الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 191الرجوع إلى "الرسالة"

المتبنى مع طه حسين

Share

إن الذين يطالعون الكتاب الذى بين أيدينا على أنه كتاب لطه  حسين فى المتنبى سيخطئون القصد ويفوتون على أنفسهم اللذة الحقيقية  والمتعة العظيمة التى يستطيعون أن ينالوها من مطالعة هذا الكتاب على  الوجه الصحيح: أى على أنه كتاب أدبي أو قصة أدبية شائقة لها بطلان  المتنبى وطه حسين معاً. فليس الكتاب بحثاً تاريخياً جافا، أو نقداً  موضوعياً، بل قصة ممتعة تشترك فيها شخصية المؤلف الأديب  وشخصية المتنبى المدهشة. . . ولهذا يجمل بنا أن ندعو الكتاب طه حسين  مع المتنبى، أو المتنبى مع طه حسين؛ كما ينادون فى بعض المطاعم على  الأصناف اللذيذة بأن يقولوا فراخ مع الأرز، أو كوارع مع الفتة. . . فالكتاب الذى نحن فى حديثه الآن اسمه الصحيح إذن هو المتنبى مع طه حسين. . . .

والمتنبى مع طه حسين مظلوم!. . فقد كان طه حسين معرضاً عنه  إعراضاً تاماً؛ وظل معرضاً عنه زمناً كدنا إلا نعرف له آخر. .  وقد قرر طه حسين أن يعرض عن المتنبي كل هذا الأعراض، منذ أن  كان يطلب العلم فى الأزهر الشريف. ثم لم يزل معرضاً عنه ممعنا  فى الإعراض. لا يستمع لصوته القوي، ولا يستجيب لندائه العذب.  وهو يستعين على هذا الإعراض بضروب من الوسائل؛ فجعل يضع  القطن الغليظ فى أذنيه، ويقيم الحجب والجدران بينه وبينه، ويقول  له: ابعد عنى! لا أريد أن أصغي إليك. . .

وهكذا ظل المتنبي يهيب بالأديب الكبير، والأديب الكبير ليس  له - كما تقول العامة - سوى أذن من طين وإذن من عجين ولكن لم كل هذا الإعراض، أو التجنى، أو التمتع؟

سيقول لك خلطاؤه الذين لا ينظرون إلا إلى ظاهر الأمور  إن إعراض طه حسين يرجع إلى الخصومات التى تنشأ بين الطلبة،  وتذهب بهم فى التشيع الأدبى مذاهب مدهشة، فكان يكفى أن ينادى  زيد بأن الطائى شاعر كبير، لكى يخاصمه فى ذلك عمرو وبكر وخالد؛  وكان يكفى أن يشتد إعجاب بكر بشعر المتنبى ويسرف فى مدحه، حتى  يتألف عليه الآخرون، ويقاطعوا المتنبى المسكين من غير جريرة ولا ذنب

أقول إن هذا ما يزعمه الزاعمون. وقد يكون هذا ما يزعم طه  حسين نفسه إذا سألته عن سبب إعراضه الطويل. ولكن الحقيقة أعمق  وأبعد غوراً من هذا كله: وقد خفيت حتى على المؤلف نفسه. ذلك  أن طه حسين كان يحس - إحساساً مبعثه الإلهام الذى لا حول له فيه  ولا قوة - أن شعر المتنبى متعة هائلة أولى به أن يدخرها، وأن  يؤجل التمتع بها كما يترك المرء أطيب الثمار إلى آخر الوجبة، بادئاً  بالفج الثقيل منها. قال لى بعض الناس مرة: هل رأيت إيقوسيا؟  قلت: لا! قال فإنى أحسدك على هذا اشد الحسد. إنى لأعطى كل  ما عندى لكى أرى إيقوسيا للمرة الأولى!

ومن هذا الجامد البخيل الذى لا يعطى كل ما عنده لكى يدرس  شعر المتنبى للمرة الأولى؟

ذلك هو السبب الحقيقي لهذا الإعراض الطويل؛ وكان لابد  لصاحبه إذا سأله لماذا لا تعنى بدراسة المتنبى أن يجيبك بأعذار  ينتحلها انتحالا، وإذا هو يصطنع خصومة بينه وبينه، وقد ينتهى به  الأمر إلى تصديق هذه الأعذار والإيمان بأن تلك الخصومة المفتعلة  تقوم على أساس أو شبه أساس.

إلى أن جاء الوقت، واستطاع المتنبى أن يرغم طه حسين على أن  يسهر مع الساهرين من اجل شوارد شعره التى كان ينام عنها هو  ملء جفنه. وأن يكب على دراسة المتنبى انكبابا عجيبا، وأن يقيم  للمتنبى أسبوعا كان من أجل وأروع أسابيع الجامعة المصرية، وأن  يصطحب المتنبى معه إلى أوربا، وأن ينزله معه فى الباخرة وفى القاطرات  وفى مختلف الفنادق والديار!!

وهكذا اضطر طه حسين إلى أن يرى نفسه - على كره منه كما  يقول - منصرفا إلى دراسة المتنبى، وأن يبادر إلى المتعة التى ادخرها  لنفسه هذا الدهر الطويل، وأن يسلط على هذه الدراسة ما وهبه الل ه من ذكاء خصب، واطلاع واسع، وملاحظة دقيقة، وقدرة على  استنباط الحقائق من ايسر المعلومات التى يمر بها الناس مرا دون أن  يروها. . ثم استطاع بعد ذلك أن يصور لنا المتنبى، فإذا نحن نحسه  وإذا نحن نلمسه، وإذا نحن نراه ماثلا أمامنا، وإذا نحن نسير وإياه  جنبا إلى جنب، وإذا شخصية المتنبى تبرز لنا من وسط هذه الصفحات  بروزا غير محاط بلبس ولا إبهام

وطه حسين الذى أبدع هذه الصورة يقول لنا مع إنه ليس من

المعجبين بالمتنبى، المشغوفين بشخصه وفنه، ولكنه لحسن الحظ لا يطلب  منا أن نصدق كلامه هذا بل يقول لنا إننا مخيرون فى أن نرى أن هذا  الكلام يصدر عن تفكير أو هذيان أو شذوذ وجموح   (ص٧٠) . .  وأنا أفضل الرأي الأخير. . ومن الممكن للمصور البارع الذى أبدع  الصورة وجلاها للناظرين أن يزعم أنه لا يحب صاحب هذه الصورة  ولكنه لم يجد بين الناس من يصدقه

ليقل طه حسين إذن فى علاقته الشخصية بالمتنبى ما يشاء. فإن  القراء قد ظفروا منه على كل حال بكتاب ممتلئ حياة وقوة. ليس  المتنبي فيه اسما يذكر وأشعارا تتلى وجدالا يسرد، بل شخصا حيا  يسعى ويعمل، ويحس ويشعر، ونحن نشاركه كل هذه الحياة. واستطعنا  بسبب هذا كله أن نزداد حبا للمتنبي وعطفا عليه. وهى نتيجة لم يكن  المؤلف يريدها أو يفكر فيها. كذلك استطعنا أن نعجب بالمؤلف  حين ينصف المتنبى، ويبرز الخفى من أركان هذه الحياة الثائرة العجيبة.  واستطعنا أيضاً أن ننظر شزرا حين نرى المؤلف يحمل على المتنبى  حملات أقل ما يقال عنها إنها لا تتفق مع ما يذكره المؤلف نفسه عن  المتنبى حين يتناسى ما بينهما من الحزازات القديمة

ليس من الممكن هنا أن نعدد محاسن هذا الكتاب الذى قلما  خدم شاعر فى العربية كما خدم به أبو الطيب. وسيرى القارئ من  غير مشقة كيف استطاع المؤلف أن يزيد لذتنا ومتعتنا بأشعار  المتنبي أضعافا مضاعفة، فقصيدة مثل   (وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه)   ونحوها. أصبحنا بعد أن صورت لنا حياة المتنبي والظروف المعقدة  التى أنشدت فيها تلك القصائد - نرى فيها حياة وقوة وعمقا لم نكن  نحس له وجودا

ومع هذا - وبعد هذا كله - فالمتنبى مع طه حسين مظلوم. لأن  طه حسين لم يستطع دائما أن ينسى ما بينه وبين المتنبى من خصام، بل  يتذكر هذا الخصام أحيانا فيعود إلى ظلم المتنبى، ويمعن فى التشنيع  عليه. أنظر إليه حين يريد أن يوهمنا بأن المتنبى مداح كسائر المداحين  وأنه ينكر نفسه كلما اقتضت منه المنفعة العاجلة إنكارها. ويريد منا  أن نصدق هذا، وهو نفسه الذى يرينا فى صراحة وجلاء كيف أعرض  المتنبى عن مدح اسحق بن كيغلغ ولم يعبأ بتهديده ووعيده. مع أن  المنفعة العاجلة كانت تقضى من غير شك بإنكار النفس وبذل المدح

ونحن نرى المتنبى لا يكتفى بهذا بل يهجوه هجاء مراً، ذلك لأن  المتنبى كان غاضباً من هذا الرجل الذى أبى أن يقبل منه المدح فيما

مضى، فجازاه المتنبى على إعراضه بأن أعرض عنه يوم أضحى شاعرا  مشهوراً.

هذا كله لا يمكن أن يذكر للمتنبى إلا بالخير. فانظر كيف يصور  لنا المؤلف هذا الحادث:   (فلا تسل عن كبرياء الشاعر وما  امتلأت به نفسه من الزهو والغرور، وإذا هو يمتنع على الأمير  ويأبى أن يجيبه إلى المدح الذى رغبه فيه، ويحتال الأمير فى ذلك فلا  يوفق. وتشق عليه هذه الإهانة فيمسك الشاعر فى طرابلس، ولا  يخلى بينه وبين السفر، وإنما يمسكه سجيناً كالطليق، وطليقا كالسجين) والمنطق السليم يقضى بأن مسلك أبي الطيب هذا ينطوى على  كثير من العزة والشمم، ولا يدل مطلقاً على أنه يطلب العاجلة،  فينكر نفسه. ولابد للمنصف أن يرى أن عبارة المؤلف فى وصف ذلك  الحادث قاصرة لم يمهلها الإنصاف، بل أن للحزازات القديمة أثراً فيها وفى حياة أبى الطيب أمثلة من الوفاء والإخلاص، استطاع  المؤلف أن يحولها إلى أمثلة من التزلف والخوف. انظر مثلا إلى  الحادث الشهير يوم أن غضب أبو العشائر على أبى الطيب وأرسل  غلمانه وراءه فرماه أحدهم بسهم وقال خذها وأنا غلام أبى العشائر.  فأنشد أبو الطيب هذه الأبيات العجيبة الساحرة:

ومنتسب عندى إلى من أحبه ... وللنبل حولى من يديه حفيف

فهيج من شوقى وما من مذلة ... حننت ولكن الكريم ألوف

وكل وداد لا يدوم على الأذى ... دوام ودادى للحسين ضعيف

فإن يكن الفعل الذى ساء واحداً ... فأفعاله اللائى سررن ألوف

ونفسى له - نفسى الفداء لنفسه، ... ولكن بعض المالكين عنيف

فإن كان يبغى قتلها يك قاتلا ... بكفيه فالقتل الشريف شريف

وليس هنا مجال لسرد الحادث كله، ولكن العجيب أن سرد  المؤلف له يضع الذنب كله على المتنبى، لأنه أهمل مدح أبى العشائر  وكأنه يلتمس العذر لهذا الرجل فى غدره بأبى الطيب

لقد قرر المؤلف فى نوبة من نوبات الظلم التى كانت تعاوده  وهو يملى كتابه هذا: أن المتنبى   (عبد للطمع والمال، لا للجمال  والفن.)  ولم يجد من الحوادث والأشعار مساعداً له على تأييد هذا  الرأى، فاضطر إلى أن يصبغ الحوادث بالصبغة التى تتفق مع هذا  الظلم، وأن يلتمس للشعر الخالص البرىء أسباباً غير خالصة ولا بريئة وقد وجد الأستاذ المؤلف نفسه فى مأزق حرج أمام قصيد

المتنبى  (وا حر قلباه ممن قلبه شبم)  فقد رأى المؤلف إنها قصيدة  لا يمكن أن تصدر عن رجل خلقه الأساسى أنه عبد للطمع والمال  لا للجمال والفن. فماذا يفعل بهذه القصيدة التى إن دلت على شىء  فإنها تدل على أن المتنبى رجل خلقه الأساسى الشمم والأباء. لم يكن  للمؤلف بد من أن يمر بهذه القصيدة مراً، وأن يختصر الكلام عنها،  وعن الحادث الذى تدل عليه اختصاراً. وأن يعتذر عن ذلك بأن  الناس قالوا فيها فأكثروا. . أما ما اشتملت عليه القصيدة من الفن  الهائل فأنه لا يظفر من المؤلف إلا بالعبارة الآتية: نلاحظ مسرعين  أن المتنبى قد وفق فيها إلى حظ لا باس به   (كذا)  من الإجادة  الفنية. . سلك طريق ابن الرومى فألح فى العتاب حتى كاد يبلغ  الهجاء. وأسرف فى المدح ليصلح ما أفسده بالعتاب.)

هذا كل ما يقوله عن هذه القصيدة هذا المؤلف العجيب الذى  يخصص ست صفحات من كتابه لقصيدة   (كفرندى فرند سيفى الجراز) ونحن نلاحظ هنا أمراً مدهشاً قد ساق المؤلف إليه إصراره  على تجاهل هذه القصيدة. .

ولنمر أولا - مر الكرام، على قوله أن بها حظا لا باس به  من الإجادة الفنية، ولكننا نقف قليلا عند قوله إن المتنبى أسرف فى   المدح ليصلح ما أفسده بالعتاب)

إن أقل إلمام بهذه القصيدة يرينا أن ما اشتملت عليه من المدح  ليس من النوع الذى يوصف بالإسراف. ومهما يكن من شىء فإن  هذا المدح مقدم فى أول القصيدة، لا لإصلاح ما أفسده العتاب،  بل توطئة للعتاب القاسى واللوم المر؛ والقصيدة تزداد شدة وعنفا  كلما اقتربنا من النهاية؛ حتى تنتهى فعلا بتهديد سيف الدولة  بالانصراف عنه والرحيل من دياره

وهذه القصيدة تدل على براعة فنية هائلة، وعلى خلق متين وعر.  ولذلك لا نتفق مع الدعوى بأن المتنبى عبد للطمع والمال، ذليل  للملك والسلطان، ولذلك تجاهلها المؤلف ومر بها مرا سريعاً. . .

وبعد فليست بى حاجة لأن أدلى بأمثلة أخرى يظهر فيها ما بين  المؤلف والمتنبي من خصومة قديمة. . ففيما ذكرناه كفاية لأن يرى  القارئ أن المتنبي مع طه حسين مظلوم. ولكن من العدل أن نقرر  أن طه حسين كثيراً ما كان ينسى هذه الخصومة. والكتاب ممتلئ  بقطع عديدة، استطاع المتنبى أن يثأر بها لنفسه، وأن ينال من  المؤلف كل إنصاف وتقدير بالرغم منه

والمواقف الظالمة التى وقفها المؤلف من الشاعر هى من الوضوح  والظهور بحيث لن يخطئها القارئ؛ ونحن لا نشك فى أنها البقية الباقية  من أيام العهد القديم حين كان بعضنا يتعصب للمتنبى وبعضنا يتعصب  عليه، وكان طه حسين دائما من الفريق الثانى. .

ولكننا برغم هذا التحامل - بل لسبب هذا التحامل - سنجد فى  مطالعة هذه الفصول متعة شائقة، بحيث لا يمكن أن نتناول الكتاب  ثم نلقيه قبل أن نفرغ منه

يجب أن نطالع هذا الكتاب لا على أنه تاريخ أو نقد، بل على  أنه قطعة أدبية فنية، تمثل صورة وتقص قصة. ولك أن تطالعه إذا  شئت على أنه كتاب لطه حسين عن المتنبى. ولكنك بهذا ستضيع  على نفسك لذة عظيمة ومتعة فائقة. فالوجه الصحيح للتمتع بهذا  الكتاب هو أن تقرأه على حقيقته التى كشفت لك عنها فى أول هذا  المقال. فالموضوع الصحيح هو المتنبى مع طه حسين. أو إذا شئت  اصطلاحا حسابيا فقل:   (المتنبى مضروبا فى طه حسين)  فالكتاب  هو حاصل هذا الضرب

وبهذا الاعتبار أو ذاك ستجد فى مطالعة الكتاب لذة جديدة  لم تكن تتاح لك من قبل. ولو كان فى هذا الزمان إنصاف لشكرنى  الناس على الكشف الذى كشفت والهدى الذى هديت، ولكنا  فى زمن كما يقول صاحبنا:

إنا لفى زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال

والآن فبالأصالة عن نفسى وبالنيابة عن عشاق المتنبى أسجل  هنا ما أحرزناه من النصر بانضمام عدو عنيد إلى صفوفنا.

اشترك في نشرتنا البريدية