" لست صحفيا بالمعنى الصحيح , وإنما أنا رجل كاتب " المازني
-5-
صلة المازني بالصحافة صلة قديمة ترجع إلى ما قبل اشتغاله بها . فقد كان منذ سنة ١٩٠٧ يكتب فى الصحف التى تخصص جزءًا من صفحاتها للموضوعات الأدبية كالجريدة والمؤيد والدستور . وهذه الأخيرة هى الصحيفة التي كان يصدرها فى ذلك الحين الاستاذ محمد فريد وجدى ويشترك في تحريرها الأستاذ العقاد . وعلى صفحات الدستور وعن طريقة تعارف المازني والعقاد فتلازما من بعد واقترن اسماهما وتوطدت بينهما صداقة سوف يعتز بها التاريخ الأدبى ما ذكرت صداقات الأدباء
وفي سنة ١٩١١ اصدر الاستاذ الشيخ عبد الرحمن البرقوقي مجلة " البيان " فتعهدها نخبة من الأدباء الناشئين فى ذلك الجيل أمثال السباعي و المازني والعقاد وشكرى . ونشر بها المازني فصولا في الأدب والعقاد ضمنها بعد ذلك أول كتاب صدر له وهو كتاب " الشعر , غاياته ووسائطه " (١1١٥), كما بدأ بها ترجمة كتاب التربية الطبيعية أو إميل للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو . وتوقفت البيان عن الصدور فتحولت تلك المدرسة الأدبية الى صحيفة " السفور " التي كان يصدرها الأستاذ عبد الحميد حمدى على عهد الحرب الكبرى .
اما بدء اشتعال المازنى بالصحافة بعد اعتزاله التدريس فقد كان حين دعاه الأستاذ عبد القادر حمزة , عقب الثورة , لمعاونته فى تحرير صحيفة " الأهالى " وكانت تصدر
بالإسكندرية ، وكان المازني مريضا متلف الأعصاب من أثر التجربة النفسية التى امتحن بها فى ذلك الصدر من حياته والتى أشرنا إليها فى الفصل السابق , فاشترط أن تكون مشاركته إلى حين
وفى تلك المرحلة الباكرة من مراحل الحياة السياسية فى مصر , كانت الصحف أكثر اهتماما وعناية بالآراء والأفكار منها بالحوادث والأخبار , فكان طابعها الأغلب وأ كبر اعتمادها على المقالة . وكان ذلك أقرب إلي طبيعة الكاتب فى المازني , فلا جرم استطاع أن يلى حاجتها ويساير إتجاهها , متمشياً مع طبيعته محتفظاً بخصائصه , غير متكلف ما يعدل به عن مذهب الحرية والاختيار
وكان المازني ممن شاركوا فى هذا المجال وبرزوا فيه ولفت ذلك نظر الأستاذ أمين الرافعي إليه , فدعاه إلى مشاركته فى تحرير صحيفة " الأخبار " وهى إذ ذاك من كبريات الصحف الوطنية و أعلاها صوتاً , فعمل به المازني سنوات , وفها توطدت شهرته الصحفية , حتى ليمكن أن تعد تلك الفترة بداية التاريخ الصحفى فى حياة المازني الكاتب الأديب . وفى الأخيار كان المازني ينشر إلى جانب مقالاته السياسة اليومية فصولا أسبوعية في الأدب والنقد , ومنها الفصول التي جمعها بعد ذلك في كتابيه حصاد الهشيم وقبض الريح . وظلت هذه عادته فى أغلب الصحف التي عمل بها
وعمل المازني بعد ذلك فى صحف شتى لايعنينا هنا أن نحصيها في جملتها واضطلع فترة برياسة التحرير في صحيفة " السياسة " تعرض أثناءها لما يتعرض له رؤساء التحرير المسئولون , فقد قدم إلى المحاكمة، واستدعى للتحقيق معه غير مرة وفى فترة تعطيل السياسة على عهد الوزارة الصدقية الأولى أصدر المازني بالاشتراك مع الأستاذين الدكتور محمد حسنين هيكل ومحمد عبدالله عنان كتاب " السياسية المصرية والانقلاب الدستورى " فى نقد سياسة ذلك العهد
وقد حفلت حياة المازني الصحفية فى شتى مراحلها بالتجارب والأحداث , وكانت بعض هذه التجارب خليقة أن تعدل به عن وجهته وتحمله على الفرار بنفسه من الصحافة , ولكنه ظل صامداً إلى النهاية كما تعود أن يصمد فى كل ميدان , وتغلب على متاعب المهنة كما تغلب على متاعب الحياة . ويروى المازني انه كاد يتعرض يوما للنفى بسبب مقال . وخلاصة الحادث أنه فى بعض الأعوام كتب سلسلة مقالات عنيفة فى الأخبار , يهاجم فيها الوزارة القائمة آنذاك . وكان من المعارضين لها . وحدث أن وقعت جريمة وحشية اعتبر الكتاب المعارضون مسئولين أدبيا عنها . وعلم بذلك الأستاذ أمين الرافعي فدعا إليه المازني وأخبره أن الوزارة قررت نفيه , وأن الأوفق ان يسافر إلى سويسرا حيث يراسل الأخبار من هناك . ويقول المازني : أعددت حقائبى وأخبرت امى وطمأنتها , وبت مؤرقاً طول الليل انتظر أمر النفي وتنفيذه , وإذا بالوزارة تستقيل في فحمة الليل ..فنجونا ولما نكد ! "
ومن طرائف المازني فى الصحافة أنه اتفق يوما مع صديق له من كبار رجال وزارة المعارف على أن يبعث إليه بمقالات في نقد أعمال هذه الوزارة , وكان المازني يعارض الحكم القائم , فكان هذا الصديق يرسل المقال إلى المازني فيحمله إلى بيته وينسخه بيده ويحرق الاسل إتقاء لعواقب التفتيش ويقول المازني وهو يروى هذه الحادثة " قامت القيامة في وزارة المعارف , وانطلق بعض رجالها يسألون ويستخبرون ليهتدوا إلى كاتب هذه المقالات المزعجة , واستدرج بعضهم بعض العمال البسطاء , فعلموا أن المقالات بخطى , فلم يستغرب أحد أن أكون أنا الكاتب . وكنت فى ذلك الحين أسكن حى الإمام الشافعي , ولي فيه أقارب وأصهار كثيرون , ومن بينهم شيخ الإمامين الأسبق المرحوم السيد احمد محسن , فاتفق ذات ليلة أن كنت عائدا إلى بيتي ,
فإذا كل من يلقانى فى طريقي يقول إن الشيخ يسأل عنك . فذهبت إلى بيته فلم أجده . وفى الصباح جاءنى الخادم يقول إن الشيخ ينتظرنى لأنزل معه فى مركبته , فعرجت عليه وركبنا معا . وسألته عن الخبر , وكنا فى رمضان ، فقال : يا شيخ , حرام عليك ! الرجل زارنى أمس بعد الإفطار بربع ساعة , فهو إما غير صائم ، أو هو لم يهنأ بطعام ، وكل هذا من تحت رأسك ! فاستزدته من البيان فقال : إن الوزير يعرف أنك كاتب هذه المقالات التي اقضت مضجعه , وهو مستعد أن يستصدر قرارا فى الحال من مجلس الوزراء بإعادتك إلى الخدمة , وفى مثل الدرجة التي فيها أحسن زملائك حالا ، وأن يحسب لك فى معاشك المدة التي قضيتها خارج الحكومة . فضحكت وقلت : هبنى كاتب هذه المقالات , فهل تكون الرشوة على هذه الصورة علنا ، وعلى مرأى ومسمع من الخلق جميعا ؟ فقال لاتكن مغفلا ! ما خير هذه الصحافة ؟ إن أسرتك كبيرة ونفقاتك كثيرة ولا اطمئنان على الرزق فى الصحافة , فعد إلى عملك واستقر واحمد ربنا على الفرصة التي أتيحت لك . فقلت له : يا سيدى الشيخ , إن لكل ذمة ثمنها , ولا أحسبنى فوق الرشوة إذا بلغت حد الإغراء , ولكنه ما من ذمة خربة تقبل الرشوة علنا ونهارا وجهارا على هذا النحو . ماذا يقول الناس ؟ فى المساء يقرأون الأخبار فإذا فيها مقال فى نقد الوزارة ، ثم يصبحون فإذا أنا موظف كبير فى وزارة المعارف !"
ثم كان المازنى فى سنواته الأخيرة يعمل فى أكثر من صحيفة , ويكتب إلى جانب ذلك للصحف التى تقترح عليه موضوعات الكتابة ولا تقيده بالناحية السياسية وحدها . وقد عد البعض من مآخذه أنه جمع بين صحف تتعارض فى السياسة والمبدأ . أما هو فما كانت رسالة الصحافة لتختلف عنده بين صحيفة وأخرى , وما كانت تعنيه
الحزبية على الإطلاق . وقد ظل طيلة اشتغاله بالصحافة مستقلا برأيه , بل كان المازني ربما كتب معارضا لرأى الحزب الذى يعمل في صحيفته . فهو يؤيد ما يعتقده صواب ويعارض ما يراه مخالفا للصواب . وكان حكمه على الأعمال لاعلى الاشخاص , فلم يمنعه تقديره لزعيم كسعد زغلول من معارضة سياسته , ولم محل معارضته العنيفة لسياسة صدقي دون الاعتراف بكفايته وعبقريته . وفى حياة المازني الصحفية , وهي طويلة , لم يجتذيه الساجلات والمعارك التى كثيرا مانثور بين الصحف , وقلما عنى بالخوض فيها . ولا مراء فى أن المازني كان , فى بعض العهود , معارضاً شديد المعارضة , ولكنه لم يكن مخرج فى معارضته عن حد النقد النزيه والإرشاد والتوجيه
وعلى الرغم من الصلة القوية بين الصحافة والسياسة ، كانت الكتابة الصحفية وحدها حد المازني من المعترك السياسى , فقد تاى بنفسه عنه , وكان مستعدا حتى لترك الصحافة لو أنها كلفته النزول إليه
ولقد فوتح فى أمر ترشيحه للنيابة فرفض الفكرة و لم يأسف على رفضها , بل لقد رفض أن يتقدم لانتخابات الرياسة فى نقابة الصحفيين برغم إلحاح زملائه عليه . وقد اختير في بعض السنين وكيلا لها وما أحسبه رضى بهذا الاختيار إلا لأنه قدر أنه مستطيع أن يخدم به الصحافة , ولأن المنصب فى ذاته لا خطر له فى غير دائرته المحدودة وهي دائرة النقابة
وقد طال اشتغال المازني بالصحافة ولم يكن صحفيا مع ذلك , او هو كان صحفيا فى حدود خاصة ونطاق لا يتعداه . فقد كانت وظيفته الاصيلة وهوى نفسه الكتابة لا الصحافة . وهو يقدم لنا فى أحد فصوله كتابه الساخر الممتع "صندوق الدنيا " صورة وصفية لصحفي , يقول فى ختامها على لسان رئيس التحرير : يا صاحبي إنك كاتب لبق يسعك ما لا يسع فرقة بأسرها من الكتاب حين
تجلس إلى مكتبك , ولكنك حين تلقى الناس لا تعود صالحا لشىء أو قادرا على شئ . فاذهب إلى مكتبك ولا تزايله فما نستطيع أن نخلقك خلقا جديدا !" وأكبر الظن أن المازني كان يصدر فى بعض جوانب هذه الصورة عن شعوره الشخصى , وأنه كان يصور نفسه هو
ونورد هنا حادثة لعلها فريدة في حياة المازنى الصحفى نرويها لدلالتها على ما ذكرناه ، لما فيها في فكاهة وطرافة فى آن.
ذلك أنه عقب عودة سعد من منفاه , وفى صباح اليوم التالى لوصوله إلى القاهرة , كان المازني واقفا فى محطة الترام فى الإمام الشافعي حيث كان يسكن , فمر به شيخ اللحادين وهم الذين يتولون حفر المقابر وحراستها والقيام عليها ، فرآه وأفضى إليه بأن سعداً آت لزيارة مقابر الشهداء . فبعث المازني من جاءه بقلم وورق , ووقف ينتظر , وبعد قليل أقبل سعد فى سيارته ومعه بعض صحبه فى سيارة أخرى فأشار إليها المازني فحملته معهم . وزار سعد مقابر الشهداء وألقى كلمة وجيزة دونها المازني , ثم قصد إلى قبر شهيد قبطى وألقي كلمة أخرى دونها المازني أيضا . ولفت بعض الحاضرين نظر سعد إلى المازني فحياه
ورجع المازني إلى الأخبار , واعتذر للأستاذ أمين الرافعي من تأخره , فضحك , وقال إن سعدا أخبره بالتلفون ان المازني أبرع صحفى فى العالم , لانه عرف أن سعدا سيزور مقابر الشهداء , مع ان الذين رافقوه ما كانوا يعرفون هذا ! .. قال الأستاذ أمين الرافعي " وطبعا وافقته ولم أكشف له عن سر هذه البراعة !" أى أنه لم يقل له إن المازني يسكن بين المقابر !
وبعد , فقد غيرت على المنازنى فى الصحافة سنوات طويلات المدد , كانت كلها سنوات كفاح وجلاد بعيا به جبابرة الرجال . وأدركه منها بلاء لا يقاس إلي جانبه بلاء
التدريس . وعجمت عوده فألفته لاهشا ولارخوا : وامتحنت معدنه فإذا هو معدن القوة الكامنة فى قرار المحيط أو الثورة التابعة فى سكون الصحراء . ولم تكن طريق المازني فى الصحافة سهلة معبدة , وكان بطبيعته المتمهلة الدؤوب لا يحسن الركض ولا يدين به , فهو لم يصل إلى مكانته إلا خطوة خطوة وفى هينة وأٌناة و إلا بعد طول التوقل والإصعاد . وكانت تزداد مع الأيام أعباؤه . ومتاميه فلا يزداد إلا فرط جلد واحتمال , أو فرط سخرية واستخفاف . وقضى المازني الفترة الاخيرة من حياته على رغم الشيخوخة الزاحفة لا يترقق بنفسه ولا يرحم كبرته فكان أكثر الكتاب الصحفيين إنتاجا . واستكتبته
الصحف على اختلاف ألوانها ونزعاتها فلبى رغباتها وإن لم يترل إلى مستواها , بل كان يلقاها فى منتصف الطريق , ويحاول التوفيق بين طبيعته الفنية وبين الاتجاه الغالب على الصحافة وهو اتجاه القراءة السريعة الخفيفة . ولقد قال فى هذا ان جانب الصحفى طغى على جانب الأديب . فيه . ولا مراء فى أن السرعة كان لها أثرها , أو جنايتها على بعض إنتاجه الأخير . على أنه أصح من ذلك ان يقال إنها جناية الصحافة فى عمومها على الادب فى عمومه . ولم يكن المازني ضحيتها وحده , فقد شملت الجيل بأسره , وأدركت طوائف القراء كما أدركت طائفة الكتاب
يتبع

