ما أضبط مواعيد العمل فى الشركات وفى البنوك وفى المحال التجارية . وما أخل مواعيد العمل فى وزارات الحكومة على اختلاف مصالحها وتنوع فروعها وتعدد مكاتبها .
ولعل هذا يفسر لنا قول الأستاذ الكبير أنطون الجميل بك إنه لو جرت الشركات الأهلية على سياسة الحكومة فى إدارة أعمالها وتصريف شؤونها لأفلست فى أسابيع .
لا تجد مستخدما فى شركة أو فى بنك أو فى محل تجارى يتأخر عن ميعاد الحضور دقيقة واحدة - واحدة فقط - إلا في الندرة وإذا زاد تأخيره على دقيقة حق عليه الجزاء .
ولا نجد موظفا واحدا - واحدا فقط - فى أى مصلحة من مصالح الحكومة يحافظ على مواعيد الحضور . وإذا تصادف حضور أحدهم فى الميعاد فلا يكون ذلك إلا ندرة .
فى ذات يوم دخلت الساعة التاسعة صباحا فى غرفة إحدى الوزارات فلم أجد أحدا . وبعد عشر دائق حضر واحد . وبعد خمس عشرة دقيقة حضر الثانى ، وبعد نصف ساعة حضر الثالث ، ولم يكتمل عددهم إلا الساعة العاشرة . سألت
عن السبب فقيل لى إن رئيسهم لا يحضر عادة إلا فى الساعة العاشرة . صدق المثل التركى : " بالق باشدن فوقار " أي السمكة تعفن من رأسها ) وهذا صحيح إذا صح الراس صح وإذا فسد فسد .
وما يقع فى مصالح الحكومة الإدارية يقع مثله في دوائر القضاء والنيابة التراخي فى عقد الجلسات ربع ساعة أو نصف ساعة أو ساعة هو الأصل . والاستثناء هو عقدها فى الميعاد . مع أن الوقت الذى يخصص لإقامة العدل بين الناس هو أنفس وقت عند الإنسان لأنه يخصص لا شرف عمل يقوم به الأنسان فلا يلزم التفريط في لحيطة منه .
بدء العمل فى أوليات النهار فيه مزايا جمة ، يكون العامل مستجمعا فيها كل نشاطه ويكون الطقس معتدلا يدعو إلى العمل ، ما يعمله العامل فى أواخر النهار لا يبلغ ربع مرباع ما يعمله فى أوائله . ولله در بشار عند ما قال فى رائيته : " بكرا صاحبي قبل الهجير
إن ذاك النجاح في التبكير " إذا خصص ما يضيع على القاضى وعلى المتقاضى وعلى المحامى من الزمن بتأخير عقد الجلسات فى الميعاد لنظر القضايا ليكفى للحكم فى آلاف من القضايا
المتأخرة المكدسة فى أقلام الكتاب .
فى زمن عهد عل باشا كانت المجالس تشتغل فى الصيف من الساعة التاسعة صباحا إلى الظهر ومن الساعة الثالثة إلى السادسة بعد الظهر . وفى الشتاء من الساعة التاسعة صباحا إلى الظهر ومن الثالثة إلى الخامسة بعد الظهر ، ويا ويل من يتأخر عن الحضور دقيقة واحدة ، وكان الموظفون ممنوعين من شرب الدخان ومن شرب القهوة فى مكاتبهم . وبهذا النظام الذى يكاد يكون نظما عسكريا كان تأخير مصالح الأفراد شيئا ندرا .
ومن شجون الحديث أروى أن مسيو كليمانصو كبير وزراء فرنسا سمع أن الأعمال فى وزارته معطلة متراكمة فذهب بنفسه إلى الوزارة فى صباح ذات يوم ، دخل أول غرفة فلم يجد فيها أحدا ، دخل الثانية فوجدها خالية خاوية دخل الثالثة فوجد موظفا نائما على مكتبه أسرع وكيل الوزارة الذى كان يرافقه نحو النائم يريد إيقاظه فمنعه كليمانصو وقال له : ( دعه . دعه . إذا أيقظته انصرف) .
ضبط المواعيد فضيلة ، ألم يقولوا إن المحافظة على المواعيد من آداب الملوك ؟ . فى أمريكا يقول العربى لتلميذه ( اعلم أن الساعة الخامسة ودقيقة واحدة هى غير الساعة الخامسة) .
يذكرنى كل هذا بمثالين فى تاريخ العرب : -
- كتب عمر بن الخطاب لعمال ديوانه وكتابه ( إن القوة على العمل أن لا تؤخر عمل اليوم لغد ، فانكم إذا فما ذلك نداءت عليكم الأعمال فلا تدرون بأيها تبدأون وأيها تؤخرون) .
- ودخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز على أبيه وهو نائم نومة الضحى وقال له ( أتنام وأصحاب الحوائج راكدون ببابك) ؟ .
وفى ذلك فليتنافس المتنافسون .

