أسبابها ، أدوارها ، نتائجها
لقد انقضي عامان وسبعة اشهر ، وإسبانيا تنقلب في مأساة عجيبة ، لا يعرف الانسان لها مثيلا او شبيها شبت فيها ثورة داخلية ، أراد بها فريق من ابناء الامة ان يستأثر بالسلطان ، ويسيطر على الدولة . وليس في هذا كله غرابة ، فقد حدث نظيره في عدة اقطار . ولكن المظهر الجديد الغريب لهذه الثورة الداخلية هو تدخل عدة دول اجنبية بجنودها ، وعدتها ، واساطيلها ، وطائراتها ، تناصر فريقا علي فريق ، وتنفخ في النار المتأججة لكي
تزيدها اشتعالا واضطرابا . وقد كان لهذا التدخل العنيف أثر هائل في إكساب هذا العراك الداخلي صفات من الوحشية ، والهول ، والحدة ، لم يكن ليبلغنها لولا هذا التدخل . والان ، وقد اوشكت الحرب ان تنتهي ، وان للمأساة الأليمة أن يسدل الستار على الجانب الوحشي منها ، فمن الواجب على من يريد فهم هذه الحلقة العجيبة في تاريخ اوربا ، ان ينظر إلي هذا الحادث نظرة شاملة لجميع الأدوار
التي مرت به منذ البداية ، فلقد كانت المأساة طويلة ، وكنا في كل يوم لا ننظر إلا إلي جزء يسير منها ، فاستحال علينا أن نتصورها كاملة الأجزاء . وربما كان من المستحيل علينا ، حتى في الوقت الحاضر ، ان نلم بجميع نواحيها ، وكثير منها لا يزال خفيآ مستورا . ولكنا نستفيد بلاشك من وقوفنا اليوم برهة لنلقي نظرة علي هذه الصفحة من التاريخ المعاصر . ونحن في أشد الحاجة لأن نلم بحقيقة ما يجري في العالم الغربي ، الذي اصبحنا قريبين جدا من أن تمسنا غوائله وشروره .
أسباب الثورة :
كانت الثورة الأسبانية نتيجة للنزاع الداخلي بين احزاب اليمين واحزاب اليسار . والنزاع بينهما قديم ، ولكنا لم نكن نسمع به ، أو نأبه له ، لأن العالم كان لا يعير حوادث إسبانيا إلا القليل من الانتباه ، وكان من المأثور في اقوال الكتاب في فرنسا وانكلتره ان حدود اوربا تنتهي عند جبال البرانس ، فاعتادت فرنسا وانكلتره ألا تكثرنا كثيرا لما يجري في إسبانيا .
أما أحزاب اليمين فتتألف من ثلاثة عناصر قليلة العدد عظيمة الخطر ، وهي التي كانت في معظم الأوقات قابضة على ناصية الحكم .
والطائفة الأولى بين أحزاب اليمين هي رجال الجيش ، ولقد كان الجيش الاسباني ، برغم قلة عدوه وعدوه ، يشتمل على عدد هائل من القواد وكبار الضاط بحالة تزيد كثيرا حتي على جيوش الدول ذات المركز الحربي الخطير مثل فرنسا والمانيا ، كما كانت البحرية تشتمل على ضباط برتبة أميرال اكثر عدوا مما في الأسطول البريطاني نفسه . فكانت الاموال المخصصة لما يسعي " الدفاع " يصرف معظمها مرتبات للقواد والضباط . ونظرا لان الثورة اتخذت في مبدئها صورة ثورة رجال الحرب على السلطة المدنية ، فإننا
لابد أن نقدم هذا العنصر من عناصر الثورة على سواء . الطائفة الثانية ذات الخطر في أحزاب اليمين ، هي طائفة رجال الدين ، ومن الأمور المعروفة التي يكفينا هنا مجرد الإشارة إليها ان الكنيسة في إسبانيا كانت دائما على جانب عظيم من الثروة والغنى ، وكانت أكبر مالك للاراضي الزراعية ، وكانت ذات مشاريع اقتصادية معفاة من الضرائب ، بل وكثيرا ما تتلقي الإعانة من الحكومة إلي درجة جعلت بعض جماعات اليمين من رجال الصناعة والمال بغار من ازدياد نفوذ رجال الدين .
ووجود رجال الدين في جانب احزاب اليمين كان من أهم الأسباب في رضي البابا عن الثورة الإسبانية ، وعطف جماعات الكاثوليك في انكلتره ، وفي بعض جهات فرنسا على الثائرين . وقد كان لهذا كله اثره في نجاح الثوار .
والطائفة الثالثة بين احزاب اليمين هي جماعة كبار المزارعين ، ورجال المال . وفي إسبانيا عدد عظيم من كبار الملاك يقدرون بنحو نصف مليون يمتلكون فيما بينهم ثلاثة أرباع الأراضي الزراعية . ومعظم الملاك لم يكن يقوم بزراعة ارضه بنفسه بل يؤجرها للفلاحين ، وقلما بزور ضيعته ، أو يتصل بمستأجريه . ومن الغريب أن كثيرا من كبار الملاك اجانب ، وبعضهم من الانكليز
وليس من شك في ان هذه الطائفة كانت مهددة بان يقسم جزء كبير من ممتلكاتها بين صغار الفلاحين ، الذين لا يكادون يملكون أرضا . وقد سن قانون في عام ١٩٣٢ يخول الحكومة الحق في توزيع شطر كبير من الأراضي على هذه الصورة . ولكن القانون لم ينفذ لأن أحزاب اليمين تولت الحكم في عام ١٩٣٣ ، وظلت تحكم البلاد إلي أوائل سنة ١٩٣٦
هذه الأحزاب جميعا كانت تميل إلي إعادة النظام الملكى لاسبانيا ، ولكنها كانت تخشى الجهر بهذا الرأي لكيلا تفقد أنصارها في البلاد . ولقد كان لها بلا شك عدد كبير
من الأنصار . ولهذا استطاعت أن تحرز في الانتخابات التي عقدت قبل الثورة ، في أوائل سنة ١٩٣٦ نحو ٠٠٠, ٣,٨٠٠,صوت ، بينها احزاب اليسار نالت ٠٠٠, ٤.٢٠٠ صوت واحزاب الوسط .٠٠٠, ٦٨١ صوت . وكانت أحزاب اليسار تتألف من جماعات الجمهوريين في إسبانيا وقطونه وبلاد الباسك ، ومن عناصر اشتراكية ، ومن عدد قليل جدا من الشيوعيين .
وكانت أحزاب اليمين عازمة كل العزم على الا تدع احزاب اليسار تتولي الحكم مرة اخري وقد أخذت اهمتها للثورة عليها وإسقاطها قبل موعد الانتخابات بزمن كما ستري . ومن البديهي انها كانت من حيث القوة المادية ذات مركز راجح ، لأنها تضم كبار رجال الجيش والدين والمال . أما احزاب اليسار فكانت ظاهرة الفقر من الوجهتين العسكرية والمالية .
وبالرغم من أن الحكومة التي أنشأت في أوائل سنة ١٩٣٦ كان قوامها احزاب الوسط الاحرار والمعتدلين من أحزاب اليسار ، فإن رجال اليمين كانوا موطدين النفس علي الا يتركوا الحكم ينتقل من ايديهم إلي أيدي سواهم . وقد استطاعوا ان يحصلوا على تعضيد هائل من دولتي إيطاليا والمانيا . ومع أن كلا من هاتين الدولتين كان راغبا اشد الرغبة في التدخل في إسبانيا ، فان لاحزاب اليمين الفضل في إيجاد الفرصة ، بل وفي اجتلاب هذا التدخل وإقحامه في المشاكل الداخلية لاسبانيا .
تدخل ايطاليا :
بقدر انشغال الدول الغربية عن شئون إسبانيا ، كانت إيطاليا منذ زمن بعيد حريصة على تقوية نفوذها في هذه الدولة . وفي عام ١٩٢٣ استطاعت الحكومة الإيطالية ان تعقد معاهدة صداقة مع الجنرال ريمودى ريفيرا ، فيها الشئ اليسير من الإضعاف للصداقة " التقليدية ، بين فرنسا
وإسبانيا . ولكن اهتمام إيطاليا باسبانيا اتخذ شكلا جديا في أوائل سنة ١٩٣٤ . ففي شهر مارس من تلك السنة اجتمع رئيس الحكومة الإيطالية بجماعة من قادة أحزاب اليمين بمدينة روما ، وتعهد بأن يعطيهم فورا عددا كبيرآ من البنادق والمدافع والذخيرة ومبلغا من المال لكي يستعينوا بهذا كله على إسقاط النظام الحاضر في إسبانيا والعمل على إعادة النظام الملكي ، وبأن يمنحهم إعانات أخري في المستقبل وقت الحاجة ( ١ ) وهكذا نري إيطاليا على انشغالها بالمسألة الحبشية ، ثم تنس الاستعداد لتوسيع نفوذها في إسبانيا . وقد شبت نار الثورة في إسبانيا بعد فتح إيطالية للحبشة مباشرة ، ولم تمض على الثورة أسابيع حتى كانت الجنود الإيطالية قد دخلت إسبانيا محاربة إلي جانب الثوار واستولت على جزيرة ما يورقه - وهي أكبر جزر البليار واتخذت منها قاعدة لأسطولها ، ولغواصاتها ، ولطائراتها ، وكانت إيطاليا ترجو للثوار فوزا صريحا سريعا ، فلما طالت الحرب لم تتراجع بل أخذت تبعث بضباطها وجنودها ، حتى زاد عددهم في إسبابيا علي مائة ألف جندي .
تدخل المانيا:
أخذت ألمانيا تهتم بشئون إسبانيا في نفس الوقت الذي كانت إيطاليا فيه على اتصال بقادة أحزاب اليمين ؛ ومن الجائز أن التفاهم بين إيطاليا والمانيا لم يتم إلا قبيل الثورة . غير ان المانيا كانت على علم بالنزعات المختلفة التي تحرك السياسة الأسبانية . وفي شرقي إسبانيا يعيش كثير من الألمان . وقد استطاع هؤلاء بإرشاد قناصلهم وزعمائهم أن يكونوا على اتصال بجماعات اليمين ، وان يستعدوا لمعاونتهم حين يثورون على حكومتهم . وقد تم
تدريب كثير منهم للأعمال العسكرية وتطوعوا فعلا في القيلق الأجنبي باسبانيا . فكانوا علي تمام الأهمية لمساعدة الثوار ، على إن المساعدة الكبرى التي قدمتها المانيا للجنرال فرانسكو زعيم الثورة لم تكن بواسطة الجنود الألمان الذين حاربوا معه ، فهؤلاء ، كانوا دائما قليلين . وإنما المساعدة الهائلة التى قدمها الالمان هي العدد العظيم من الطائرات الحديثة ، والعدد الحربية المختلفة والرجال المدربين الفنيين في كل ناحية من نواحي القتال . وقد كانت القنابل التى القها الطائرات الألمانية في الجهة الشمالية هي اشد القنابل فتكا وأكثرها تدميرا ، ويفضلها قد خرب كثير من بلدان الشمال في وقت وجيز جدا ، وقتل سكانها عن اخرهم .
لسنا بحاجة إلي الإفاضة في ذكر الأسباب التي دفعت إيطاليا وألمانيا إلي مساعدة الثائرين . وحسبنا الإشارة إلي الفائدة العظيمة التي تجنيها كل منهما من صداقة إسبانيا ، وتقوية نفوذهما في هذه الدولة الى تتاخم حدورها حدود فرنسا ، والتي تسيطر علي جبل طارق والطريق إلي الشرق .
تدخل روسيا :
طلبت حكومة إسبانيا من عدة دول مساعدتها بالدافع والذخيرة والطائرات ، فلم يجبها إلي طلبها سوى دولتين : روسيا والمكسيك ، وبديهي من مركز هاتين الدولتين سواء من حيث الحالة الداخلية ، أو من حيث الموقع الجغرافى، ان كلا منهما لن تستطيع ان تبذل من المساعدة للحكومة الأسبانية سوى جزء يسير مما تستطيع بذله إيطاليا أو المانيا ، فإن السفن الروسية لابد ان تقطع مسافة تزيد على ألفي ميل لكي تصل إلي سواحل إسبانيا ، وهي في اثناء هذا معرضة لقنابل الطائرات ، ومقذوفات الغواصات . ومع هذا فإن مساعدتها كانت ذات قيمة عظيمة لحكومة إسبانيا ، وعلي الاخص في أول الحرب . وعلى الرغم من كل ما يقال من حب روسيا لان تنصر
الحكومة الأسبانية لنزعتها الاشتراكية ، فإن من الواضح انها لن تجني من هذا ثمرة تعادل جزءا مما تجنيه إيطاليا وألمانيا من مساعدة الثوار . وهذه الظروف مجتمعة جعلت مساعدة روسيا يسيرة جدا إذا قورنت إلي المعاونة الصادقة التي بذلتها إيطاليا وألمانيا .
خوف البلشقية
كانت حكومة إسبانيا وقت الثورة حكومة حرة ، قائمة على أحزاب الوسط والمعتدلين من احزاب اليسار ، ولم تدخلها الأحزاب الاشتراكية إلا بعد قيام الثورة ببضعة أشهر ، وبرغم هذا استطاعت إيطاليا والمانيا بدعاية قوية عنيفة أن نصف الحكومة الأسبانية بأنها شيوعية . وبأن انصارها حمر . وقد لقيت هذه السياسة نجاحا هائلا حتي إن كثيرا من الصحف لم تكن تشير إلي الحكومة الأسبانية وجيوشها إلا بأنها الحكومة الحمراءو الجيوش الحمر . وفي العالم كثير من الناس يرتغدون فرقا لذكر البلشفية . فسهل عليهم تصديق هذه الدعاية ، وراوا في معاونة روسيا دليلا قاطعا على صحة هذه الدعوي ، التي يضطرنا الإنصاف البسيط لأن تقرر أنها لا تقوم على أدنى دليل .
سياسة عدم الدخل :
وقد رأت حكومة انكلتره ان في بلادها جماعة ذات نفوذ شديد تميل نحو الثوار . وقوام هذه الجماعة طوائف الكاثوليك ، الذين يعطفون اشد العطف على فرانكو ، بل وعلى إيطاليا أيضا . ولهذه الجماعة تأثير قوي في السياسة البريطانية ، يفوق عددهم بالنسبة إلي سكان الجزر البريطانية وأمام هذه الصعوبة ابتكرت الحكومة البريطانية سياسة عدم التدخل ، واستمالت فرنسا إليها ، ودعيت كل من إيطاليا وروسيا والمانيا إلي الاشتراك في لجنة دولية ، لتنظيم هذه السياسة التي ترمي إلي ترك إسبانيا للأسبان ،
وعدم معاونة أي فريق من المتحاربين على الفريق الآخر . وقد تألفت اللجنة فعلا ، وانضمت إليها إيطاليا وألمانيا . وكانت سياسة إيطاليا في هذه اللجنة بديعة إلي أقصى حد ، فقد كانت تبذل كل جهد في عرقلة أعمال اللجنة ، وإقامة العقبات أمام كل اقتراح . وإذا تسنى لها - بعد اجتماعات عديدة متفرقة على مدى عدة شهور أن تتخذ قرارا بالإجماع ، فإن المندوب الإيطالي يوافق علي القرار . وتمضي إيطاليا في سياستها كان لم يحدث شئ . ولئن صح لنا ان نصف الحالة في اسبانيا بأنها مأساة فلابد لنا ان نصف سياسة عدم التدخل هذه بأنها مهزلة من الطراز الأول .
ولكنها مهزلة تنطوي على شيء من الاذلال لكل من انكلتره وفرنسا . فلقد كانت السفن البريطانية التي تدنو من سواحل اسبانيا تضرب بقنابل الطائرات ، ومقذوفات الغواصات ، وتغرق البواخر ، وتزهق الارواح ، فلا تحرك الحكومة البريطانية ساكنا ، وربما تحتج احتجاجا ضعيفا لدي حكومة الجنرال فرانكو ، ويرضيها على احتجاجها هذا رد فاتر او اعتذار يأتيها بعد فترة من الزمان . وارضاء لشعور إيطاليا طلبت انكلتره من فرنسا أن تغلق الحدود بينها وبين اسبانيا ، وفعلت فرنسا ما اشارت ،به حليفتها . فعدت إيطاليا هذا حقا مكتسبا ، وأعلنت أنها تغضب أشد الغضب إذا فتحت الحدود مرة اخري .
انتصار الجنرال فرانكو :
لم يكن بد -بعد كل ما تقدم - أن يتم الانتصار لجيوش الثوار ، وليس المدهش أن تهزم الحكومة ، ولكن المدهش حقا أنها استطاعت المقاومة كل هذه المدة الطويلة . ولسنا بحاجة إلي أن نصف مراحل الحرب ، التي بدا انتصار الثوار فيها في الجنوب ثم الشرق ، ثم الشمال ، ثم تعمقوا نحو الغرب حتى وصلوا منذ اقل من عام إلي شاطئ
البحر الأبيض ، وفصلوا بين قطلونة وحكومة بالنسبة ومنذ أيام ثم لهم الاستيلاء على قطلونة إلي جبال البرانس ، فلم يبق في ايدي الحكوميين سوي مساحة من الأرض تمتد ما بين بالنسبة ومدريد . وقد سافر رئيس الجمهورية الإسبانية ومعه بعض الوزراء إلي فرنسا ، ولن يمضي وقت طويل حتى يتم تسليم الحكوميين لجيوش الثوار . وقد اعترفت الدول الغربية بهذا التغيير ، وبعثت بسفرائها ووزرائها إلي الحكومة التي انشأها الجنرال فرانكو ، وقد اصبحت اليوم الحكومة الوحيدة في إسبانيا .
وبعد ، فإن كل إنسان لا شك مغتبط لانهاء، هذه المأساة النجمة ، على أية صورة . ويجوز لنا الآن أن نتسائل عن اثر هذه الحالة الجديدة فى مركز إسبانيا ، وموقفها إزاء المشاكل الأوربية ، وهل يقدر لها بعد اليوم ان تلعب دورا خطيرا في سياسة القارة ، أم تعود فتنطوى على نفسها ، وتشتغل باصلاح ما افسدته تلك الحرب الفروس
ليس من شك في ان إسبانيا ستظل زمنا طويلا في حالة من الضعف لن تسمح لها بأن تقحم نفسها في مشاكل أوربا ولو انها تركت لنفسها وكانت قيادتها في ايد حازمة مخلصة ، لاتهمكت في إقامة ما تهدم من اركانها ، وما تحطم من بنيانها قبل ان تقذف بنفسها في بحر السياسة الأوربية الهوجاء . وقد تقدم كل من انكلترا وفرنسا إليها يعرضان عليها مساعدتيهما في تعمير ما تخرب ، وبناء ما تهدم ، وهما وحدهما من بين دول اوربا - القادر تان على بذل تلك المعونة التي تزيد إسبانيا قوة وعزة واستقلالا .
فهل تنحت اسبانيا الوطنية لهذا الصوت ، أم تميل إلي الصوت الآخر ، الذي كان وراءها دائما منذ نشبت الثورة ؟ ثم ما الذي ينادي به هذا الصوت الآخر ، وإلى اي طريق
يريد ان يسوق اسبانيا ؟ او بعبارة اخري : اي ثمن تقتضيه إبطاليا في مقابل ما بذلته من المعونة في هذه الحرب منذ بدايتها إلي نهايتها ؟
ان ايطاليا لا تزال تسيطر على جزيرتي ما يورقة واليابسة ولها جنود واعوان في بلاد الريف الأسبانية . وقد اعلنت انها لا تبغي من مساعدتها للوطنيين مأربا سياسيا ، ولا توسعا في الأراضي . ومن الجائر أن ثير إيطاليا بهذا الوعد ، وتخلي الأراضي الأسبانية من الجنود . وهي لا تفعل هذا من أجل وعد وعدته أو عهد قطعته ، بل لأنها تريد بهذا ان تجعل من اسبانيا حليفة مخلصة ، تتحرك في سياستها الخارجية طبقا لبرنامج روما ، ورغبات الحكوية الإيطالية . فان نشبت حرب بين إبطاليا وفرنسا ، اضطرت هذه لان ترسل جيشا عظيما إلى الحدود الأسبابية . فإذا عادت الأحوال كما كانت في عام ١٩١٤ فان مركز فرنسا
الحربي يغدو ضعيفا إلي أقصى حدود الضعف . وكذلك يصبح طريق الاسطول البريطاني محفوفا بأخطار وعقبات ليس من السهل اقتحامها . ومن الممكن إطماع اسبانيا بالحصول على مرا كش إذا هي سلكت هذا السبيل . ومن الصعب أن تحكم بصورة فاطعة أي الريحين ستدفع بالسفينة الأسبانية ، اللهم إلا إذا عرفنا نزعات ربانها ، ومديري دفتها ، ومبلغ تعلقهم بصداقة إيطاليا ، واستعدادهم لدفع اي ثمن في سبيل المحافظة على تلك الصداقة . إن شهرة الإسبان بالوطنية وبغض النفوذ الأجنبي امر معروف مشهور . ومن الجائز جدا ان يتغلب هذا العامل على كل اعتبار آخر ، فتكتفي اسبانيا بأن تدفع دينها الكبير لإيطاليا في صورة منافع تجارية واقتصادية ، مبتعدة عن مشاكل اوربا الشائكة التي لا تعنيها من قريب أو بعيد .
