فرانز كافكا أديب معترف به في الدوائر العالمية ، وإن كان مجهول الاسم في اللغة العربية وعند القراء المصريين . ولا يهمني هاهنا أن أعرف الناس به بقدر ما يهمني أن أبدأ هذا المقال بعبارة من قصة كتبها بالألمانية وعنوانها القلعة . فقد بدأت أقرأ هذه القصة مع مجموعة أخرى من القصص التي أبغي من ورائها قضاء الوقت ، ولا أريد بها الاستفادة أو التثقيف الشخصي . ولكن الرجل - أي فرانز كافكا - ليس من هؤلاء الذين تقرأهم وتلتهي منهم بسهولة . أعني أنه ليس بالكاتب الذي تخلص من قراءته دون أن يثير عقلك ويشغل بالك . وحاولت أكثر من مرة أن امضي في قراءته كما اعتدت أن أقرأ القصص في سهولة عابرة وفي استرسال منطلق . ولكنني وجدت نفسي مضطراً في جملة من المواقف إلى التأنى والتأمل والتفكير . وكان يتكرر ذلك عند العبارات التي تقال في مناسبة شبيهة بما يحيط بى والتي تصطدم بفكرة سابقة لدي وتوافق خطرة قديمة في ذهني .
ولا يعنيني أن يعرف القراء موضوع هذه القصة أو أن يعرفوا شيئا عن هذا الكاتب الممتاز كما قدمت ، وإنما يهمني أن ألفت نظر القارئ إلى عبارة وردت في القصة لتصوير شخصية من الشخصيات . فقد جاء على لسان إحدي سيدات الرواية بصدد الكلام عن واحد من أصحاب النفوذ والسلطان الذين سبق لها معاشرتهم : " . . لماذا سوف يشغل نفسه بأمرى ، أو بتعبير أصح ، كيف يمكنه بأي حال أن يشغل نفسه بأمري ؟ . . إنه لم يعرف شيئا عني منذ ذلك الوقت . وعندما انتهى من استخدامي ، كان ذلك دليلا على أنه قد نسيني . فعندما يكف عن استخدام الناس لا يذكرهم بالمرة . وليس ذلك نسياناً فحسب ، وإنما هو أكثر من ذلك . إذ من الممكن بالنسبة لأي إنسان أن يمر بخاطره من
لم يعد يذكره ، وهذا طبيعي . أما هو فمن المستحيل أن يحدث هذا . فأي إنسان يكف عن استخدامه ينساه تماما ، ليس فيما يتعلق بالماضى فقط ، وإنما بالنسبة إلى المستقبل أيضا . . " .
وإني لأتساءل بعد قراءة هذه العبارة : هل يمكن أن يوجد مثل هذا الإنسان ؟ أو بعبارة أخرى : هل يستطيع إنسان من بني آدم أن يتخلى عن الأشياء التي صادفته في ماضيه بهذه السهولة ، خصوصاً إذا كان هذا الشئ حبيبة غالية أو امرأة أثيرة ؟ من الطبيعي جدا أن ينسى الإنسان واحدا أو اثنين ممن التقي بهم أو كانوا في خدمته ، ولكن هل يستطيع أن ينساهم جميعا بغير استثناء وأن يتنكر لهم عن آخرهم ؟ وحتي مع افتراض النسيان ، هل لن يكون للحادث المنسئ تأثير ؟ هذه هي المشكلة التى نريد أن نتحدث عنها في هذا المقال .
وهي مشكلة من بنات الساعة إذا عرفنا مقدار ما يعانيه الشباب وتعانيه الإنسانية برمتها بسبب التربية المنزلية والتربية القومية والتربية الشعورية والأصل الجنسى . فلحياة الإنسان مصدران تتأثر بهما وتتشكل حسبهما ؛ أو قل إن حياة الإنسان ترجع في تصورها وفي طبيعتها إلى أمرين : تربية الطفولة وأصالة الجنس . ولا يزال هذان العاملان من أقوى العوامل التى تؤثر في كيان الفردية المتوحدة والجماعات المؤتلفة . وإذا كانت المسألة كذلك ، وإذا صدق ما يقرره علماء النفس وعلماء الاجتماع من وجهة النظر هذه ، وجدنا أنفسنا مضطرين إلى بحث مشكلة " الماضي " بحثاً مبنياً على أساس ما نراه من الاختلاف الحاصل في الشعوب والأفراد . ذلك لأن ماضي الإنسان الواحد عبارة عن نشأته الأولى ومقدار العراقة في الأصل مع جملة من المشاهدات الشخصية والعادات المتكونة والتجارب المكتسبة .
ولا أريد أن امضي في النظر إلى هذا الموضوع قبل أن أقرر شيئين هامين : أولا أريد أن أقول عن الماضي إنه يتوقف على نظرتنا الخاصة إلى عامل الزمن . فيستحيل أن تكون لنفسك فكرة عن الماضي بغير أن تقرر رأيك أولا في الزمن بوصفه عنصراً من العناصر التي تبني عليها فكرتك عن التاريخ والوجود . فالماضى جزء من الزمن وأصل لتقرير الوقائع التاريخية وشكل من أشكال الوجود . وأريد ثانياً أن أنبه إلى وجوب البحث في مشكلة " الماضي " مع اعتبار المرض النفسي ومع حساب الجانب المرضى في الشخصية
لأن كثيرا من الأمراض النفسية والعقلية تصيب الذاكرة وتعوقها عن العمل والحركة مما يحول دون خضوع الشخصية لمؤثرات الماضي واتساق الأفعال بناء على قانون العلة والمعلول . ولتوضيح فاعلية هذين الأمرين في قياس الماضي واعتباره نقول بشأن المرض النفسى إنه من المستحيل أن يعترف الإنسان بعدم أهمية الأحداث الواقعة في الماضي إلا إذا أصيب بالنسيان واضطربت ذاكرته التي يعول عليها في حساب الزمن .
وقد يكون التذكر الشديد أيضا ذا تأثير سيئ على شخصية المريض . فلا بد للإنسان من أن ينسى كثيراً من الأشياء بطريقة عادية ولا تبقى أحداث الماضي متيقظة متحفزة داخل منطقة الشعور . وفي كل من حالتي النسيان الظاهر والتذكر الشديد يختل توازن الشخصية ويصير الماضي عاملا من عوامل الفساد في حياة الإنسان . فالماضى سبب من أسباب القلق والتعب في معيشة الفرد العادي عندما يكون منسياً وعندما يكون مذكوراً أيضا . وتستطيع في الحياة العادية أن تنس مقدار التفكك الذي يعانيه صاحب الذلكرة الضعيفه ومقدار
الوجع والضيق الذي يعانيه صاحب الذاكرة القوية . فكم من الناس يتألمون ويصيبهم المرض النفسي وتختل حياتهم الاجتماعية ويفقدون مقدرتهم على التكيف مع البيئة التي يعيشون فيها من جراء نسيانهم الماضي . وكم من الناس يأتون الجريمة ويرتكبون الأعمال الشنيعة ويسكرون ويقامرون حباً في نسيان الماضي ورغبة منهم في عدم تذكر أحداث
معينة من تاريخهم السابق . وتمر علي أنا شخصيا فترات أذكر فيها شيئا مؤلما بالنسبة إلى فأودلو أكسر آنية زجاجية أو أضرب الحائط بقبضة يدي أو آتي بجملة من الحركات الجسمية العنيفة . وفي فترات أخرى تكثر الانتقالات والحوادث في حياتي بحيث اشغل عن الماضي وأحس بأنني كالغريب بين الناس وفي الأماكن التي أتردد عليها . وكلما اشتدت مثل هذه الحالة في حياة الإنسان وقلت روابطه بالماضي وضعفت علاقاته بأيامه السابقة كان ميله إلى الانتحار وقابليته للتأثر بفكرة التخلص من العيش أكثر ظهوراً .
والشخصية التي تحدثت عنها السيدة في رواية القلعة لفرانز كافكا Frunz kalka هي شخصية مريضة إذا صح ماقيل عنها ؛ أو هي شخصية غير مريضة ، ولكنها تريد أن تبتر حبانها وأن تعيش بأسلوب مفتعل . وهي تدفع ثمن حياتها المبتسرة المقطعة في كل لحظة من لحظات تاريخها الطويل . والتردد من أهم صفات الشخصية التي لا يهديها تطور الأحداث وتسلسل الوقائع في ماضها القريب أو البعيد .
أما الشخصية التي تعي ماضيها وعياً جيداً طبيعياً فإنها تتأثر في كل خطوة وفي كل عمل بهذا الماضي ، وتسير في حياتها تبعاً لخطة مرسومة في الأيام الفائتة . ونستطيع أن نتنبأ بحياة إنسان وبأفعاله التى ستجري مستقبلا إذا عرفنا ماضيه . ولا ينطبق هذا على الأفراد وحدهم ، وإنما هي قاعدة تشمل الجماعات كما تشمل الأفراد . وحسبك أن تنظر في تاريخ اليهود كأمة محافظة على عنصرها الجنسي حتى تدرك معنى الأفعال التى يقوم بها الإنسان . لقد صادفت هذه الأمة ( ولا أقول الدولة ) في تاريخها الطويل أنواعا من الاضطهاد والاحتقار الذي عقد في نفسيتها مركبات النقص المختلفة
وهذا هو السبب في غرورهم وعجبهم واعتقادهم بأنهم شعب الله المختار . كما يعوضوا الإحساس بالنقص الذي ينجم في نفوسهم عن الاضطهاد المستمر ؛ ثم امتاز اليهود - بالإضافة إلى هذا - بأندفاع شديد نحو المال من أجل تحصيله في الميدان العملي واستعباد النفوس عن طريقه والإكثار منه
حتي يقوي إيمانهم بأشخاصهم ويحوج الناس إليهم . وتعد الجريمة أقرب الأشياء إلى نفسية الأمة التي هي من هذا القبيل . وليست كراهية الناس لهذه الطائفة بالشئ الغريب إذا عرفنا مقدار تغلغل المرض وتمكن الاعوجاج من نفسيتها . ومن هذه الناحية ندرك خطورة الأصل الجنس والتربية بأنواعها المختلفة ؛ ويصعب أن يشذ فرد من أفراد الشعوب على الطبائع المتجلية في شخصية أمته تبعاً لما ينتج عن ذلك من القلق والاضطراب ، وغالبا مايميل الناس إلى الاستفادة من الراحة والهدوء اللذين ينشآن عن العادة والآلفة ؛ ويندر أن نجد من بينهم من يؤثر الحياة المبتورة الشاذة التي يهددها خطر الغربة والوحشة والعمل البدائي الذي لا يستند إلي تاريخ أو تجربة أو مران .
هذا هو تقدير الماضي في حساب المرض النفسي ؟ أما من ناحية القياس الزمني فبقدر ما سوف نكون بعيدين عن هذا التيار ، سنكون قريبين منه . لأن الذاكرة التي هي أصل المرض النفسي ومصدر التلف في تقدير الماضي ، هي نفسها الأصل في اعتبار الزمن ومصدر فكرته وإحساس الأفراد به . وحتى مع النظرة إلى الزمن باعتباره نوعاً من القياس الآلي للأحداث المتتالية في نطاق الوجود ، وللدورات التي تستغرقها حركة الأجسام ، سنكون ملزمين بأن نعترف بالماضى في بوتقة الشعور . لأن النظرة التى تقدر الزمن آليا فحسب ، تتقيد بالحركة الحاضرة المستمرة أكثر مما تتقيد بالخطوات السالفة . وإذا أردت أن تعرف الزمن بالنسبة إلى الكرة الأرضية الآن ، أو بالنسبة إلى نقطة على الكرة الأرضية بتعبير أدق ، فعليك أن ترسم خريطة لكواكب المجموعة الشمسية كما هي في وضعها الحالي
ويمكن القول تبعا لذلك بأن اللحظة الماضية غير موجودة ، أو بأنها ضرب من العدم ، ولولا الذاكرة الإنسانية لظلت اللحظة الماضية على هذا النحو . ومن هنا نقول بأن الذاكرة هي الأصل في تقدير الماضي . وتحكم بالتالي على الماضي بأنه متوقف في وجوده على وجود الذات المزودة بالذاكرة ، وبأنه لا يكون ما لم يكن الشعور الإنسانى .
والحق أنه مهما كان نوع تصورنا للزمن ، ومهما كانت فكرتنا بشأنه ، فلن يكون ذلك حائلا دون الشعور بثقل الماضي وضغطه على أفعالنا وتصرفاتنا إبان معاشنا المعتاد . ومن هنا جاء إحساسنا بأن الماضي لا يزال موجوداً ، أو بأن هناك حضوراً للماضي كما قال باسيرز " Isspers . وعلى الرغم من أنك تستطيع أن تقول عن الأمس إنه غير موجود إطلاقا ، وإنه عدم محض ، لا يمكنك أن تفلت من القيود العملية التي خلقتها لنفسك بنفسك خلال أيامك الفائتة . ولذلك يحس الإنسان بخطورة الحاضر الذي يكون مسرحاً في العادة لأفعاله المختلفة ، ويتوقع دائما أن يكون مسئولا عن الأعمال التي يأتيها في الأوقات الحالية . وتبعاً للشعور بأن المستقبل متوقف على كل ما تقدمه لنفسك في اللحظات المتتالية علي هيئة حاضر ، تنشأ القيم لدي الإنسان وتتجدد اعتباراته للأمور وتتوثق الروابط فيما بينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه . وحينما تعلم أنك تأتي فعلا من الأفعال مرة واحدة وإلى الأبد ، وانك لن تملك تغييره أو تبديله بعد أن يصير ماضياً ، ستحاول بقدر مستطاعك ألا تقوم به ارتجالاً ، وألا تكون له ذبول تضرك فيما سوف يتلو من الأعوام .
فالإنسان قد تعود لذلك كله أن يخشي الماضي ، وان يعمل له حساباً في نفسه ، وأن يضطرب عند إتيان فعل من الأفعال التى تضاف إلي تاريخ وجوده . بل يمكن القول بأن الحقيقة التاريخية الوحيدة المؤثرة في نظام الوجود هي هذا الماضي الذي تتحدث عنه ، لأن التاريخ نفسه لا يعني شيئا غير حكاية الماضي ، ولأن ممكنات الحياة التي تتفتح عندما يتحقق المستقبل ليست شيئا آخر سوي النتائج المترتبة على أحداث وقعت . ولم يكن بد من أن يخضع الإنسان لهذا الماضي خضوعه للحقائق المائلة والموجودات القائمة . وأكثر من ذلك أننا نخشاه ونرهبه ، ونحبه ونجله ، وتدارية وتحابية ، كما لو كنا بإزاء كائن من الكائنات القوية الفتية ، وحينما بدأ الإنسان تطلعه إلى شأن من الشئون ، وعندما يكون
بإزاء عمل من الأعمال ، نراه يضطر إلى أن يجعل من الماضي أساساً لفكرته ، وأن يتخذ منه أرضية لحياته . فماضي كل إنسان بمثابة الرقعة التى تلعب عليها الشطرنج والطاولة التي تتركب فيها المفاتيح السلكية أمام عاملة التليفون . وكل الفارق هو أنه ليس خاضعاً لنا خضوع رقعة الشطرنج ومفاتيح التليفون .
وأدل شئ على سطوة الماضي بالنسبة لأفعالنا هو ما نراه في الناس من تأثر فسيولوجي بعامل السن . فالشيخ الهرم ، والمصاب بأمراض الكبر لا يعاني من أعضاء بدنه إلا بفضل ما مر عليها من الوقت . وتستطيع أن تفيس على هذا النمط أدواء كثيرة مما تصيب الإنسان . ولكن الماضي بهذه الصورة لا يكون سببا من أسباب الشكوى وحدها ،
وربما يكون من دواعي العزة والفخار ، ومن مبررات العظمة والأنفة . وبقليل من التأمل في مناصب القوم ومراكزهم في المجتمع يمكنك أن تدرك فائدة الماضي حين يزيد ، وان تفهم قيمة الأيام عندما تمر . فهي لا شك مستبقة على صاحبها غير قليل من الرونق والأبهة ، ومجلبة له الكسب والمنفعة ، تبعاً لما يكون في القدم عادة من دليل على المران والخبرة والتجربة . وليس بالبعيد عن أنظارنا ما نراه عند أصحاب المحال التجارية والشركات والبنوك من محاولة الإعلان عن طول عهدهم في مزاولة االمهنة التي يختصون بها والمضمار الذي ينزلون إليه . ولا يخفى علينا جميعاً أنه من دواعي الثقة بإنسان ما أن يكون قد فضى فترة أطول من الآخرين في معالجة الموضوع الذي يوقف نفسه عليه . والأمثلة على ذلك كثيرة ومفهومة ولا تحتاج إلى زيادة البيان .
فمن هذه الناحية يكون الماضي شبيهاً بالأخطبوط الذي أحكم نسج أطرافه حول رقابنا وشد حباله على أجسامنا ووضع يده على كل القوي التي فينا ؛ انفاسنا بأمره وسعدنا بفضله وخبيتنا بمقتضاه . أنظر حولك في أي جانب من جوانب الحياة لتري مصداق هذا القول . إذا هبت في النقد مدرسة جديدة قيل أدعياء وإذا ظهرت في الفن شيعة
مبدعة نسبت إليها الفتنة والزيف . وإذا تجرأ الفتى الناشئ . على الأصول التقليدية سمي فضولياً متهوراً . والحق أنه ليس واحداً منا هو الذي ينطق بهذه الأحكام ويصطنعها اصطناعاً ، بل بفعل الماضي نفسه ذلك كله بفضل ما يوحيه إلي أبناء الجيل القديم .
ويقدر ما يثور الإنسان في وجه أثفال الماضي وتقاليد الزمن الفائت وميراث الأجيال المنقضية ، ننسب إليه البطولة وتعترف له بالقوة الشخصية . ولكن هذا كله لا يأتي اعتباطاً ، ولا يحصل بغير متاعب ، ولا تقدمه له إلا ونحن أذلاء مناقفون . ونظل وقتا طويلا في مكابرة وسخرية من الحديث المستحدث ، حتى نبدأ في الإحساس بأن هذا الذي آمنا به واطمأننا إليه لم يكن شيئا موضوعا مبرأ من الشبهة والشك ، وانه ليس بالكفر أن نستبدل به سواه
لان اللذين وضعوه في الماضي لم يكونوا يستوحون ربهم عندما وضعوه ، ولأن الجديد الذي نأتي به لن يخلو من المرور بتجربة السالفين . وقد يكون الكثيرون منا مؤمنين بثقل الماضى وطغيانه وسيطرته ، ومع ذلك لا تتحرك أياديهم من أجل تبديله أو هدمه . فللماضى جلاله وللقديم قدسيته . ولا ينشأ هذا الجلال وتلك القدسية إلا من عدم حضورنا في ذلك الزمن عملية إيجاد الأصول والأوضاع القديمة ، شأنك في ذلك شأن القهوة التى تصنعها يبدك والقهوة التى يعدها لك سواك بعيداً عن ناظرك . فإنك لتحترم قهوة الآخرين أكثر من احترامك للقهوة التى هي من عمل يدك . وأفسد شئ لشعور الإنسان بالنسبة إلى أكلة بالذات هو أن يحضر عملية طبخها . كأنما هي من طبيعة الإنسان أن يأخذ الأشياء بالسماع .
وبظل الماضي في تحكمه على ذلك النحو حتى تظهر شخصية ثأئرة جريئة تنبه لحاجة التاريخ إلى أن يحيد عما هو عليه وإلى أن يسير في غير مجراه . ولا يسلم له الناس إلا بعد أن يقوم بدوره كاملاً ؛ فعندئذ يعرفون له ملكاته ومواهبه
( البقية على صفحة ١٤ )
الماضى
( بقية المنشور على صفحة ١٠ )
ويقدرون فيه أعماله وعظمته ، ومن يدرك خطورة الماضي في تأثيره وضغطه ، يمكنه أن يتبين مزايا الشخصيات الخارجة على الأصول المرعية والتقاليد الثابتة مهما أوتيت من قوة ومكانة ومأساه .
وقد يرجع حينا الماضي واعتزازنا به إلي الألفة ، وقد تكون العادة سبباً فيه ، ولكن الذي لا شك فيه هو أننا نحسن إلى ما فات ، وان هذا الحنين أصل هذه المحبة وكثيراً ما يكون الماضي سبباً من أسباب فخرنا وغرورنا واعتزازنا . فبعض الساعات التي تمر بالإنسان لا يكون لها مثيل في حياته برمتها ، أو قد تكون الأوقات الحاضرة غير مناسبة لإتيان الأفعال القديمة ، فيجد الإنسان في ماضيه مسرحاً لرغبته المكبوتة .
ثم من ذا الذي ينكر مجال الأحلام الزاهية في الماضي الجميل ، ومن ذا الذي يجهل سرخة الخيال في الأيام الضائعة . هنالك في بحر الأماني المفقودة نشب في صدر الإنسان بهجة يخالطها الأنين ، وفرحة يمازحها الأسى ، ونور يكشفه الظلام . . هنالك في مجال التمنى والرجاء تثور لواعج الحسرة
على مافات ، وتتجدد مطالب العيش السعيد وتفتضح نهايات الأمور . كم من الناس لا يذكر ساعات النشوة في حب الصبي ولا يعود بخاطره إلى الزمن السالف كي يجتر خيالات وأوهاماً تعوض بؤسه في الحاضر التعيس .
يكفينا من الماضي أنه لوحة قد ارتسمت عليها خطوط آمال دفينة ، وانطبعت عليها ذكري مناعم مطمورة . . تقول كنت وكنت وفي نفسك أن تقول أكون وأكون . . ولكنك مهما قدرت على أن ترتاد ماضيك هكذا على صورة ذكريات مخزونة ؛ فمن المحال أن تعيد تاريخك على هيئة وقائع مشهودة . فالواقعة من حيث هي واقعة قد ولت ، ولم يعد في إمكانك أن تعيدها أثناء خطوك تحت أقواس الزمان وعبر ويلياته. أما من حيث هي تذكار وفكرة ، فليس أيسر من أن تمد أياديك إلى سجل الوقائع المشحونة في نطاق الحس الخفي والوعي الغائب ، حتى تقف عليها وتستعير منها وتتأهب لما يجد على نمطها . أما إذا لم يكن أمامك جديد تقضيه ومستحدث تهم به ، فليس لك إلا أن تهتف ، وأنت تقفز إلى أعماق قبرك ، بانه لا سبيل إلى استعادة ما عشته من الأيام ، ولا أمل في اجتياز عمرك من جديد .

