إن العرب قبل الإسلام غلبت عليهم البداوة في جزيرتهم . فكانت حياتهم أساسها التنقل التجاءا المرعى ، وعمادها بيت يسهل تركه ، وخيام تضرب في المكان أياما ثم تحمل إلى غيره ، وما أحسن ما وصف رحيلهم الحارث بن حلزة إذ قال :
أجمعوا أمرهم عشاء فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
فمن مناد ومن مجيب ومن تصد هال خيل خلال ذلك رغاء
فإذا اطمأنت جماعة منهم إلى ماء لا ينضب له معين ، في قلب القفار الشاسعة ، وأرض تنبت الحب والنخيل ، وتغذو الإبل والشياه ، أقامت الجماعة فيه إقامة مازج بداوتها شئ من الحضارة ، ورافق الرعي بعض الصناعة ، واستقر القوم في قرية أو بلد . وهذه واحات نجد تقوم شاهدا على ما كانت عليه تلك البلاد قبل الإسلام
وقد تقع إحدى هذه الواحات في طريق قافلة تحمل المتاجر من صقع إلى آخر ، فينشد رجالها مأوى في الواحة ومطعما ، ويألف التجار النزول فيها والاستقرار ، ثم يتخذونها سوقا يتبادلون فيها السلع مع غيرهم ، بدل أن يقطعوا جميعهم المسافات البعيدة ، فيصبح المكان مدينة كبيرة كما كانت مكة قبل الإسلام ، فقد جعلها موقعها على طريق القوافل بين الشام واليمن سوقا ومتجر يهرع إليه البائع والشاري فيصب كل طرفا وتحفا . ويحمل إلى أهله وبلده من غلات الأقاليم النائية ما عز وغلا . بل إن أهل مكة أنفسهم أصبحوا يحملون المتاجر التي كانوا ينقلونها من اليمن والشام . فمع أن مكة كانت في واد غير ذي زرع ، فقد كان لها من تجارتها مصدر ثروة كبيرة ، وكان سكانها أصحاب رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام ؛ وقد ذكر ذلك في القرآن
الكريم في قوله تعالى : ( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ، فليعبدوا رب هذا البيت ، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) . ونحن نلمح آثار هذه النعمة فيهم في وصف قوافل التجار التي كانت تنتقل بين مكة ودمشق وصنعاء ، فما كان أشبهها بحملات تجارية كبيرة يقوم على حمايتها جيش من الأحباش المأجورين لذلك ، وما يحمي جيش إلا قافلة عظيمة الغنى ، كبيرة المتجر .
إلى هذين اللونين من الحياة العربية قبل الإسلام لون البداوة المحضة ، والحياة التجارية المتركزة حول السوق - يمكن أن نضيف حياة متحضرة علي خير مما عرف العالم القديم حياة أساسها استغلال الأرض في الزراعة ، وجمع الماء خلف السدود لإروائها وتوسيع مدى عمل الإنسان فيها ، واستثمار سفوح الجبال في زراعة الفواكه ، بل والتنقيب عن الثروة المعدنية في باطن الأرض . كل هذه الأعمال عنوان حياة حضرية قوامها سكنى المدن وتجمع الناس والتعاون بينهم ، وتنظيم العمل ، وتبادل المنافع والمرافق . وهذه صنعاء ومأرب وغيرهما من مدن اليمن تشهد بأن أهل تلك البلاد كانوا يعيشون في المدينة والقرية ، لا في الخيام وبيوت الشعر . وهذا سد مأرب هو كما قال فيه الشاعر :
رخام بنته لهم حمير
إذا جاء مواره لم يرم
فأروي الزروع وأعنانها
على سعة ماؤهم إذ قسم
وكانت للعرب قبل الإسلام مدن أخرى في مشارف الشام والعراق . كانت لهم البتراء وبصرى وتدمر والحيرة مدن قامت حيث مرت طرق القوافل ، فكانت مراكز للتجارة ، وكانت فضلا عن ذلك مراكز المدينة . فثمة الشوارع الجميلة والأعمدة البديعة النقوش والهياكل الفخمة . وهذه المدن التجارية اعتمدت حياتها على مرور التاجرين منها ، فلما انقطع سبلهم لسبب من الأسباب ، أفل نجم المدينة ، وخربت ، ولم يبق منها أو من بعضها على
الأقل ، إلا الأطلال التي تشير إلى أيام الثروة والرخاء
هذه نظرة عامة إلى ألوان الحياة من حيث تجمع الناس في بلاد العرب قبل الإسلام فلما نزل الإسلام بين العرب وغير حياتهم هذا التغيير الذي نعرفه ، والذي حملهم من قفار بلاد العرب إلى سهول الهند وجبال طوروس وشواطئ البحر المتوسط ، وسواحل المحيط الأطلسي ، كان طبيعيا أن يتغير لون حياتهم ، ونظام معيشتهم ، وطرق توزع السكان . فقد احتلوا بلاد كانت للحياة الزراعية فيها قبلهم دولة ، وفتحوا أقطار كانت تجارتها راسخة القدم ، ونزلوا أصقاعا ثبتت صناعتها على غير الزمن ، وكانت المدن فيها معروفة مأهولة، وحياة المدينة عماد تنظيمها السياسي والاقتصادي والاجتماعي .
انتقل العرب إلى محيطهم الجديد ، ونقلوا معهم مثلهم العليا الجديدة التي جاء بها الإسلام ، ولغتهم الحية الناضجة التي نزل بها القرآن ونشاطهم وحيويتهم وعواطفهم ومزجوا ذلك بأدب الفرس وعلم اليونان وإدارة الرومان فخرج للعالم من كل تلك المدنية الإسلامية العربية التي انتشرت بدورها من المدن التي عمرها العرب .
وهذه المدن التي ازدهرت في العصور العربية المختلفة كان بعضها مما بنته الأقوام السابقة ، فسكنه العرب وأصلحوه إن كان قد أهمل أو تهدم ؛ وبعضها مما أنشأه العرب من جديد ، وهذا هو النوع الذي أريد أن أتحدث عنه . وأنا واثق من أن المجال لا يتسع لهذا البحث كله . ولذلك فإنني أنوي أن أعرض للأمر من نواحيه العامة . جاء بناء المدن واختطاط المنازل في الدولة الإسلامية أمرا طبيعيا بعد احتلال البلاد وفتح الأقطار ، فما كان لهم وهم بدو بعيدون عن حياة الترف والمتعة ، أن يفكروا في المدن والأمصار . فلما اضطروا إلى إدارة البلاد المفتوحة ، وعرفوا منازع الحضارة عمروا المدن ، وكانوا كلما أمضوا في الملك والاستقرار انتشرت مدنهم واتسعت . وقد خضعت
المدن التي أنشأتها الدول لأغراض سياسية خاصة لقاعدة الخراب مع زوال الدولة أما المدن التي قامت على أسس صحيحة من حيث الموقع والمناخ فقد عمرت طويلا ، ولا يزال الكثير منها قائما إلى الآن كالبصرة وعينتاب وبغداد والقاهرة
وكانت أقدم المدن التي أنشأها العرب البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان وواسط . ونحن إذا استعرضنا هذه المدن وجدنا أن أصلها مراكز للجند ؛ فقد كانت البصرة معسكرا للجند قبل بنائها مدينة بنحو ثلاث سنوات ، ثم اختطت المدينة لتكون مركزا للجند ولإدارة جنوب العراق المفتوح ، وأصبحت البصرة والأيلة فيما بعد مركزا تجاريا بمنطقة شط العرب ، وبعد القادسية أمر عمر سعد بن أبي وقاص بإتخاذ معسكر للجند في أواسط العراق فأقيم المعسكر سنتين ثم بنت الكوفه في موضعه ، بناها سعد بأمر عمر . ولما فتح العرب مصر واحتلوا الإسكندرية أراد عمرو بن العاص أن يتخذها عاصمة لمصر ، فكتب إلى عمر ، فلما عرف الخليفة أن النيل إذا أمتلأ يفصل بينه وبين المسلمين منع عمر من اتخاذها عاصمة ، وأمر أن تكون الفسطاط عاصمة مصر ، فكان ذلك أصل هذه المدينة . وكذلك فتح عقبة بن نافع شمال أفريقية ، واحتاج إلى مركز للعمليات الحربية ، ودار للتموين والسلاح لمهاجمة البلاد الباقية ، فبنى القيروان بالقرب من تونس الحالية . ولما ولي الحجاج لإدارة العراق ، وهدأ ثورثه على الأمويين ، أراد أن يتخذ له مركزا لإدارته ومقرا لجنده بحيث يكون بين البصرة والكوفة ، وبحيث يبقى جنده الشامي بمعزل عن جند العراق وأهله ، فبني واسط بين المدينتين المذكورتين واتخذها مقرا لعسكره .
وبناء المدينة للدفاع والإدارة والفتح أمر طبيعي لأن الدفاع عنها أسهل من الدفاع عن المعسكر المكشوف في حالة قيام ثورة . وقد عرض ابن خلدون لذلك إذ قال " إن
القبائل والعصائب إذا حصل لهم الملك اضطروا إلي الاستيلاء على الأمصار لدفع ما يتوقع على الملك من أمر المنازعين والمشاغبين . . فيعتصم ( صاحب الأمر ) في المصر ويغالبهم . ومغالبة المصر علي نهاية من الصعوبة والمشقة . والمصر يقوم مقام العساكر المتعددة لما فيه من الامتناع ونكاية الحرب من وراء الجدران من غير حاجة إلى كثير عدد ، ولا عظيم شوكه " .
وينطبق هذا القول بشكل خاص على نوع من المدن عني العرب به في العصرين الأموي والعباسي بشكل خاص . ذلك أنهم لما لم يتمكنوا من التقلب على الدولة البزنطية واضطروا إلى الوقوف في جبال طوروس وأرمينية ، عمروا مدنا كثيرة كانوا يسمونها الثغور أو العواصم كانت أكبرها ملطية . وقد كانت الغاية من هذه أن يقيم فيها الجند في فصل الشتاء ، حتى إذا بدت طلائع الصيف قاموا فيها بحملات عسكرية ضد البزنطيين ؟ وهذه بقيت معسكرات ، والحق أن العرب لم ينشئوا هنا مدنا جديدة ، لكنهم عمروا بلدانا كان الدهر قد أخنى عليها بكلكله فهدمت وعفت آثارها .
ومما يلفت النظر في حياة المدينة في العالم الإسلامي أن كل دولة قامت اتخذت لهما عاصمة جديدة . فقد كانت المدينة عاصمة النبي الكريم وعاصمة خلفائه الراشدين حتى انتقل على إلى الكوفة . فلما قامت دولة الأمويين اتخذت دمشق عاصمة لها . ودمشق أقدم من الامويين ، لكن دمشق العربية أموية الولد والنشأة ، وهو الأمر الذي حافظت عليه دمشق إلي يوم الناس هذا . أما العباسيون فلم يتخذوا مدينة قديمة خاصة ، وإنما انشأ المنصور بغداد لتكون عاصمة للفكرة الجديدة والخلافة الجديدة والملك الجديد . فكانت بغداد في اختيار مكانها وتخطيطها وسكانها ممثلة للحركة التي عرفها العالم الإسلامي على أيدي العباسيين . ومثل عمل العباسيين في العراق ، عمل
الفاطميين في مصر ، فقد كانت القيروان عاصمتهم حتى فتح جوهر مصر وبنى القاهرة عاصمة الدولة الجديدة . ونحن لاننكر أن المدينة الجديدة أقيمت على مقربة من عواصم مصر الإسلامية السابقة كالفسطاط والعسكر والقطائع ، لكن بناء القاهرة كان إعلانا للناس بأن عهدا جديدا قد انبثق فجره في مصر . وهكذا كانت كل من بغداد والقاهرة حصنا للدولة التي قامت بإنشائها ورمزا لسياستها .
على أن إنشاء المدن ، وانتقال الناس إليها ، واستقرارهم فيها ، وعنايتهم بالصناعة والتجارة ، أمر طبيعي متصل بنوازع الحضارة ، ونمو الملك واتساعه . فكلما اتسعت رقعة الدولة وانتشر الأمن في ربوعها ، وتقارب الناس في مصالحهم وتناولوا في سبيل الجماعة كان نشوء المدن أمرا ضروريا وعندها يتحتم على أولياء الأمر أن يتعهدوا هذه الحركة ويوجهوها توجيها صالحا يحول دون اضطراب الأمور فيها . وقد انتبه الأمراء والخلفاء إلى ذلك ، فعني سيف الدولة بالمدن في مملكته علي نحو ما حدث في بنائه عينتاب ، واهتم الأمويون بقرطبة ، ووجه بنو الأحمر عنايتهم إلى غرناطة كما عنى الخلفاء ببناء المدن التي كانت الغاية منها المتعة والسرور ، مثل سر من رأى ( سامراء ) والمتوكلية والزهراء ، والزاهرة ، وهذه أشبه شيء بالحدائق الغناء ، والقصور الفسيحة التي تبنى في العالم المتمدن اليوم . وكان إنشاء هذه المدن في عصر تمت فيه ثروة العالم الإسلامي ، وبلغت حضارته الأوج ، فأصبحت مدنه مدارس يتعلم فيها العالم المعروف عندئذ ( للبحث بقية )
