الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 638الرجوع إلى "الثقافة"

المساجد أصدق رمز لروح الإسلام

Share

إذا كان علماء التاريخ قد أجمعوا على أن الآثار المشيدة أصدق من الأخبار المقيدة ، وأن نقوش الأحجار مقدمة على سطور الأسفار ، وإذا كان من المتفق عليه أيضا أن العمارة تساير الفكر البشري جنبا إلي جنب في كل تطوراته وتغيراته من جمود وحركة وركود ونشاط ، وهبوط ورفعة ، وأنها هي التي تحدد أغلب الأفكار العامة ، وأكثر الرموز الدينية ، وترسم المراتب الاجتماعية للأمم في صورها البارزة الخالدة على صفحات تلك الكتب الكبرى ، أى المشيدات العظمي ، وإذا كان الجنس البشري إلى عهد استكشاف المطابع لم يجد مستودعا يحفظ فيه أسرار تاريخه ، ونتائج مجهوداته ، أوثق ولا أثبت من المباني الصخرية . ولا ريب أنه محق في هذا لأنه يود أن يحتفظ بمظاهره الاجتماعية . ومنتجاته الفكرية ، وجهوده السياسية ، وتقاليده الدينية ويريد أن هذه الجهود كلها تبقي وتتضافر على التأثير في العصور القادمة كما اثرت في عصورها التى نشأت فيها . وذلك أمنية لا يظهر بها إلا إذا أثبت كل ذلك في قرار مكين من الصوان ، ليقاوم أحداث الرمان . ولما كان عود من الثقاب كافيا للقضاء على أعظم كتاب ، وكانت محاولة هدم أبنية الآثار في حاجة إلى ثورة سياسية ، أو إلى وثبة اجتماعية أو ظاهرة طبيعية ، فلم يكن هناك به من الجزم بأن الآثار هي خير حافظ للأفكار والأخبار .

ولما كانت الأديان هي الدعامات الأساسية للمدنيات . فقد كان من الطبيعي أن تكون المعابد هي أبدع الكتب الصخرية التي نشأت لدى الإنسانية ، إذ أن عليها تبدو مظاهر النفوس الوثابة التى اعتنقتها ، والقلوب النقية التي آمنت بها ، والقوى الهائلة التى تكاتفت على حمايتها ورفع شأنها ، والعقليات التي افتنت في تطورها وخلودها ، ومن ثم لم تظهر عبقريات الفن الإسلامى ، ولم تبد مراميه الاجتماعية ، ولم تنكشف أهدافه الإنسانية كما تكشفت في المساجد ؟

ففي صورها الناطقة بالبساطة والديموقراطية الحقة ، لا الزائفة المؤسسة على الدعاية الكاذبة ، يتضح الإسلام على حقيقته ، ولكي نفهم لغة هذه الأحجار التي شيدت بها المساجد ينبغي أن نوازن بين المعابد المصرية القديمة وبين تلك المساجد التي جعلت من القاهرة مقر الأفكار الإسلامية ، ولا نكاد نفعل حتى يباغتنا ذلك التعارض المجسم الذي نشاهده بين النوعين والذي لا يسعنا تجاهه إلا أن نتبين الأدوار المختلفة التي مثلها التطور الاجتماعي على مسرح تاريخ وادي النيل في عصوره الأثرية والإسلامية ؛ فأنت لا تكاد تضع قدميك في المعابد الأثرية حتى يبهر عينيك ويهول عقلك ما تشاهده فيها من عظمة ومنابة وطغيان ، كأنه يتحدى الزمان ويعاند الأيام ، ولا توعك أن تتأمل فيما على جدرانها من صور ولوحات ورسوم ، حتى يملك عليك أحاسيسك ما تراه مائلا أمامك من احتفاظ تلك الرسوم بالعناصر البدائية والنماذج التقليدية وتفاصيل الطقوس الدينية ، والعادات القومية وما إلى ذلك من الشئون الاجتماعية ، وهي في كل هذا تحاول أن تخضع جميع صور الإنسان والطبيعة لقواعد رمزية مفهومة حينا وغامضة أحيانا ؛ وكل ما يتعدى حدود هذه القواعد يخرج عن إطار التقوي ، ويهوي في حضيض التزندق أو الإلحاد وبالإجمال كل ما في هذه المعابد ناطق بسلطان الدين المستبد وحكمه المطلق ، وطغيانه الذي لا يعرف هوادة ولا لينا .

كما أن تلك الرموز الغامضة تشير إلى اشتمال ذلك الدين على أسرار هائلة ، وخفايا مرعبة ، ودخائل رهيبة ، لا تباح معرفتها للشعب ، ولا يجرؤ على الإحاطة بكنهها غير الكهنة المختارين . ومعنى هذا أن تلك العابد تشعر رائيها للوهلة الأولى بالغموض والتعقد والرهبة والطغيان ، وبأنها ملك للكهنة وحدهم . وليس للأمة فيها أدنى وجود ، أو هي تقذف في نفسه بأنه أمام كتاب مظلم لا يباح تصفحه إلا لطبقة واحدة محظوظة ، وهي طبقة رجال الدين .

أما الحالة في المساجد فهي مغايرة للأولى تمام المغايرة ، إذ لا يكاد الناظر يتطلع إليها حتى يسحر عينيه ما تشتمل عليه من عظمة المظهر وبساطة الخطوط الرئيسية في الهيكل العام ، ويفتن قلبه ما تحتويه من ثراء في الحلى ، وتنوع في الزخرفة . وليست العظمة هنا ناشئة عن الغموض ، أو مبعثة عن الرهبة المظلمة الحزينة ، كما هي الحال في المعابد الوثنية ، وإنما هي ناشئة من منظر المآذن المنتصبة في عزة واستقامة تمثلان الفضائل الرئيسية للاسلام ، والمتجهة نحو السماء غاضة الطرف عن الأرض ومن عليها ، تشبه القلب الموحد العامر بالإيمان الذي لا يتجه إلا إلى من بيده الملك غير مكترث باوك الذين لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشئ لم يرده الله له لما استطاعوا ، ولا آيه لهؤلاء الذين لو اجتمعوا على ان يضروه بشئ لم يرده الله له لما استطاعوا . ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .

وإذا انصرفنا عن المظاهر الخارجية ودخلنا تلك المساجد ألقيناها غاية البساطة والقناعة والتواضع ، وأحسسنا بأنها للجميع ، لا فرق فيها بين كبير وصغير ، وثرى وفقير ، وشعرنا بأن جميع الفوارق والاعتبارات قد انهارت فجأة عند تخطى هذه العتبات الفاصلة بين أباطيل المجتمع وحقائق الإيمان . وما ذلك إلا لأن الإسلام هو دين السماحة والتسامح ، والديموقراطية الحقة ، والحرية الصحيحة ، والتواضع النقي ، والتسوية امام القانون ، والأخوة في الله . ولم لا ؟ أليس هو الذي يقول في كتابه : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " ويهتف نبيه بأن " الناس سواسية كأسنان المشط ، لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوي "

وإذا كان الأمير يشعر بأنه يتساوي مع الصعلوك خمس مرات في كل يوم وليلة ، حين يركعان ويسجدان في صف واحد جنبا إلى جنب ، وجبهة إلى جبهة . أولا تكون المساجد الإسلامية في هذه الحالة خير مصنع يصوغ الديموقراطية في احسن صورها ، وأبهي رسومها ، وأعظم مدرسة تهذب النفوس وتزيل منها آثار الضجهية الكاذبة ، وتعودها على التواضع ولين الجانب ووداعة الأخلاق ! .

ومما تمتاز به المساجد كذلك أنها تمثل الروح التطورية التي أمر بها الإسلام حين أعلن صلاحيته لكل زمان

ومكان ، فهي ناطقة بالحركة والتنوع ، والحدة والتقدم والابتكار . وقصارى القول : أن الفنيين الذين شادوا تلك المساجد قد استطاعوا - بمواهبهم أو بفضل المشرفين عليهم - أن ينجحوا نجاحا تاما في جعل ظواهرها ودواخلها لوحة صادقة تمثل المسلم الحق في عزته واستقامته واتجاهه إلى ربه وتسامحه وتواضعه وبساطته وديموقراطيته وحبه للحرية والحركة والتقدم والتجديد .

نعم إن المسجد هو موضع السجود في أي مكان بلا قيد ولا شرط ، وكان من الممكن أن يكون أى متسع من الأرض الطاهرة مسجدا يحقق البساطة أكثر مما تحققه هذه الشيدات المزخرفة ، ولكن لما كان هناك من المعاني الاجتماعية ما برهن الزمان على أن الإسلام ثري بها في جميع نواحيه فقد انتضت حكمة المهيمنين على الشئون الإسلامية تدوين هذه العاني في تلك الكتب الفنية الرائعة ، وهي كتب المآذن والقباب والسقف والحوائط والمنابر والمحارب التي تشهد بأكرم الخلال وأنبل الخصال ، وتسجل أروع أنواع العظمة وأسمى مظاهر الجلال .

اشترك في نشرتنا البريدية