يقول سيتوزا: " صور لنفسك دودة صغيرة تسبح فى الدم , لها من قوة الابصار ما تستطيع أن تميز به عناصر الدم الذى تسرى قيه, ومن قوة الفكر ما نرى به كيف ان كرات الدم يكافح بعضها بعضا , وتؤثر إحدها فى الأخرى... إن مثل هذه الدودة تعيش فى الدم كما يعيش الانسان على وجه الأرض , فهو لا يرى العالم جزاء من الكون العام, بل يحسبه وحدة كاملة مستقلة , لا علاقة لها بغيرها من أجزاء الكون الأخرى, وهو لا يدرك أن كل كائن يخضع لتأثير الطبيعة الشاملة, ويتصل بغيره على نحو ما تريد هذه الطبيعة ، ويتعاون معه وفقا لقانون الطبيعة . ومغزى هذه العبارة وهى خلاصة فلسفة سبينوزا بأسرها - أن الانسان ينبغى له أن يحيا ويتحرك وبقضى حياته متأملا فى السكون اللانهائى غير المحدود ، لا فى هذا العالم الهابى المحدود .
كما لا ينبغى له أن يفكر فى حدود الجماعة المتحدة, لا فى حدود الفرد المستقل. أو بعبارة أخرى أن الانسان لا ينبغى له أن يعيش كالدودة فى الدم ، بل كالفراشة التى تضرب بجناحها فى أجواز القضاء . وهذه الحياة تقتضيه أن يضرب لنفسه مثلا أعلى بعمل على تحقيقه . ويرفع بصره أبدا إليه ، مثلا أعلى يخرجه من حدود ففرديته وشخصيته إلى حدود أوسع أفقا وأبعد مدى
هذا ما يرمى إليه سبيوزا, ولا ريب ان من الخير للانسان أن يعيش كالفراشة تخلق فى الفضاء , وتشرف من مل , لا كالدودة ذات البصر المحدود والنطاق الضيق ولكن هل تسطيع الدودة أن تستحيل إلى الفراشة؟ هل هذه المعجزة فى حدود المغدرة الانسانية؟ إن الدلائل جميعا تشير إلى استحالة تحقيق هذا المطلب العسير نعم إن العقل المجرد - بشئ من إعنات الدهن - يستطيع أن يتصور وحدة الوجود غير المنتاهية التى تمثل وحدها الحقيقة الأندية ونسطيع - فى شئ من الجهد - أن تتصور أن هذه الوحدة لا تتجزأ . وأن هذا العالم الذى نعيش فيه, والذى يتغير بالفروق وأوجه الخلاف , إن هو إلا وهم باطل. وإنا لنستطيع كذلك - فى شئ من العسر - أن نرد الزمان والحركة إلى دائرة الوهم, وأن نحتسبها من الأباطيل التى يتخذها الانسان وسيلة لفهم هذا الكون الفريد الذى لا يتحرك زمانا ولا مكانا. نستطيع هذا وغير هذا, ولكن بشىء من المجهود الذى لا ييسر إلا فى لحظات الالهام والوحى ، وذلك حين يخرج الانسان من قيود عاداته فى الفكر والاحساس والشعور ؛ وحتى لو استطاع الانسان - بعد كل هذا المجهود - أن يتصور بعقله الكون اللانهائى ، وارتباط كل جزء منه بالآخر ، فما إنحاله بقادر
على أن يحيا فى هذا العالم الجديد ، لأن الانسان يعيش بجسمه ، والجسم يأتى بطبيعته إلا أن يتميز عن غيره من الأجسام ، ويستفل بنفسه وحركته ، وليس على وجه الأرض ما يستطيع أن يوهم الحسم بأنه مخدوع ، وأنه فىى حقيقته جزء من كل .
يقول ( ألدوس هكسلى ) إن العقل قد يصبح بالجسم قائلا له : " إنك غير موجود . إنك لست فى مكانك إنما أنت ئلمة فى المادة غير المحدودة. هناك حقيقة واحدة : وهى وحدة الوجود . إن فرديتك المادية هذه التى تتوهمها تناقض الحقيقة العليا . إنما وجودك غير موجود " . فلا تحير الجسم جوابا ، ولكن حركة يسيرة فى معدنه تذكره بأن موعد الغداء قد حل فيذكر صاحب الجسم قول ( بليك ) Blake : " إفعل ما بدا لك ، إنما هذه الدنيا خيال ، وهذا العالم قوامه التناقض " .
إنما هذه الدنيا - خيالا كانت أو حقيقة - هى الدنيا التى نعيش فيها ، وإنا لا نستطيع أن نفر مها ، وإن استطمنا ففى لحظات خاطفة ، وبعضنا دون جسومنا ،
وما دام الانسان لا يستطيع أن يفر من هذا العالم الموهوم , فواجبه ان يستغله على قدر ما يستطيع , أن يستعد من هذه الضرورة متعة ومنفعة . أراد الله بالانسان أن يعيش عيش الدود, فلنكن كذلك , بل لنكن كالديدان بكل ما فينا من حماسة, ولنبذل جهدنا ما وسعنا البذل, حتى نبلغ ( بالدودة ) حد الكمال , لأن الدودة الطيبة خير من ذلك المخلوق الشاذ, الذى يتحول إليه الإنسان , لو حاول أن نعيش فوق ما فطره الله عليه, أى أن يعيش فى عالم الطيور يسبح فى الهواء ، لا فى عالم الحيوان يمشى على الأرض . حاول ما استطعت المحاولة ، فإنك لن يخلق من الدودة فراشة ، ولملك لم تنس بعد قصة ذلك الغراب الذى لم تعجبه مشيته ، وحاول أن يمشى كالطاوس ، فاختل سيره ، ولم يعد إلى الطاوس ولا إلى الغراب . إن الانسان
مهما حاول لا يستطيع أن يخرج عن إنسانبته ليصبح كالملاك الطاهر .
وقد تقول إن من واجب المرء أن يضع تصب عينيه مثلا أعلى , وليس من واجبه أن يتحقق هذا المئل , لأن الإنسان فىهذا كالحيوان, تلوح له بالطعام فيعدو كى يبلغه, فإن أدركه أكل منه شبع , ثم كف عن العدو والعمل, وإن لم يدركه تابع الجهد والسير. وقد تشرط فى المثل الأعلى أن يظل بعيد المنال مستحيل التحقيق, لأن الثمرة قد تكون حلوة المظر , مرة المذاق. وقد تقول إن من أجل هذا كثيرا ما نرى أن رجال الأعمال - بعد ما يكسبون المال الوفير - يضمون أمام أعينهم مثلا أخرى غير المثل المادية ، فيوهمون أنفسهم أنهم يعملون لخير الإنسانية جميعا ، أو على الأقل لخير المساهمين فى أعمالهم .
قد تقول هذا ، وقد يقبل السامع أن المثل الأعلى يجب أن يكون للانسان حافزا كافيا للعمل ، وأن يظل عنأى عن الإدراك حتى لا يقف دولاب العمل .
هذا حق. ولكن العبرة بالوسيلة التى يتخذها المرء لبلوغ مأربه . وهنا يتساءل هكسلى: هل وسائلنا فى الوقت الحاضر طيبة تبشر بالخير والأمل؟ كلا. لأنها تطلب إلينا أن نتنازل عن إنسانيتنا, وأن نحلق فوق المستوى الإنسانى, وأن نكون كالآلهة لا كالبشر . إذا أراد الإنسان أن يعلو على مستوى البشرية ، فهو جبان يفر من مشاكل هذه الدنيا . إن كنت تطمح إلى حياة متزنة ، فكن لبقا رفيق الحس ، وصادق الحكم ؛ وعليك أن تواجه الظروف وتحسن فيها التصرف ، لا أن تفر من الظروف .
وبدهى أن الحياة المثالية التى تخضع لقانون ثابت أيسر من هذه الحياة الآخر التى تحتاج إلى الحكم فى كل حين ، الأولى كالعملية الجراحية تبتر بها العضو ، والثانية كالعلاج
بالدواء , يحتاج إلى الصبر وطول الأناة إن الأخلاق الحديدية اعتراف بالضعف والعجز, أما الأخلاق المرنة فدليل القوة والمقدرة . إن أصحاب الفكرة الأولى يفرون من عالم الحقيقة إلى عالم الخيال. ومن أكبر الدعاة إلى الارتفاع عن مستوى البشرية ( برتاردشو ) فهو يدعونا فى روايته التمثيلية (Back to Methuselah ) أن نرحب بعالم جديد يسكنه صنف من المخلوقات لا جنس له ( لا هو بالمرأة ولا هو الرجل ) له خلق غير خلقنا , يفكر بطريقة غير طريقتنا .ولو فكرت قليلا لأدركت ان هذا المخلوق العجيب الذى يتخيله ( شو ) لا يعلو بصفانه هذه عن مستوى الإنسانية ، بل قد ينحط عنه . وكثيرا ما يهبط الصاعد فجأة من قمة الحبل إلى أسفله . وقد يريد الإنسان أن يرتفع عن مستوى البشر ، فينقلب وحشا ضاريا ، لا إنسانا وفيعا .
رأس واحد ، ويجب أن يعيش الانسان بجانب واحد ، هو جانب الروح . وأما الانسانى humnnist لما فيقول بأن لكل رأس حق الوجود ، وواجبنا أن تحتفظ بالرؤوس جميعا فى تسلم دائمة - أو على الأقل فى عداء متزن ، لا تدوم فيه هزيمة ، ولا يبقى نصر .
الإنسان فى نظرته للأخلاق يقدس الحياة الواقعة التى يحياها الناس , وهو فى هذا على يقبض المثالى يقول هرقلبطس : " لقد أخطا هو مر حينما تمنى أن نزول الشحناء من قلوب الآلهة والناس. إنه بهذه الدعوة يدعو إلى خراب العالم. لأن هذه الأمنية إن أجبيت يقتى معها كل شئ . إنما الحياة تقتضى التناقض والانقسام والنضال" . والمثاليون أنفسهم لا يعيشون عيشة متسقة , فهم يعتقدون ما لا يفعلون , ولا يخففون من زهد الروح يمتعة الجسد ، ومن جمود الفضيلة ببعض الرذيلة ، ومن رزانة العقل بشئ من الخرافة . إن طبائع الإنسان المننوعة لها جميعا حق الحياة ، ومن ثم تعددت آلهة اليونان وتنوعت ؛ فهناك إله الحب ، وهناك إله الشعر ، وإله الخمر .. الخ
إن الحياة لا تستقر إلا إذا سمع لكل لون من ألوان الحياة أن يظهر وأن يعبر عن نفسه. ويؤيد تاريخ اليونان هذا الرأى , فقد تنوعت فى أثيبا ضروب الحياة وتعددت مناحنبها . يقول ( بركليز ) فى خطبيته التى ألقاها على حثث الموئى فى حرب البلبونيز - وهى وصف رائع لأثينا فى القرن الخامس - " إن أثينا بلد يستطيع كل فرد فيه أن يعبر عن رأيه فى شئون الدولة. والأثيليون جميعا أحرار فى شئون منازلهم , يفعلون ما يشاءون . أثيبا يلد ليس لأحد فيه ان يتخل فى حياة غيره الخاصة بلد ملذات الفرد الشخصية لا تحتسب فيه إثما ولا جريمة الأثينيون احرار فى علاقاتهم الخاصة , أما فيما يتعلق بالوطن فإن المصلحة العامة تقتضيهم الوحدة والإخلاص , وكلهم يخضع لحكم القضاء والقانون . إنا نتعزى عن مشقة الحياة باللهو والسرات... أما الأسيرطيون - وهم عبيد النظام العسكرى - فيؤخذ الواحد منهم بالشدة منذ الطفولة ؛ ونحن - وإن كنا أحرارا فى عيشنا وتجوالنا تستطيع أن يجابه المخاطر عينها التى يجابهون . إنا نؤثر
أن نواجه الخطر بعقيدة حرة على أن نواجهة بعقل مفيد, ونثق فى الرجولة الطبيعية أكثر مما نثق فى الشجاعة التى تدين للدولة. ونحن فى هذا خير من أهل اسبرطا, لأنا لا تكابد مشقة التدريب الذى يكابدون , وإذا ما عارضتنا مصاعب الحياة قابلناها بشجاعة لا نقل عن شجاعة منافسينا ... نحن نحب الجمال دون إفراط ، والحكمة دون تزيد . مواطنونا يؤدون واجبهم نحو أنفسهم كما يؤدون واجباتهم نحو الجماعة ، ولا ينغمسون فى شهوانهم إلي درجة بنسون معها حقوق الوطن
عن أسباب الجمال ، وإحساس بالرعب فليعبد الله الإنسان متنوع ، متناقض ، متضارب . وقد فطن الأثيبون إلى ذلك ، فعاشوا عيشة فيها التناقض . وفيها التضارب ، وفيها التنوع . لأبدانهم عليهم حق . لا يكرسون حياتهم للدولة كأهل اسبرطا أو أهل روما .
البشرية ، فصاغوا دينهم وأخلاقهم ، ونظامهم الاجتماعى, على هذا الأساس . ويرى هكسلى أن من الخير أن تحذو حذوهم وتتبع مثالهم . ولو أخذت بالمثل الأعلى لفضيت حياتك فى سبيل غرض واحد ، لا تحيد عنه ولا تميل ، فكانت حياة جافة ، لا متعة فيها ولا سرور
ومن الناس فى عصرنا هذا من يجعل المادة مثله الأعلى ، فيزهق نفسه بالعمل الميت ، ولعل الآلة من أشد ما يعمل على ضيق الحياة فى هذا الجبل ، فهى تقتل روح الابتكار ، ونقضى على متعة الخيال . والعمل المبتكر وحده مصدر سعادة الانسان . والآلة تحرم الانسان من هذه السعادة ، لأنها تجعل العمل آليا ، بل
تجعل الفراغ نفسه آنيا كذلك , فيتلمس الفرد أسباب سلوك فى السينما والصحف المتبذلة , حتى لقد فسيت الأذواق وراجت سوق الأدب الوضيع . ولم يعد الفرد العادى خالقا مبثكرا , بل أضحى جالسا متنفعلا, يتأثر ولا يؤثر وقد حاول غادى وتولستوى أن يعيشا عيشة ساذجة لا أثر للآلة فيها . ولكنهما نسيا حقيقة هامة ، وهى أن الآلة تعمل على زيادة السكان ، فسكان العالم اليوم ضعف ما كانوا عليه منذ منه عام ، ولو وقفت الآله لفضى نصف سكان العالم
فالآلة إذا لابد أن تبقى رغم شرورها . وإنما العلاج الناجع هو فى أن نعيش عيشة متناقضة متنوعة ، لا عيشة مثالية واحدة ، وأن تنظر إلى العمل كأنه شر لا بد منه ، تعوضه خيرا بالابتكار والتسلية أثناء الفراغ .
إن رجال الحكم اليوم يشتغلون بمشاكل الاقتصاد السياسى, ونوازن القوى , وتنظيم الحكومات . وهى مشاكل لو تدير الإنسان قليلا لغيها وحل عقدتها وإنما المشكلة الكبرى مشكلة نفسية , وربما بات واجب السياسى فى المستقبل القريب أن يعالج شئون النفس لا شئون السياسة ، وأن يبحث فى غرائز الانسان وفى طرق التنفيس عنها ، وأن يهتم العلاقة بين الفرد وبين بيئته ، وبالملائمة بين الإنسان وبين الحياة الصناعية الحديثة . إنا لا نستطيع اليوم أن نعيش عيشة إنسانية صالحة ، وسيف ( الآلة ) مسلول فوق الرؤوس
إن النزعة المثالية التى تقتيضيها ان نحيا حياة لا ترمى إلا إلى غرض واحد : هو اللذة العقلية , أو المتعة الروحية, أو القدرة الماوية ، تنتهى بالحنون والانحطاط ، ثم تسير بنا نحو الفناء إنما سبيل الخلاص أن نغرس النزعة الانسانية فى النفس ، وأن نقدس مظاهر الحياة جميعا . إن دودة سيبنوزا إما أن تبقى على فطرتها دودة أو أن تغنى .

