لما وقع الانقلاب الإيطالي في ٢٥ يوليه ، وانهارت دعائم النظام الفاشستي ، وقامت حكومة المارشال بادوليو على انقاض الدكتاتورية الموسولينية ، كان من الواضح أن هذا الانقلاب إنما هو تمهيد لخطوة حاسمة أخرى تتخذها إيطاليا في سبيل الخروج من حرب لم تجن منها سوى المحنة الشاملة ، وان هذه الخطوة لن تلبث أن تتخذ قبل أن تضطر القوات المتحالفة التي كانت يومئذ على وشك الانتهاء من حملة صقلية ، إلي أن تقوم ضد إيطاليا بأعمال حربية أخري . ولكن هذا الظن لم يتحقق بالسرعة التي كان حريا أن يتحقق بها . ذلك أن انكلترا وأمريكا أصرتا على وجوب تسليم إيطاليا بلا قيد ولا شرط ، ولم يكن من السهل على الحكومة الجديدة التي عقد الشعب الإيطالي عليها أمل الخلاص ، أن تذعن لمثل هذا التسليم المؤلم الذي ينطوي بلا ريب على أخطر الاحتمالات بالنسبة لمستقبل إيطاليا . ومن جهة اخري فقد كان ثمة عامل آخر يكاد يشل حكومة بادوليو عن حرية العمل ، هو وجود القوات الألمانية في إيطاليا ، وتحفزها للعمل على إحباط أي تفاهم أو اتفاق بين إيطاليا والحلفاء .
ولكن الحكومة الإيطالية لم تجد أخيرا مندوحة من الإذعان ؛ وبينما كانت القوات البريطانية تنزل في البر الإيطالي في كلابريا ، وتشتبك معها القوات الإيطالية في معارك صورية ، كانت الهدنة في طريق التوقيع . وقد عقدت بالفعل في اليوم الثالث من سبتمبر ، ولكنها لبثت سرا مكتوما ولم تذع حتى الثامن منه ، وذلك لكي تتمكن الحكومة الإيطالية من اتخاذ ما يجب لتنفيذ شروطها الأساسية قبل أن يفطن الألمان إلي الحقيقة فيعملوا علي إحباط مساعيها .
وهكذا سلمت إيطاليا دون قيد ولا شرط ، ووضعت مصايرها بين أيدي أعدائها الظافرين . وكان من أهم
شروط الهدنة تسليم الأسطول الإيطالي والطائرات الإيطالية ، وتسليم الأراضي والجزر الإيطالية كلها لاستخدامها قواعد للأعمال الحربية ، وضمان حرية الحلفاء لاستخدام جميع الموانى والمطارات الإيطالية ، وتسليم أسري الحرب من رجال الأمم المتحدة ، وقد استطاعت الحكومة الإيطالية بالفعل أن تعلن عقد الهدنة للشعب الإيطالي ، وأن تخطره بألا يتعاون مع الألمان بأي صورة ، وأن تصدر الأوامر اللازمة لرجال الأسطول والطيران بأن يسلموا سفنهم وطائراتهم في مواني الحلفاء . ولكن القيادة الألمانية كانت ساهرة تتحفز لأحباط مساعي الخلفاء للاستفادة من الهدنة التي اعتبرتها ألمانيا من جانب إيطاليا خيانة لا مثيل لها ؛ وهكذا بادر الألمان باحتلال رومه ، واحتلال معظم المواني والمطارات الشمالية ، وأخذت قواتهم تتدفق على سهول لومبارديا وضفاف نهر " بو " لتعزز الجيش الألماني المرابط في شمالي إيطاليا . وبادر الخلفاء من جانبهم فنزلوا في منطقة نابولي ، وتارانتو ، وبرتديزي ، وباري ، وغيرها من النقط والثغور الجنوبية ، وبينما يحاول الألمان إقامة حكومة فاشستية جديدة في الشمال تحت رياسة موسولينى ، إذا بالملك فكتور أمانويل والمارشال بادوليو يحاولان إقامة حكومة في الجنوب تحت رعاية الحلفاء ؟ وهكذا تنقسم إيطاليا إلي معسكرين : أحدهما يشمل الشمال والوسط ويسيطر عليه الألمان ؟ والثاني يشمل الجنوب ويجري فيه النضال والسباق بين الحلفاء والألمان .
تلك هي المأساة التي انتهت إليها المغامرة الفاشستية ، وهي مأساة لا مثيل لها في التاريخ الإيطالي ؛ فقد دخلت إيطاليا الحرب الحاضرة في العاشر من يونيه سنة ١٩٤٠ , وهي دولة قوية ذات جيش ضخم مجهز بأحدث الأسلحة ، وأساطيل جوية وبحرية زاخرة ، وإمبراطورية استعمارية ضخمة ، وهي تخرج اليوم منها ، وقد مزقت جيوشها شر ممزق ، وفقدت أسطولها كما فقدت إمبراطوريتها
الاستعمارية كلها ، وغدا الوطن الإيطالي ذاته مسرحا لمعارك مخربة تنذر إيطاليا بمحن وويلات أخرى . وكانت إيطاليا قبيل نشوب الحرب تحتل مكانة بارزة في الميدان الدولي ، وفي مقدورها أن تؤدي دور الحكم في شئون الحرب والسلم ، وهي تخرج اليوم من الحرب دامية خائرة القوي ، جاثية أمام أعدائها ، ملعونة من حلفائها القدماء ؛ ولو لم ترتكب الدكتاتورية الفاشستية خطأها الفادح بدخول الحرب ، وطعن فرنسا الجريح من الخلف ، ولو بقيت إيطاليا على حيدتها لاتخذت حوادث الحرب الأوربية كلها وجهة أخرى ، ولكان لإيطاليا اليوم في الميدان الدولي أعظم شأن . وقد كان من سخرية القدر أن تفى إيطاليا في هذه الحرب لأول مرة بعهود التحالف ، فتحارب إلي جانب حليفتها ، ذلك لأنها اعتقدت أنها تقف مع الجانب الأقوي ؛ أما في الحرب الكبرى فقد آثرت أن تنكث بعهدها ، وأن تغادر شريكتيها فى التحالف الثلاثي ، أعني ألمانيا والنمسا ، لتحارب إلي جانب الحلفاء ، وذلك بعد أن ارتضت المزايا الموعودة ثمنا لنكثها ؛ بيد أنها كانت في الحرب الكبرى تقف إلي جانب حلفائها الطبيعيين الذين كان لهم أكبر فضل في تحريرها وإنهاضها من عثراتها . وقد كانت سياسة إيطاليا الخارجية تقوم دائما على التقلب وانتهاز الفرص ، وكان من نكد طالع إيطاليا أن دفعتها الدكتاتورية الفاشستية إلى أحضان ألمانيا الهتلرية ، تجذبها نفس الأطماع الإمبراطورية الضخمة التي تجيش بها حليفتها .
والآن لنر ماذا يمكن أن تؤدي إليه هذه التطورات الجديدة في سير الحرب ؛ وأول ما يلفت النظر هو ان إيطاليا ستغدو مسرحا لمعارك طاحنة بين القوي المتسابقة إلي احتلالها ، وبذلك تصبح ميدانا اساسيا ثانيا للحرب بين ألمانيا والحلفاء . وقد ذكر هتلر في خطابه الأخير أن تسليم إيطاليا لا يؤثر كثيرا في مركز المانيا من الوجهة الحربية ، ولكن الذي لا ريب فيه هو أن الحلفاء حصلوا بهذا التسليم على مزايا عسكرية لا يستهان بها ؛ وأول هذه المزايا توطد
سيادة الحلفاء في البحر الأبيض المتوسط بعد تسليم الأسطول الإيطالي ، وهو ما يسهل لهم غزو الجزر الإيطالية ، ولا سيما كورسيكا التى تعتبر قاعدة أمامية تهدد قلعة ألمانيا الأوربية من الجنوب ، كما أنه يسهل لهم مهاجمة البلفان من ناحية بوغاز تارانت ) أتوانتو ( ؛ وثانيا يستطيع الحلفاء ، بعد تقدمهم إلي أواسط إيطاليا واستيلائهم على قواعدها الجوية ، أن يقوموا بضرب ألمانيا الجنوبية ) النمسا ( من الجو بصورة فعالة منتجة ؛ وثالثا يبدو من إصرار الألمان على احتلال شمالي إيطاليا حتى رومه أنهم يزمعون مقاومة الحلفاء مقاومة شديدة ، وأنهم يستعدون في الشمال لمعارك كبيرة فاصلة بعد أن يعيقوا تقدم الحلفاء إلي أقصي حد ممكن . وظاهر من وقفة الألمان شمالي نهر يو ، واستيلائهم على شبه جزيرة استريا ، وعلى القواعد والمدن الشمالية من تريست حتى ميلان ، أنهم يريدون الدفاع عن الأراضي النمسوية القديمة ، ولا سيما منطقة البترول الجنوبية التي ضمت إلي إيطاليا عقب الحرب الكبرى ، وأنهم يعتبرونها الآن قطعة من الوطن الألماني ؛ وهذا الدفاع عن منطقة يعتبرها الألمان حيوية لهم سوف يضطرهم إلى تحويل جانب كبير من قواتهم البرية والجوية إلى هذا الميدان الجديد ؛ هذا إلي ما يقتضيه الدفاع عن البلقان من الاستعدادات والقوي الجديدة ، وهذا مما يؤثر بلا ريب على موقف الألمان في الميدان الروسى .
ويواجه الألمان اليوم في روسيا موقفا حرجا ، وما زال الزحف الروسي المظفر نحو الشرق يسير بسرعة ، ويسترد الروس مدنهم القديمة تباعا ، وقد ذكر لنا هتلر في خطابه " أن الضرورة الحربية قد تقضي علي الجيوش الألمانية بالتقهقر في هذا الميدان أو ذاك ، أو تجنب العمل في ميادين خاصة ، ولكن هذا التراجع لن يحطم النطاق الحديدي الذي أنشأه الألمان حول وطنهم " . وقد يكون معنى ذلك أننا سوف نشهد في القريب العاجل حركة انسحاب كبيرة يقوم بها الألمان في روسيا ، أو في البلقان . وأغلب الظن أن القيادة الألمانية ستعمد إلي تقصير خطوطها في روسيا ؛
وقد ينسحب الألمان من أوكرانيا كلها ومن المناطق الشمالية حتى لتوانيا ، ويقيمون خطا دفاعيا قويا فيما بين خليج ريغا والبحر الأسود مارا بروسيا البيضاء ) شرقي يولونيا ( ومستندا إلي جبال الكريات ، وتقصير خطوطهم الدفاعية على هذا النحو يمكنهم من مدافعة الروس بقوة ، ويسمح لهم في نفس الوقت بتحويل جانب كبير من قواتهم إلى الميادين الأخرى لمقاتلة الحلفاء
على أنه مهما كانت الخطط الجديدة التي ستتخذها ألمانيا لمواجهة الحالة العسكرية الجديدة ، فلا ريب انها تواجهها في ظروف عصيبة ؛ فالروس يشددون الضغط على الألمان في سائر الميادين ، وتخوض القوات الألمانية في جنوبى إيطاليا معارك شديدة مع القوات البريطانية والأمريكية ، وقد يغزو الحلفاء شواطئ البلقان من الجنوب أو الغرب ويضطر الألمان إلي أن يخوضوا هنالك معارك جديدة ،
وهكذا توزع جيوش " الريخ " توزيعا يصدع من قوتها ومقدرتها الدفاعية ، وهذا ما كانت تتجنبه القيادة الألمانية جهد استطاعتها ؛ أضف إلي ذلك ما ينتظر أن تلاقيه القيادة الألمانية في جميع البلاد المحتلة من صنوف المقاومة والمتاعب . وهكذا تواجه المانيا في بدء العام الخامس من الحرب ظروفا عصبية لم يسبق أن واجهتها ؛ فليس غريبا إذا أن نسمع هتلر يشير في خطابه إلى ما ينتظر من تراجع الجيوش الألمانية ، وإلى النطاق الحديدي الذي انشأه الألمان حول وطنهم ؛ وفي هذه الإشارة التي نسمع مثلها من زعيم " الريخ " لأول مرة ما يؤذن بأن مشاريع الغزو الألمانية التي حققتها ألمانيا بأفدح ثمن من دماء بنيها ومواردها ، قد يضحي بها استعدادا للمرحلة الدفاعية الأخيرة من الحرب ، وهو الدفاع عن الوطن الألمانى " .
