لم يهمل ادبنا أخبار المجانين ، فقد كان لهم نصيب غير قليل من رجال الأدب في قديم الدهر . كان هؤلاء ، المجانين مصدر وحي لبعض الشعراء أمثال أبي نواس والرفاشي ، فقد قالا علي لسان فئة منهم أشعارا شاعت في الناس ؛ وكانوا مادة الضحاث والإضحاك ، فقد فرجوا كثيرا من عموم القوم ؛ وكانوا موضوع مبث الصبيان ، فقد سخروا منهم ، وأسمعوهم ما يكرهون ، وأذوهم ؛ وكانوا يقبوع لهو الخلفاء والسلاطين ، فطالما سمعوا نوادرهم ، وانسوا بها وانبسطوا إليها . وقد رويت لهؤلا ، انجانين أشعار وصدرت عنهم روائع الحكم ، وتدفقت من السنتهم جوابات عجز عنها العقلاء
إلا أن أدبنا انتفع بهم اكثر من انتفاعهم به ، أخذ عنهم أشياء كثيرة ولم يعطهم شيئا : روي كلامهم ونوادرهم ، وجعل هذا الكلام وهذه النوادر في باب الفكاهة حتى يستريح إلي الهزل من استكده الجد من القراء ؛ فلم ينصفهم في جنونهم ، ولم يعرض سيرهم واخيارهم في معارض ناطقة . وهذا النحو من الأدب لم يكن ذائعا في القديم . فهو من نتائج الأدب الحديث ، أدب الفرنجة ، الذين لم ينظروا إليهم في قصصهم ورواياتهم نظرتنا ، ولم يسيئو إليهم إساءتنا ؛ فقد أحبوهم في مؤلفاتهم ، والتمسوا لهم العلل في جنونهم ، وجعلوهم في المراتب التي يستحقونها ومنهم من ذهب أبعد من هذه المذاهب ، منهم من جعلهم في مراتب سائر الناس ، لا بل جعل الناس كلهم مجانين ؟
أجل ، لم يكن نصيب المجانين من ادباء الفرنجة نظير نصيبهم من ادبائنا ، فقد وضعوا الروايات البارعة في وصفهم وتصويرهم ؛ من جملتهم الكاتب الإنحلزي الكبير " شارل ديكنس " ، فقد ذكر " اناتول فرانس " وهو الذي أوحي إلي هذا المقال ، وعنه اقتبست هذه الأفكار ، أن " ديكنس " أحب المجانين ، ووصف في إحدي رواياته
براءة الرجل الصاح ، السيد " ديك " . كان "ديك" مجنونا ولكنه رجل ناصح ، لأن العقل الوحيد الذي بقي له إنما هو العقل الصادر عن القلب ، وهذا النوع من العقل لا يغش أبدأ ، إن صاحبه يلتمس الخير ولا يريد السوء بأحد ، وفي هذا الطراز من الأخلاقي طراز من العقل لم يبلغه كثير من العقلا ، ومن محاسن حظ " ديك " أنه ولد في بلاد الإنجليز حيث يجعلون لحرية الرجل مقاما رفيعا ، وحيث لا ينظرون إلى غرابة الطبع نظرة سيئة ، فإنهم يجلونها . وما هو الجنون ، إن هو إلا غرابة العقل . وقد ميز " أناتول " الجنون عن صياع القوي العقلية بأجمعها ؛ فالأول يختلف عن الثاني ، فما الجنون في نظره إلا استعمال هذه القوي على صورة غربية ، منفردة
من هذا يتبين لنا ان المجانين لم تكن معزلهم في ادب الفرنجة مثل منزلتهم في أدبنا ؛ فلم تكن طائفة منهم في روايات الفرنجة إلا جماعة يختلفون عن الناس بطبائعهم الغريبة لا غير . ومثل هذه النظرة لا يجدها في كتب أدبنا القديم
وقد قص علينا " أناتول " قصة مجنون عرفه في صباه . جن هذا المسكين لما بلغته وفاة ولده الوحيد ، وكان جنونه قائما على شكل لباسه ، فقد كان لباسه مؤلفا من قماش فرش النوم ؛ وكان الصبيان يتهمونه في الحي ويصيحون به صيحات مزعجة ، ولكنه كان بجمع بين الرقة والشدة ، فكان يدفع عنه أذي الصبيان بشيء من الهويل دون أن يمسهم بسوء ، وإنه بعمله هذا لقدوة صالحة لرجال الشرطة - قص " أناتول " قصة هذا المجنون ، وتفنن خاصة في دقة تصوير نزع ثيابه إذا دخل دار صديق له ، ومثل هذه الدقة لا يقدر عليها من كتابنا إلا من هو في طبقة الجاحظ . فإذا نزع هذا المجنون ثيابه عنه ، ووضعها في مكان ، وعنى بوضعها عاد رجلا من أعقل الناس ، فكان جنونه كان في هذا الشكل من الثياب التي يلبسها ؛
فإذا فرغ من نزع ثيابه أفاض في مجامع الموضوعات إفاضة تدل على فرط عقله وذكائه ، فقد كان عالما ملأ عقله من كل شئ يستطيع أن يوضح به العالم والناس ، وقد اختص بأخبار الرحلات
كان يعرف اللاتينية واليونانية ، وقد قرأ عليه " أناتول هاتين اللغتين ، وانتفع به كثيرا ؛ وكان بارعا في الحساب وله ذاكرة لا تخونه ، فقد كان يذكر حوادث حياته بحذافيرها ، ما خلا الحادثة التي قلبت عقلة ، فكان وفاة ولده قد محيت من ذاكرته ، فلم ينبس في حياته بكلمة تدل على انه يذكر هذا المصاب الأليم ؛ وكان معتدل المزاج ، جدله ، تؤنسه الصور اللطيفة الضحكة
وبعد ان لبس هذا الشكل من اللباس عشرين سنة ، صيفا وشتاء ، ظهر ذات يوم في شكل من الثياب ليس فيه ما يضحك الإنسان ، فتغير مزاجه بتغير ثيابه ، وغلب عليه الحزن والصمت ؛ فكانت تخرج منه بعض كلمات تدل على قلقه ورعبه ، فقد تغير وجهه واسودت شفتاه وتهدلتا ، وأمسك عن الطعام ؛ وذكر ذات يوم ولده الذي فقده ، وفي الصباح وجدوه مخنوقا في غرفته
ظلت ذكري هذا الشيخ تستعطف " أناتول " علي المجانين الذين يشبهونه ، وهذا النمط منهم قليل ، إذ أن مثل المجانين كمثل سائر الناس ، فالصالحون منهم قليلون . وقد زور الإنسان مارستانات شتى من دون أن يجد فيها شيخا ثانيا مثل هذا الشيخ ، أو مجنونا آخر مثل "ديك " . كلا ، ثم كلا ، لم نقص في أدبنا أخبار المجانين على
هذا النحو من القصص ، فلم يظهر عطفنا عليهم كما ظهر في هذا الكلام ، ولكن هذا العطف لم يظهر ظهوره في كلام " أناتول " إلا بعد أن قرأ رواية لأحد كتاب فرنسا ، اسمها " المجهول " ؛ وما هذه الرواية إلا قصة جنون ، ولكنها قصة مخيفة . فبعد أن قرأها " أناتول " شعر بنوعين من الشعور : احس بالخوف واحس بازدحام الأفكار في صوره ؛ أما الخوف فإنه لم يشأ أن يخوف القارئ كما خوفه صاحب
الرواية ؛ وأما الأفكار التي ازدحمت في صدره بعد قراءة الرواية فهذه جملة منها : ذكر " أناتول " أنه لا يستطيع أن يتملص من العطف على المجانين الذين لا يسيئون كثيرا ؛ أما انقطاع . الإساءة ، فهذا عمل لا يقدر عليه الناس ، لا عقلاؤهم ولا مجانينهم ، إذ أنه لا يمكن أن يعيش الناس من دون الإساءة
لا يريد " أناتول" أن نبغض المجانين ، أفلا يشهوبنا ؟ ! ومن ذا الذي يفخر بأنه ليس بمجنون في ناحية من النواحي ؟ لقد فتش في بعض المعاجم عن معني الجنون فلم يجده ، والتعريف الذي وجده فيها لا معنى له . فإذا لم يكن الجنون اختلافا من ناحية التشريح فإنه يبقى من دون تعريف . إنا نقول : هذا رجل مجنون ، إذا لم يكن تفكيره مثل تفكيرنا ، لا زيادة ولا نقصان . ولكن أفكار المجانين من حيث الفلسفة مشروعة كلها مثل أفكارنا ، فإنهم يتصورون العالم الظاهر بحسب الانفعالات التى تحدث فيهم من هذا العالم ، وهذا ما نصفه نحن معاشر العقلاء ؛ فان العالم ينعكس إليهم على صورة تختلف عن صورة انعكاسه إلينا ، فنقول إن الصورة التي جاءتنا عن هذا العالم صحيحة والصور التي جاءتهم عنه غير صحيحة . وفي الحقيقة ليس بين هذه الصور ما هو صحيح على وجه الإطلاق ، وليس بينها ما هو غير صحيح على وجه الإطلاق ، فصور المجانين صحيحة في نظرهم ، وصورنا صحيحة فى نظرنا . وقد قص " أناتول " بعد هذا الكلام حكاية المرايا ، ووددت لو أنني أذكرها في هذا المقام ، ولكني دونتها في إحدي مقالاتي في هذه المجلة : في عالم الزوايا . وبعد أن قص هذه الحكاية قال : إني أهديها إلي الأطباء الذين يحجزون المجانين في المارستان ، لأن أهواءهم وعواطفهم تختلف عن أهواء هؤلاء الأطباء وعن عواطفهم ؛ فكل من كان مبذرا أو عاشقا كان في رأيهم مجنونا ، كأن لم يكن في التبذير أو في العشق علل تشبه العلل في البخل أو في الأثرة .
إنهم يرون أن المجنون من يسمع ما لا يسمعه الناس ، أو من يري مالا يرونه . على أن سقراط كان يستشير شيطانه ، و " جان دارك " كانت تسمع اصواتا لم يسمعها الناس ، أفلسنا كلنا من هذا القبيل ، أصحاب رؤي وأحلام هل نعرف أي شئ عن العالم الظاهر ؟ هل نشعر بشيء في حياتنا كلها غير الشئ الذي تشعر " أعصاب سمعنا وبصرنا في اعترازات الصوت والضياء ؟ حقا إن شعورنا من هذا الوجه إنما هو شعور ثابت ، عادي ، عام ، أما شعور المجانين
فانه نادر ، شاذ ، منفرد ، وبهذه الصفات يعرف المجانين لا أريد أن أتبسط في هذا الموضوع أكثر مما فعلت ، فما عرف المجانين في القديم والحديث عطفا عليهم مثل هذا العطف ؛ وكم يكون إعجابهم بأناتول فرانس عظيما إذا قراوا عبارته في مقالة كتبها بعد حضور رواية " هاملت " وهذه العبارة قالها في صفحة خالدة في مخاطبة " هاملت " . والدفاع عن أقواله وعن أفعاله : من منا ليس بمجنون !
(دمشق )

