الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 646الرجوع إلى "الثقافة"

المدح والرثاء فى الشعر العربى

Share

لكل ادب من الآداب خواص ومميزات تشخصه عما عداه من الآداب ، والبيئة هي التي تتحكم في وسم كل أدب من الآداب بسمات معينة ، وطبعه بطابع خاص ، وذلك بحسب طبيعة الأرض وطبيعة سكانها ، وطبيعة حياة هؤلاء السكان الاجتماعية والسياسية . وكل لون من الألوان الأدبية ، أو كما يقولون في مجال الدراسات المقارنة ، كل موضوع من الموضوعات الأدبية ، وكل شكل من الأشكال الأدبية ، إنما يمكن - بعد التعمق وسير الأغوار - أن يفسر ظهوره في الأدب برده إلي تلك الأسس ، فتتبين لنا جذوره العميقة الضاربة في الأغوار .

ولقد راعني حقا أن ألمح في الأدب العربي نوعا من التخصص ، ولكنه تخصص يثير في النفس الفضول ويبعث في القلق ، حقا أن هذا التخصص يمكن أن يعد ميزة لهذا الأدب ، وهي مميزة من التمييز لا الامتياز ، ولكنها مع ذلك يكون من الأدعي أن تروعنا وتثير فضولنا ؛ وأعني بذلك ظهور فني المدح والرثاء في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي وغلبتهما على سائر الفنون الأدبية فيما تلا من عصور ، حتى لو أمكننا أن نحصي كل ما قيل في المدح والرثاء لكان ذلك أكثر من نصف التراث الأدبي العربي ، وهذه الكثرة هي التي تثير فضولنا ؛ وما يمكن أن يكون لهذا القدر الأعظم من قصائد المدح والرثاء من قيمة هو ما يبعث في نفوسنا القلق ؛ وحول هذين الاعتبارين نريد أن نوجه حديثا الآن .

فيما يختص بظهور فني المدح والرثاء نري هذا الرأي الذي يعطينا تفسيرا قد يكون مقبولا ومعقولا :

أما المدح فترد نشأته الآن في الأدب العربي إلي بضعة أمور :

أولا : البيئة الفقيرة . حقا لم يكن شبه الجزيرة بقعة قاحلة جرداء كما يمكن أن يتصور الكثيرون ، ولكن هذا لا ينفي وجود بقاع لها هذه الصفة ، وقد يقال إن الفقر وحده ليس كافيا لظهور المدح ، ونحن نري هذا ، ولكن وجود نفر لهم من الثراء والقوة والنفوذ ما ليس لغيرهم هو الشطر المكمل ؛ فبين هذين الجانبين من الإعدام والثراء يقوم المدح ، وكان الشخص إذا كان أهلا للثناء ولم يجد من يثني عليه راح يتمدح هو بنفسه ، وينشر شيمه وفضائله ، وعن هذا السبيل نشأ في الشعر العربي ما يسمي بفن الفخر ، ولا إنكار لما كان يؤديه المدح في البيئة العربية من خدمات ، وكلنا يذكر المحلق وخمول صيته ونوار أخوانه حتى يمدحه الشاعر فيتناقل الناس المدحة - صادقة كانت أم كاذبة - ويتهافت الناس يخطبون إليه أخواته ، وليست هذه الأطروفة ببعيدة عما نحن فيه ؛ فكل إنسان يريد أن يتزوج من بيت كريم واسع الثراء ، وعلى هذا فأخوات المحلق - الذي لم يكن يتمتع بجاه ولا ثراء - لا محالة بأثرات ، والمنقذ الوحيد له ولهن مدحة من شاعر تسير بها الركبان .

ثانيا - كان لإمارتي الحيرة وغسلن أثر أي أثر في ترويج فن المدح ، اقتضي ذلك التنافس الشديد بين الإمارتين ! وهذا يضع إصبعنا على أثر الحياة السياسية في شبه الجزيرة منذ العصر الجاهلي في استخدام فن المدح والترويج له ، واجتذاب الشعراء بما يغريهم من عطايا وهبات للقيام بالدعاية الكافية التي تصاغ في قوالب المدح ، ولعلهم لمسوا في هذه الوسيلة نجاحا أغري غيرهم فيما بعد على الإيغال في هذه الطريق ؛ فكان الطابع الميز للشعر الأموي هو شعر

المديح السياسي ، اقتضته كثرة الأحزاب السياسية والعصبيات القبلية ؟ فكان لزاما على الحاكمين أن يولوا هذا الأمر أكبر عنايتهم ، ويجندوا أكبر عدد من الشعراء الكبار ليشيدوا بذكرهم بأبدع ما يبتكرون من أساليب المدح أو الدعاية حتى كان من بينهم من يتمتع بلقب " شاعر البيت الأموي " .

والمتتبع لهذا الاتجاه في تسخير الشعراء وتشجيع فن المديح بين الحكام والقواد وكل من تهمه الدعاية لنفسه ومدافعة خصمه ، لا يعيبه البتة أن يلمس تفشي هذا الفن من الشعر فيما تلا ذلك من عصور ، سواء أكان ذلك في شبه الجزيرة عن أصالة ، أم في الجهات الآخري بطريق العدوي .

ثالثا : ولا إنكار لما قدمه الدين الإسلامي علي يد صاحبه من لون جديد من ألوان المدح ؛ فقد كان ظهور الدين الإسلامي هو السبب المباشر في ظهور فن " المدائح النبوية " الذي أخذ سيرته عند طائفة من الناس ، ولم يقتصر على زمان أو مكان . ومنذ الآن ننحي هذا اللون من المديح من دائرة بحثنا لحاجته إلي بحث مستقل . ولكن الذي يعنينا من التعريج على هذا الجانب هو ما يمكن أن يوجهنا إليه من البحث عن أصل لهذا اللون من المدح اكثر في التقدم من ظهور الإسلام . فقد شهرت قريش بأنها سادتة البيت والقائمة على أمره ؛ وفي ذلك من الشرف والمكانة ما تقطع دونه غايات الاخرين ، ويدينون به لقريش . وخدمة قريش للبيت ، ورعايتها للحجيج ، هي ما جعلت الشاعر يقول مثلا :

يا أيها الرجل المحول رحله       هلا نزلت بآل عبد مناف

هبلتك أمك لو نزلت بأرضهم

متحرك من فقر ومن إقراف

ومن هذا يتبين لنا كيف كانت الحياة الدينية معوانا على رواج فن المدح . ولكن ما يزال يبدو لي أن هناك أصلا أعمق من سدانة قريش للكعبة التى كان يجلها الجميع ويحجون إليها . والأن قد يكون من الصعب أن نشير إلى

هذا الأصل لعدم توفر الوثائق الكافية بين أيدينا ، ولأنه يقتضينا الكلام فيما لسنا بسبيلة من تحقيق نشأة الشعر العربي .

وأياما كان من أمر فهذه أسباب تراها كافية حتى الآن في تفسير نشأة فن المديح في الشعر العربي .

أما الرثاء فيأتي تابعا للمدح ؛ لأن الرثاء - كما يقال - ليس إلا مدحا لميت . وهو بهذه المثابة بعد امتدادا للمديح ؛ فبواعثه لها أصولها فيما سبق من مديح للشخص أثناء حياته . وكل ما يمكن أن نتوقعه من فرق بين قصيدة مدح بها شخص وقصيدة رثى بها هو ظهور أثر الفجيعة في الرثاء ، وإن كان ذلك يخطئا كثيرا . وقد تختلف حول أسبقية المدح والرثاء أحدهما على الآخر ، ولكن الوضع الطبيعي يؤيد أن الرثاء نال للمدح لأن الموت نال للحياة ، وكل في ما الأمر أن شخصا قد يرثي ولم يسبق له أن مدح كصخر الخنساء أو أوسط صبية ابن الرومي ، ولكن هذا لا يحدث إلا بعد ذيوع فن الرثاء بوجه عام . والأصل البعيد الذي يمكن أن ترد إليه ظهور فن الرثاء هو ما كان معروفا من كتابات تنقش على قبور الأذواء والأفيال في جنوب شبه الجزيرة ، والأمراء والملوك في الإمارات الشمالية . ويسعدنا الحظ فنؤيد ذلك النقوش التي عثر عليها والتي تقرأ في واحد منها عن احد أمراء الحيرة " في نفس مرا القيس ملك العرب كلها " . أى هذا قبر امرئ القيس ملك العرب كلها ؛ فهذه العبارات التي كانت تنقش على القبور بقصد تخليد الذكري والإشادة بالعضل هي بذور فن الرثاء . وكما كان من الناس من يحرص على ذيوغ صيته في حياته بطريق المدح فقد كان هناك من يحرص على تخليد ذكراه بعد وفاته بطريق الرثاء .

والسبيل التي سلكها المدح في محيط السياسة والعصبيات القبلية والفرق الدينية هي بعينها السبيل التي طرقها الرثاء ، لأنه كما قلنا تابع له . وشعراء الشيعة وشعراء الخوارج على اختلاف فرقهم يملأون الدواوين بشعر الرثاء لصرعاهم .

والآن نريد أن نري ما لهذا الشعر ، مدحه ورثائه ، من قيمة أدبية ، لا باعتبار أساليبه وأفكاره ، فهذا أمر يطول

شرحه ، ولا يجدي كثيرا في تقويم أدب من الآداب ؛ ولكن باعتباره تراثا أدبيا فيه من عناصر الصدق ما يجعل له قيمة أدبية عامة ، ويقدمه بعد ذلك دراسة أساليبه وأفكاره أو خلوه من تلك العناصر التي بغيرها يكون أدبأ مصنوعا بغض النظر عن قيمة أساليبه وأفكاره في حد ذاتها .

الغريب أن نوضع لكل من فن المدح وفن الرثاء قواعد كان الشعراء في الماضي متعارفين عليها . وهي تدور حول الصفات التى يجب أن يمدح بها الممدوح . والتي كان يعرفها الممدوحون أنفسهم ويرون الشاعر مقصرا في حقهم حين يحيد عنها إلى غيرها : الشجاعة . والكرم ، وأصالة النسب ، والمكانة التي تسامي النجوم . . الخ . وفي التاريخ الأدبي روايات كثيرة تؤيد هذا .

والغريب أن هذه القواعد مسجلة الآن في كتاب الأدب للسنة النهائية من المدارس الثانوية بصورة تمتاز حقا بحسن التقسيم والشمول ، وإن كان في ذلك من الضرر والخطأ ما فيه .

وهذه القواعد التي كان يلتزمها الشعراء في المدح أو الرثاء هي التي تضع يدنا على جانب الزيف في هذا الشعر . ولو أن قصيدة أو عدة قصائد في شخص معين كانت صادقة أصيلة ولم تكن جارية وفق العرف من الصفات والأمداح لا كتسبت من وجهة نظر معينة شيئا من القيمة . ولكنها - جارية على هذا العرف - كانت صالحة لأن تقال في شخص ما وفى آخر .

وكثيرا ما تحدثنا الروايات عن شعر قيل في أحد الأشخاص ود الأمير لوفيل فيه ، وراح يعنف الشاعر الذي لا يجد له مهربا من ورطته إلا أن يحذف اسم الممدوح ويحشر مكانه اسم الأمير ويقسم أنها - القصيدة - ما قبلت إلا هكذا ! وهذا يؤكد لنا الزيف في الجانبين .

ولو أن هذا الشعر كان يسجل صفات الناس حقا . ويسجلها كما هي . . ولكنه امتاز بغشو عصر المبالغة ، والمبالغة في حد ذاتها سمة غالية لا على الشعر العربي وحده ،

بل على الحياة العربية في مختلف جوانبها ؛ وقدامى النقاد العرب عرفوا ذلك تماما وقسموا المبالغة إلى مقبولة وممقوتة ؛ على أن المبالغة أيا كانت تجرف الشاعري في تيار التزيد والكذب الذي يجدر بالفن أن يتبرأ منه . وليس الشعر يغني عن صدقه كذبه كما قال الشاعر ، ومن الناس من لم يكن ينكر على هذا الشاعر في رثائه لأبي تمام مثلا أن "يصفه بأحسن ما فيه ، ويتحله ما ليس فيه ، وخاصة في الشعر " كأنما الكذب حلال في الشعر ، ويقولون عن تأبين الميت " إن العادة جرت بأن يعطي من التفريظ والوصف وجميل الذكر أضاف ما كان يستحقه" . ويعلم الله كم كانت هذه الأضعاف المضاعفة من نصيب غير أبي تمام ، وهذا عنصر آخر من الزيف .

والكسب في الحياة أمر مشروع لأشية فيه ، ولكن إذا نظرنا إلى الوسيلة وجدنا الشعر حربا أن يبعد عن تلك الإهانة المرة التي ذاقها على أيدى أهله . اتخذ الشعراء شعرهم وسيلة إلى الكسب وعاشوا حياتهم على الاجتداء به . فإذا شعر أحدهم بالحاجة دبج القصيدة وراح يفكر فيمن سيجزل له العطاء فيقصده بها ٤ ولم يقتصر هذا الصنيع على شعر المدح ، بل امتد إلى شعر الرثاء ؛ وفي مروان بن أبي حفصة مثال على هذا حين مات معن بن زائدة ورثاه ولم يدفع له أهل المرثي المال الذي كان ينتظره في المرثية ، ما لبث أن حول القصيدة - في شئ من اللباقة - إلى مدح غيره ، وقديما علم الأعشي الشعراء فقال :

والشعر يستنزل الكريم كما    استنزل رعد السحابة السيلا

وبعد ، فإذا كانت عدوي المدح والرثاء لم يسلم منها الشعر في العصر الذي نعيش فيه . فالملاحظ أنه بدأ يشفي منها ، ونرجو أن يتم شفاؤه ليطرق أبوابا أخرى تليق بالفن والشعر ، وكنا نود له هذا الشفاء من قديم الزمن فتتحول تلك الثروة الضخمة من شعر المدح والرثاء ، ومجهود الشعراء الذي بذل فيها ، إلى محصول آخر أكثر نفعا وجدوي وأكبر قيمة .

اشترك في نشرتنا البريدية