الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 50 الرجوع إلى "الثقافة"

المرحوم الشيخ قراعة المفتى والأديب

Share

طوى الموت فى ثالث أيام عيد الفطر صفحة حياة جليلة هى حياة المرحوم الشيخ عبد الرحمن قراعة مفتى الديار المصرية السابق وأحد ائمة الدين المعدودين ، ففقدت مصر بفقده عالما جليلا جمع بين التفقه فى الدين والتفوق فى الأدب ؛ فقد كان رحمه الله ناثرا وشاعرا كتب فى كثير من المواضيع ، ونظم فى شتى المناسبات قصائد رائعات ، تدل على مكانته فى الأدب .

حدث مرة أن دس له بعض الحاسدين عند شيخ الإسلام المرحوم الشيخ محمد الانبابى ، وذلك عندما تولى الأخير المشيخة بدلا من المرحوم الشيخ المهدى .  وكان من التهم التى نسبت إليه أنه أنشأ قصيدة يهجو بها المغفور له الشيخ الانبابى مطلعها :

خذوا حذركم فالأمر قد جاء بالضد

               فقد ظهر الدجال واحتجب المهدى

فأحدثت هذه السعاية أثرا فى نفس الشيخ الانبابى ، فكتب إليه الفقيد رسالة تعد آية أدبية ، برأ نفسه فيها مما اتهم به ، وعاتب الشيخ على سرعة تصديقه لوشاية الساعى فيه وتسرعه فى مهاجمته وذمه ، قال فيها : " ما لمولاى وهو الوالد المبرور والناقم المشكور ، والعاتب الذى نتوخى رضاه والغاضب الذى نخشى أن يجر غضبه إلينا غضب الله ، يمزق فى مجلسه أديمى ، ويستحل ما حرم الله من عرضى ، وأقذف بما أوجب الله فيه الحد ، وينتهك من حرمتى ما الله يعلم أنى منه براء ، ولا نجد منه إنكارا على القائل ، ولا إعراضا عن الناقل . ولو شاء لعاملنا بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أتصيبوا .. " الآية .

وكأن هذه الرسالة لم تكن كافية على ما فيها من حجج وعتاب ، وتقدير واستنكار ، فنظم رحمه الله قصيدة بعث بها أيضا إلى الشيخ الانبابى استهلها بقوله :

أما آن أن تساو الرباب وزينبا

             وتقلع عما كان فى زمن الصبا ؟

ألم تعتبر إذ كنت أجرد أمردا

              ودهم الليالى قد تركنك أشيبا ؟

إلى أن قال مخاطبا الشيخ الانبابى رحمه الله :

ملاذى وأستاذى وكهفى ومعقلى

             ووالد روحى البر إن شاء أو أبى

" محمد الانبابى " أندى الورى يدا

              وأقومهم فى نصرة الحق مذهبا

                     ***

لعلك بالعفو الذى أنت أهله

               تمن على من لم يكن لك مذنبا

وهب أنى قارفت ما زعم العدا

              فإعراضك الماضى كفانى مؤدبا

على أن أروع ما تظهر فيه براعة الأستاذ الأدبية إنما كانت رسائله إلي أصدقائه من الأدباء والعلماء ، سواء لمجرد المساجلة الأدبية ، أو لقضاء حاجة من الحاجات .

فقد كتب مرة يعاتب صديقا : " لو غيرك طارحنى العتاب ، وناقشنى الحساب ؛ لعرفت كيف أجيد الدفاع ، وأين أضع قدمى فى موطن النزاع ؛ ولكنه الود الذى يعقل اللسان عن البيان ، ويربط الجنان عن إقامة البرهان ؛ مشفوعا بأياديك التى لا أجحدها ، ومننك التى ما عشت لا أزال أحمدها ؛ وكلاهما سفير لا تخيب سفارته ، وشفيع لا ترد شفاعته ؛ فلا تبالى معهما أسأت أم أحسنت ، وضننت أو مننت ، وصلت أو جفوت ، وجرحت أم أسوت ؛ ومعاذ الله أن أرد عتبا بعتب ، أو ذنبا بذنب ... " الخ .

وإليه ينسب (رحمة الله عليه) الدور الغنائى المشهور : " الله يصون دولة حسنك " .

وبعد فتلك أمثلة صغيرة اجتزأنا بها من نماذج لشعر ونثر المرحوم الشيخ قراعة ، راجين أن تتاح الفرصة لبعض المشتغلين فى الأدب ، فيجمع آثاره نثرا ونظما ، سائلين الله للفقيد الرحمة ، معزين فيه إلى جانب أهله اللغة والدين جميعا .

اشترك في نشرتنا البريدية