الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 205الرجوع إلى "الثقافة"

المدينة فى الاسلام

Share

(بقية المنشور فى العدد ٢٠٣)

والمدن العربية التي أنشئت في صدر الإسلام تعين بموقها بنسبة الغاية منها . فقد كان عمر يعنى بصحة جنده ويحب ألا يحول بينه وبينهم ماء ، وعلي هذا الأساس بنيت البصرة والكوفة والفسطاط . وقد روي المؤرخون أن نفرا من جند العراق وفد على عمر ، فرأي اصفرارا في وجوههم ، ولما عرب ان الهواء الفاسد هو السبب امر ان يفتش عن مكان نقي الهواء يتخذ معسكرا لهم ، فاتخذ معسكر الكوفة ، ثم بنيت المدينة التي تحمل الاسم نفسه بعد ذلك بمدة قصيرة .

ونحن إذ نروي رغبة عمر في الا يفصل بينه وبين المسلمين ماء ، نود ان نلاحظ ان كل المدن الى نشأت في صدر الإسلام في العراق كانت غربى الفرات أو دجلة ، مثل الكوفة والبصرة وواسط . ونعتقد أن ثمة امرين يفسران هذه الخطة ؛ أما الأول فالناحية الصحية وهي التعرض لهواء الصحراء الجاف ، وهو الذي يغلب على تلك الاماكن

فلو كانت المدن شرقي النهر كان هواؤها رطبا ؛ أما الثاني فهو هذه الطبيعة البدوية التي كانت ترشد الفاتحين والغزاة والقواد في ذلك العصر ، وهو ان يكونوا على اخر حجر من الصحراء وأول مدر من العراق ، وهذا الأمر على بساطته ، يسهل على البدوي ان ينتقل من خيمته إلي المدينة ، وبذلك تبقي المدينة على اتصال بالأم التي يأتي منها ، لحين بعد الحين ، مدد جديد من العنصر النشيط . فكانت المدينة هناك ، كما يقول ابن خلدون ، لها ضواح من البادية فيها مادة يقيدها العمران بترادف الساكن من بدوها وبذلك تعمر المدينة حتي بعد انقراض الدولة التي أنشأتها .

أما تخطيط المدينة في الإسلام فلم يكن له قواعد موحدة ، ذلك أن إنشاءها كان يتأثر بالمدن الموجودة في ذلك الصقع نفسه ؛ فالبصرة مثلا كانت مقسمة خمسة اقسام تسمى بالأخماس ، نزلت في كل خمس منها قبيلة ، وجعلوا عرض شارعها الاعظم سنين ذراعا وهو المربد ، وجعلوا عرض كل زقاق سبع اذرع ، وجعلوا وسط كل خمس رحبة فسيحة مربطا للخيول ، وبنيت بيوتها بالقصب أولا ثم خيف الحريق فبنيت باللبن . وأمر الكوفة يشبه امر البصرة .

وقد مر بنا ذكر الغاية التي من أجلها بني عقبة بن نافع القيروان ، وكانت طريقته أن اختط بها المسجد ، ثم دار الإمارة ، ثم بيوت الجند . وبناء المسجد امر اساسي في كل بلد بناه المسلمون .

ويمثل بقاء بغداد والقاهرة درجة خاصة من العناية الفنية التي سمحت بها الأحوال الخاصة التي احاطت بهاتين المدينتين أما بغداد فقد عنى المنصور بنفسه بأمرها . كانت مستديرة يبلغ قطرها نحوا من ثلاثة آلاب متر إذا اعتبر سورها الخارجي حدا لها ؛ وقد اختطت بالرماد أولا ، إذ وضعت كتل من القطن مغموسة بالنفط علي الأرض وأحرقت ، ثم حفر الخندق الدائري . وقسمت أربعة أقسام متساوية ، وجعلت المدينة أربعة أبواب يبعد الواحد منها عن الآخر ربع دائرة تماما . وليس من شك في ان هذه الخطة كانت أمرا جديدا في الإسلام ، ويعزو بعض المؤرخين هذه الفكرة إلي تأثر المنصور بفن البناء الفارسي . وكان المسجد والقصور في مركز المدينة . وقد اتقدم المنصور المهندسين ومهرة العمال من أقطار العالم العربي ، وعمل في بناء بغداد مائة ألف من العمال ، وتم بناؤها سنة ١٤٥ ه .

أما القاهرة فقد وضع جوهر أساسها في الليلة التي دخل فيها الفسطاط ) ١٧ شعبان ٣٥٨-١٧ تموز ٩٦٩ ( بني جوهر قصر الخليفة واقام حوله السور ، ثم اختطت القبائل التي كانت مع جوهر خططا وحارات حول هذه المنطقة . وجاء بناء الأزهر متأخرا عن بناء القاهرة قليلا ، ذلك أن جوهرا رأي ألا يفاجيء المصريين بتغيير في مذهبهم السني ، فاكتفي بمساجدهم حتي استوثق من قوة جند الخليفة الفاطمي فبني الأزهر ، وبدا ينشر الدعوة الشيعية .

ولسنا نريد أن نعرض في هذا الحديث القصير إلي المدن التى اختطها الخلفاء واللوك والأمراء للترف والبذخ والسرور ، والتي قامت وقد بلغت الدول الإسلامية ثمانة في الثراء واتساع الرقعة والنعيم الحضري ، فقد كان طبيعيا أن تبلع من الجمال والأناقة ما بلغته الزهراء وغرناطة .

على أنه يتعين علينا أن نلقي نظرة عجلي إلي السكان الذين نزلوا هذه المدن عند إنشائها ، ذلك لأن هذه المسألة كبيرة الأهمية في توضيح الكثير من نواحي النشاط الفكري والعقلي والسياسي ، بل ومن نواحي الخصومات التي عرفت عن كثير من المدن العربية الإسلامية في عصورها المختلفة . ونحن نري أن الكوفة والبصرة والفسطاط قد سكنها أول الأمر الجند الذين عسكروا فيها ، ومن انضم إليهم من قبائلهم ؛ فكانت البصرة يسكنها الآزد وتميم وبكر وعبد القيس وأهل العالية أي بطون قريش ، ونزل الفسطاط بنو يشكر وبنو الأزرق وغيرهم ، ولما نزل أهل برقة القاهرة اختطوا حارة البرقية ؛ وكان سكان واسط العراق جند الحجاج الشامى، لكن هذا الحال لم يدم فسرعان ما هبط البصرة أتراك نقلوا إليها من بلاد ما وراء النهر ، نقل منهم جماعة إلي واسط . ونحن نعرف أن سياسة نقل السكان كانت مما يلجأ إليه في سبيل القضاء على الفتنة ، كما حدث بجراجمة لبنان الذين نقل الأمويون بعضهم إلي العراق ، ولا بد أن مدن العراق الجديدة نالها منهم نصب ؛ وقد كان سكان سامراء بادئ ذي بدء أتراكا هم جند المعتصم وحرسه

وأكثر ما يكون اختلاط الناس في المدن التجارية فالبصرة والقيروان مثلا اختلط فيها السكان يحكم الموقع التجاري ، وإن كان الاختلاط أكثر في الأولى منه في الثانية بسبب قربها من البلاد المختلفة الأجناس . ويمثل نمو البصرة نمو المدينة الإسلامية العربية التجارية ، فقد بلغ عدد سكانها سنة خمسين للهجره، اي بعد بنائها بجيل واحد ، تلثمائة ألف . والمعت عمارتها في أيام الآمويين حتى بلغت مساحتها وضواحيها ستة وثلاثين ميلا مربعا . ثم زادت ثروتها في أيام العباسيين لاجتماع التجار فيها ، وكانت تجارتها تمتد إلي الهند والصين واقصي المغرب والحبشة ، وقد قال ابن حوقل في وصف منتزهاتها : " وهي موصوفة بالمجالس الحسنة ، والمناظر الأنيقة ، والميادين

العجيبة ، والفواكه البديعة ، والبرك الفسيحة ، لا تخلو من المنتزهين ، ولا تعري من المتطرقين ، منحدرين ومصعدين واشتهر أهل البصرة بالأسفار التجارية إلي كل الجهات ، حتى ضرب المثل بهم فقيل : ) أبعد الناس نجمة في الكسب بمصري وخوزي . ومن دخل فرغانه ) في الشرق ( والسوس الأقصي ) في الغرب ( فلا بد أن يري فيها بصريا أو خوزيا ( .

والفسطاط ، وهي اليوم آثار دارسة ، كانت إلي قبل بناء بالقاهرة عظيمة متسعة ، إذ لم تلبث بعد أيام عمرو بن العاص حتي أصبح فيها عشرون من الخطط ، ثم اتسعت حتى بلغ طولها على ضفاف النيل ثلاثة أميال . وقد قال فيها الشريف العقيلي

أحن إلي الفسطاط شوقا وإنني

                                لأدعو لها ألا يحل بها القطر

وهل في الحيا من حاجة لجنايها          

                                 وفي كل قطر من جوانبها نهر

نبذت عروسا والمقطم تاجها

                                   ومن نيلها عقد كما انتظم الدر

ولسنا نقصد أن نتابع نمو المدن الإسلامية في عصورها المختلفة ، فهذا أمر تضيق عنه الكتب بله الحديث المقتضب . ولعل فيما أشرنا إليه الكفاية .

والمدينة تمثل في حياة الدولة العربية المبكرة دورا كبير الأثر من الناحية القومية . فقد كانت عصبية عرب الجاهلية قبلية محضة ، فلما جاء الإسلام صارت حياتهم اساسها الدين ومثله . واهتم الأمويون بالعصبية العربية القومية وبتعريب الإدارة ، وكانت اللغة العربية قد انتشرت في كثير من الأصقاع خصوصا المدن التي بناها العرب . ولما عمر العرب المدن وسكنوها حلت عصبية المدينة مكان عصبية القبيلة ، حتى إننا نري ابناء القبيلة الواحدة في البصرة يقاتلون إخوانهم من نفس القبيلة في الكوفة

ففي واقعة الجمل كانت الحرب بين البصرة والكوفة ، فلما نشب القتال تصدرت قبائل اليمن البصرية لقبائل اليمن الكوفية ، ونزلت قبائل إلي مصر ، وربيعة إلى ربيعة وكذلك في واقعة صفين ، وهي بين أهل الشام وهي رأسهم معاوية وبين أهل العراق وقائدهم علي ، فلما التحم القتال استحث على من معه من القبائل علي اخوانهم في معسكر غدوه ؛ فقال للأزد : " اكفونا الأزر " .

على أنه لما عني الأمويون بالدولة العربية على أساس عروبة اللغة والنسب والفكر والأدب والشعر ، اصبحت المدن مراكز لهذه الحركة القومية التي لم يكتب لها عمر طويل ، لأن الدولة الأموية قضت سريعا . أما في زمن العباسيين فقد أصبحت العواصم والمدن الكبرى مركزا للتعريب الفكري والعقلي والعلمي .

والمدينة العربية ، شأن كل مدينة في العالم القديم والحديث ، كانت مركز الحياة الفكرية والأجتماعية والسياسية ، فيها قامت المدارس ونشات الجامعات وعقدت مجالس الأدب والمناظرة ، وفي هذه الحلقات المختلفة نضجت الحياة العقلية الإسلامية العربية ، وانت ثمرها . ومن هذه المدن في العراق وسوريا ومصر وصقلية والاندلس انتشرت الآراء والأفكار التي نقلت أوربا من عقلية القرون الوسطي إلي النهضة الحديثة . هذه هي الخدمة التي قدمتها المدينة العربية ، وهي شبيهة مما قامت به المدينة اليونانية والرومانية للتمدن .

والفرق بين أثر الحضارة اليونانية والرومانية وأثر الحضارة الإسلامية في بلادنا ، هو أن هذه الحضارة كانت وسيلة اللغة العربية التي انتشرت في المدينة والريف ، ولذلك تركت لنا وحدة روحية قومية لا سبيل إلي التغلب عليها .

القدس

اشترك في نشرتنا البريدية