الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 456الرجوع إلى "الثقافة"

المتنبي وحساده

Share

كان أبو الطيب المتنبي رجلا فريد الطابع، بارز الشخصية، يكاد يتفجر العلم من جوانبه، وترى على جبينه لمحات العبقرية، وإني ارجح أنه كان أحق من الامير بدر بن عمار ممدوحه بقوله فيه:

تُعَرف في عينه حقائقُهُ        كأنه بالذكاء مُكْتَحِلُ

وما احسب القائلين بالفراسة كانوا في حاجة إلي بذل مجهود لتعرف مواهبه، واستطلاع نبوغه وتفوقه. وقد شق طريقه على ما كان به من عقبات وأشواك، وفرض نفسه على عصره فرضاً، واستأثر بالنصب الأوفى من عناية معاصريه وشغلهم بنفسه، وكاد يصرفهم صرفاً تاماً عن غيره من الشعراء والكتاب.

روي أحد أصحاب الوزير الأديب ابن العميد انه دخل عليه يوما - قبل أن يزوره المتنبي - فوجده راجعاً،

وكان قد ماتت أخته من قريب، فظنه واجداً لأجلها فقال له: "لا يحزن الله الوزير فما الخبر؟"

فأجابه ابن العميد : " إنه ليتيظني أمر هذا المتنبي، واجتهادي في أن أخمد ذكره، وقد ورد على نيف وستون كتاباً في التعزية ما عنها إلا وقد صدر بقوله:

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر

                    فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا

                     شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي

        فكيف السبيل إلي إخماد ذكره ؟

فأجابه صاحبه :" إن القدر لا يغالب، والرجل ذو حظ من إشاعة الذكر، واشتهار الاسم، فالأولى ألا تشغل فكرك بهذا الأمر".

وإذا صحت هذه الرواية - وهي محتملة إلى حد كبير - فإنها تدل على أن ابن العميد، على جاهه العظيم

ومكانته العالية، كان ينفس على المتنبي ذيوع شعره، وبعد اثره.

وكان أبو الطيب بحكم صناعته، وظروف بيئته، وملابسات عصره، مضطرا إلى غشيان أبواب الملوك والرؤساء، وأعيان العصر، وأقطاب الدولة، وأصحاب النفوذ والجاه والثروة، حيث يشتد التنافس ويقوى التزاحم بالمناكب، والطير يسقط حيث يلتقط الحب والمورد العذب كثير الزحام. وفي أمثال هذه الأوساط تزوج الدسائس والنمائم، ويكثر التحاسد والتباغض، وكل فرد يقع في الاخر، ويلتمس أن يصب منه نحرة لبيطش به ويزيله من الطريق. وفي مثل هذه الجواء قضى المتنبي جانباً كبيراً من حياته، وهو رجل صريح لا يداجي، ولا يتكلف إخفاء عواطفه وكتمان آرائه، وفضلاً عن ذلك فإنه كان شديد الكبرياء، كثير التفاخر، دائم الاعتداد بنفسه والمغالاة بقيمته، لا يلين للناس ولا يتواضع، فليس عجيبا بعد ذلك أن يكثر حساده وأعداؤه، وان يقضي حياته في هم دائم، وشكوي متصلة من دسائسهم ومكائدهم.

وكان تيه المتنبي وتعاليه وتفاخره يزيد حسد الحاسدين تلهباً واشتعالاً، وكراهة الكارهين حدة واتقاداً وبنصح شوبنهاور بأن خير سبيل يسلكة الإنسان إذا كان معرضاً للحسد هو الابتعاد عن الحساد ومجانبتهم، وإذا لم يتيسر ذلك فخير سبيل هو تلقي هجماتهم بهدوء وقلة اكتراث، لأن ذلك جدير بأن يجرد تلك الهجمات من عنفها وقوتها. ولم يكن في وسع المتنبي الابتعاد عن حاسديه، لانه لم يكن له ممدى عن منازلتهم في ميادينهم، ومسابقتهم في حلباتهم، وكان يبترهم ويسبقهم ويغلبهم على أمرهم، ولا يترفق بهم بعد ذلك؛ بل لعله كان قاسياً في تحرية على الدوام عن عرض قوته الحاشدة، والإدلال بمكانته

العالية، والاستخفاف بمنافسية، والاسهانة بأعدائه ومناظريه انظر إلي قوله مخاطباً سيف الدولة:

أزل غضب الحساد عني بكبتهم

                    فأنت الذي صيرتهم لي حسدا

فهو لا يود أن تشفي نفوسهم من الحسد، ولا أن

يستصفي مودتهم ، وإنما يود لهم أن يموتوا بغيظهم.

وفي بعض الأحيان كانت تدركه الشفقة عليهم والرثاء

لحالهم، فيتنازل من عليائه ليعذرهم ويقول:

وللحساد عذر أن يشحوا

                 على نظري إليه (١) وأن يذوبوا

فإني قد وصلت إلي مكان

                  عليه تحسد الحدق القلوب

وكان في طليعة طلباته من كافور الإخشيدي  "إغاظة

حاسديه" كما في قوله:

أبا المسك أرجو منك نصراً على العِدا

                      وآمل عزا بخضب البيض بالدم

ويوماً بغيظ الحاسدين وحالة

              أقيم الشقا فيها مكان التنعم

ويقول في مدحه لكافور من قصيدة أخرى:

وأظلم أهل الظالم من بات حاسداً

                       لمن بات في نعمائه يتقلب

وهو بيت يستوقف النظر، فالحسد على شناعته ودمامته عاطفة من العواطف الإنسانية المألوفة، ولا يكاد يخلو منه إنسان. ومن الطبيعي أن يحسد القزم العملاق، والفقير الغني، والمريض الوصب السليم المعافى؛ والأثرة غالبة علي الطبائع، فكل مخلوق يود ان يستأثر بطيبات الدنيا ومتعها ولذاتها، وان يستولي على كل شئ، وان يجاب له كل طلب، وتحقق كل أمنية، وأن يكون

قطب الوجود وغايته وهدفه. وأول ما يثير الحسد أن يكون للغير ما يملكه ويعتز به. ومجرد تفكيرنا في أن الغير يملك شيئا يثير حسدنا، وينبه جشعنا. وقد روى العلامة النفسي ستيكل عن نفسه أنه أعطي مرة أحد زملائه الفقراء بذلة قديمة أصبحت غير صالحة لأن يرتديها، فلما لبسها زميله وأبصرها عليه راقته، وعجب من أمر نفسه، وكيف طاوعته على التفريط فيها ومنحها لزميله! وواضح هنا، أن مجرد خروج الحلة من حوزته هو الذي أثار حسده مع كثرة وجود غيرها من الملابس اللائقة المناسبة. ولا يستمتع الإنسان بحيازة شيء إلا إذا كان يحسد عليه، وتتجلى في ذلك قسوة الإنسان ورغبته في إيلام الغير وتعذيبهم، وتعاميه عن النظر إلي قوة الحسد وما قد تحدثه من الآثار السيئة؛ فالمرأة . التي تتخايل بجمالها وزينتها وحليها تتعمد إثارة الحسد ولا تفكر في عواقب ذلك. ولقد وجه إلي المتنبي في حياته نقد كثير وكان بعضه شديد الوطأة جارحاً هداماً، ولم يكن رائد نقاده في كثير من الأحيان حب الحق أو توخي العدل، وإنما كان باعثه الحسد الشديد والحقد الدفين. والواقع أن الحسد من الخطايا السبع الكبيرة الفكرة التى حاولت الأديان والمذاهب الأخلاقية مقاومتها والتغلب عليها. وقد يكون الحسد لوناً من ألوان طلب المساواة بين الناس؛ والمشاهد أن أي إخلال بهذا القانون يثير المعارضة ويهيج البغضاء، فهو قانون من قوانين المجتمع. وفي اعتقادي أن النظام الديمقراطي هو خير أنظمة الحكم وأقربها إلى الطبيعة الإنسانية وأعودها بالخير عليها، ولكن النظريات التالية لا تستطيع أن تحدث من تلقاء نفسها التغيرات العظيمة والانقلابات الشاملة، وإنما النظريات والمثل العليا والأفكار تكون في أغلب الأوقات ستاراً للأهواء والعواطف. وأقوى العواطف التي ساعدت على ظهور الديمقراطية ويسرت لها السبيل هي عاطفة الحسد،

فالحسد إذاً على ماله من مساوئ وعيوب لا يخلو من نفع؛ والرجل الذي يحسد من بات في نعمانه يتقلب قد لا يكون من أظلم أهل الظلم كما يرى أبو الطيب، وقد يكون بائساً فقيراً مشرداً مضطهداً يعاني من حياة الويل والعذاب وباقي من دهره الهوان والإهمال، فله عذره إن حسد من بات في نعمائه يتقلب. وضيق أبي الطيب بحساده هو الذي جعله يذهب هذا المذهب ويلقي بهذا البيت.

وقد حدثنا في قصيدة أخرى من مدائحه في سيف الدولة عن يأسه من علاج حسد الحاسدين والظفر بمودتهم فقال:

سوي وجع الحساد داوٍ فإنه

                    إذا حل في قلب فليس يحول

ولا تطمعن من حاسد في مودة

                      وإن كنت تبديها له وتنيل

ولكن أي مودة كان يستطيع أبو الطيب أن يقبلها حاسديه وهو يتعالي عليهم وبشعرهم بعدم المساواة بينه وبينهم؟ السياسة الوحيدة التي كان يستطيع أبو الطيب أن يهدئ بها ثورة الحسد في نفوس منافسيه وخصومه هي التزام التواضع، وتحري الاعتال، وترك التفاخر وتعمد إظهار القدرة الفائقة والامتياز الغالب، ولم يكن ذلك في طبع المتنبي ولا في مستطاعه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وكان أبو الطيب كلما تنكر له الناس وعكست حظه الأيام ازداد إكبابا على نفسه وتعاليا بها واستمسك بقوله:

وفيَّ ما قارع الخطوب وما

                    آنسني بالمصائب السود

وقد علل مرة حسد حاسديه بأنه ناشئ من أنه

هو نفسه عقوبة لهم فقال:

إني وإن لمت حاسدي فما

               أنكر أني عقوبة لهم

وكيف لا يحسد امرؤ علَمَ

                  له على كل هامة قَدمَ

يهابه أبا الرجال به

           وتتقي حد سيفه الهًمّم

ولحسن الحظ أن في البشرية عاطفة أخري قوية تعادل عاطفة الحسد وتوازنها وتستدفع شرها، وتنفذ الناس من مخالبها، وهي عاطفة الإعجاب. ولو كان الإنسان مطبوعاً على الحسد وحده لهلك الكثيرون وأفسدت الحياة فساداَ لا صلاح معه ولا علاج له، ولسد الطريق في وجه التوابغ الأفذاذ والأبطال المبرزين، فهم إن كانوا يثيرون الحسد ويستهدفون لكيد الحساد فإنهم كذلك يظفرون بالإعجاب الذي يمهد لهم السبيل ويسمح لمواهبهم بالتفتح والأزدهار. وقد روي صاحب سرح العيون أن السرى الرفاء الشاعر دخل على سيف الدولة يوما فقال :" يا مولانا كم تفضل علينا هذا الكندي - يعني المتنبي - ولو أمرتني أن أنظم على وزن أي قصيدة شئت من قصائد لنظمت ما هو أجود منها"! فقال له سيف الدولة: " انظم على وزن قصيدته التى أولها " يمينيك ما يلقى الفؤاد وما لقى" فخرج السري من عنده على ذلك، وفكر في القصيدة فلم يجدها من طنانانات المتنبي فعلم أن سيف الدولة أراد أمرا له بتخصيصه هذه القصيدة في الاقتراح، فنظر في أبياتها فإذا هو يقول فيها مادحا لسيف الدولة ومفتخرا بنفسه.

إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق

               أراء غباري ثم قال له الحق

فعلم السري الرفاء أن سيف الدولة أراده بهذا المعنى فكف عن النظم. وإذا صحت هذه الرواية فهي ترينا كيف كان إعجاب سيف الدولة بالمتنبي وتقديره له، يحميه في مواطن كثيرة من حسد الحاسدين ويرد عنه كيد الكائدين. وعاطفة الإعجاب تلعب في الحياة دورا لا يقل اهمية وتأثيراً عن عاطفة الحسد.

ولكن هل كان المتنبي الذي لا يفتأ يشكو كثرة حاسديه بربئاً من الحسد؟ المعروف ان المتكبرين المعجبين بأنفسهم الواثقين بها أقل تعرضاً للحسد من المتواضعين المعتدلين، لأن المتكبر المعتد بنفسه قد يعتقد أنه لا ينقصه شيء مما عند الناس، وان الناس ليس عندهم ما يستحقون أن يحسدوا عليه. ولكن المتنبي من ناحية اخرى كان طموحاً شديد التطلع إلى ما في يد الناس، وقد ذاق البؤس وعرف الحرمان في طفولته الحزينة ونشأته القاسية، وخالط الملوك والرؤساء ولم يجد لهم مزية يمتازون بها عليه، وهو مع ذلك محروم من الاستمتاع بالنفوذ والسلطان؛ ومن المحتمل جداً انه كان يحسدهم على ذلك. وقد سمى سميه عند كافور ليمنحه ضيعة أو ولاية فلم يوفق في ذلك، وقد أثار ذلك حفيظته وجعله يهجو كافوراً هجاء مراً وقحاً. ومن ذلك يتبين أن المتنبي كان طوال حياته حاسدا محسوداً، ومن ثم كثرة ترديده للحسد واشتغاله به في شعره.

اشترك في نشرتنا البريدية