأواخر " ؛ وهذا عدا كتب أخرى ( ١ ) لا صلة لها بصميم التاريخ ، وهى كتاب " نزهة الألباب في اختلاف الأسماء والألقاب " وكتاب " حلية الصفات في الأسماء والصناعات " وكتاب " البشارة في تكملة الإشارة " . وكتاب " الانتصار للسان التتار " ، وهو رسالة في معانى اللغة التركية ، وكتاب في الرياضيات والموسيقى ، وكتاب " السكر الفاضح ( ٢ ) والعطر الفائح " في التصوف .
وقد نقد ابن الصيرفي والسخاوي مؤلفات أبي المحاسني في عنف وشدة ، ورماه كل منهما بما خال او شاء من تهم يستشف القارئ من عبارتها شيئا من الغيرة والحسد . ومصداق ذلك قول السخاوي ، ونصه : " وبالجملة فقد كان ] أبو المحاسن [ حسن العشرة ، تام العقل _ إلا في دعواه فهو حميق-.... لطيف المذاكرة ، حافظا لأشياء من التعلم ونحوه ، بارعا حسبما كنت أتوهمه في أحوال الترك ومناصبهم وغالب احوالهم ، منفردا بذلك ، لا عهد له بمن عداهم ، ولذلك تكثر فيه أوهامه ، وتختلط ألفاظه وأقلامه ، مع سلوك أغراضه ، وتحاشيه مجاهرة من أدبر عنه
بإعراضه ، وما عسى أن يصل إليه ( ١ ) تركى ؛ " . وقد ردد ابن الصيرفى هذا المعنى ، وزاد عليه أن أبا المحاسن كان " كلما فرغ من تصنيف يتوجه به إلى من يعرف العربية ، فيصلحه له ويصير له به مزية " .
ومع هذا وغيره من أقوال المعاصرين ، فإنه يتجلى لنا من كتب ابى المحاسن انه كان مؤلفا واسع الاطلاع ، شديد التدقيق والتحرى في كتابته ، وأنه كان مجتهدا كدودا ، أمينا بقدر ما انطوت عليه هذه الصفة من معنى عند جمهرة المؤرخين في العصور الوسطى في الشرق والغرب ، حين لم يكن النقل وانتحال الصفحات من كتب السابقين والمعاصرين جريمة شنيعة . يضاف إلى ذلك أنه إذا أخذنا نقد أبي المحاسن لأخلاق الرجال الذين تناولهم في كتبه مقياسا لخلقه ، وذكرنا قول ابن إياس فيه ، وهو الذى خلفه في زعامة المورخين في مصر ، وضح لنا حقا انه كان رئيسا حشما فاضلا . . . له اشتغال بالعلم . . . ، مشغوفا بكتابة التاريخ ( ٢ ) ، بدليل أنه لم ينقطع عن الكتابة والتأليف حتى قبيل وفاته فى ذى الحجة سنة ٨٧٤ ه .

