يقال إن مستشار جلالة الملك ابن سعود المستر جون بردجر فيلبي ، هو صاحب فكرة المؤتمر الذي سيعقد بعد قليل لبحث المسألة الفلسطينية ، وأنه نصح وزير المستعمرات الإنجليزي مالكولم ماكدونالد بتنفيذها ، فقبل رأيه ونفذه كما هو معروف . والمشهور عن فيلبي أنه من أعرف الإنجليز ببلاد العرب وقضيتهم ، فلا يبعد أن تكون الحكومة الإنجليزية سألته رأيه في هذا الموضوع ، فأفتى بعقد المؤتمر ، ولكن الظاهر أن طريقة تنفيذ الفكرة لم ترضه . وإليك حديثًا له مع صحفي انجليزي ينقد فيه طريقة تكوين هذا المؤتمر ، ويبدي رأيه في تعديلها حتى يؤتى المؤتمر الثمرة المطلوبة ، قال المستر فلبي :
" إن الأسباب التي استبعد من أجلها المفتي من عضوية المؤتمر ليست وجيهة ولا مقبولة ، إنني على ثقة من أن الحكومة لا تملك برهانًا واحدًا تؤيد به التهم التي توجهها إليه وتبعده عن المؤتمر بسببها " . ثم قال : " ومما يؤسف له حقًا أن سوريا ولبنان غير ممثلتين في هذا المؤتمر ، ومسألة فلسطين أمس بهما وأكثر أهمية لهما منها لأي بلد آخر من اللواتي دعين للمؤتمر . ولا بد أن يتدارك المسئولون هذا الخطأ ويدعوا ممثلي هذين البلدين للاشتراك في أعماله" . ثم قال وكأنه يوجه الحديث إلى مندوبي البلاد العربية ويلفت نظرهم إلى مسألة المسائل في المؤتمر ، قال : " وإني لفي شك مما إذا كان المندوبون سيناقشون الأساس القانوني للانتداب نفسه ... فإذا حدث وتعرضوا له وطلبوا الفصل فيه .. فأظن أن أبواب محكمة لاهاي مفتوحة أمامهم ، يستطيعون أن يعرضوا الأمر عليها ، لتقرر ما إذا كان وعد بالفور ، والوعود التي قطعها لورنس على نفسه للعرب ، تتعارض مع فكرة الانتداب وروحه " .
أدهشني قول الفتاة حقيقة . وعجبت أن شفتيها اللتين لا تعرفان غير مس إصبع الأحمر يمكن أن يخرج من بينهما هذا الكلام العميق ، نعم إن الرسل والأنبياء ينبغي أن يتركوا سماءهم ويهبطوا إلى الأرض كي يصعدوا بالبشر . هنا قوة الأنبياء والرسل . وهنا التجربة القاسية والامتحان الصارم الذي كتب عليهم أن يجوزوه . فعلى الرسول أن ينزل بين الناس ويمر بأدرانهم ، كما يمر شعاع الشمس بدود الأرض وحشرات التراب ، ويخرج من بينها وضاء نقيا لم يعلق به من القذر شيء . ثم هو فوق ذلك يخترق بطون الأشياء وصدور الكائنات فيملؤها صحة وقوة . ويرتفع طاهرًا كما نزل طاهرًا ، بعد أن غمر الوجود بالطهر والنور . ذلك هو النبي الحق . لطيف كالضوء , خفيف كالهواء ، إنه من مادة السماء ، فهو دائم الاتصال بها مهما تركها . أما من هبط فرسب ولم يستطع العودة إلى الأعالي فهو الرسول الكاذب . وإن الأرض لخداعة . وإن جمالها لبراق . وإن ابتسامتها لمغرية . وإنها لتنتقم أحيانًا من أولئك الهابطين لاستنقاذ البشر
من بين أحضانها . ويلذ لها أن توقعهم في حبالها وتمرغهم في أوحالها وتضحك من أجنحتهم البيضاء وقد عقرها التراب ، ومن أرديتهم المقدسة وقد لطخها الطين ! . . وتذكرت " بافنوس " مرة أخرى ، وتخيلت كارثته ومأساته . . . .
ولقد تركت الفتاة تمضي ذلك اليوم دون ان أصغي إلى طلبها . فقد قلت لها إني لن أغادر مكاني ولا كتبي من أجل شيء . ومهما يكن من أمر حجتها القوية فإني لا أستطيع على كل حال أن أخرج مع فتاة ، أو أن أذهب لمشاهدتها وهي تلعب " التنيس " . وإن كل صلتي بها لا تعدو ، ولا ينبغي أن تعدو الغرض النبيل الذي جاءت له ، وهو التحدث في شئون الفكر . . .
مر يومان على زيارة الفتاة ، وإذا الباب يطرق على . إنه ليس موعدها . فمن الطارق ؟ وأذنت في الدخول . وإذا أنا أمام شاب حسن المنظر ، أنيق الثياب ، مشرق الوجه ، لطيف الإشارة ، كل شيء فيه يدعو إلى احترامه ومحبته والإيناس به . فحياني وقدمت له مقعدًا فجلس وقال :
- إنك لا تعرفني. ولكني أعرفك من كتبك . منذ زمن طويل . ولست أدري ما الذي أقعدني حتى الآن عن الحضور إليك ! من الأمانة أن أبادر فأقول إن الفضل في حثي على القدوم يرجع إلى ... شخص آخر . فنظرت إليه نظرة السؤال ، فمضى يقول :
-إلى خطيبتي فأدركت من الفور ... غير أني رأيت أن أتريث ، فقلت له : - ألي الشرف أن تكون هي أيضًا من بين قرائي ؟
فقال : - أشد قرائك تحمسًا ! فأبديت دهشتي : -كيف ذلك ؟ فقال مبتسما :
- إن لهذه المسألة قصة طويلة . ولكني أكتفي الآن بالقول : إن خطيبتي التي كانت تكره الكتب قد بدأت منذ أسابيع تقبل على القراءة على نحو أدهشني . لقد قرأت كتاب " تاييس " في ثلاث ليال ...
فملكت نفسي حتى لا يبدو على وجهي العجب ، إن الفتاة قد كذبت عليَّ إذن يوم ردت إليَّ الكتاب قائلة إنها لم تطالع منه سوى بضع صفحات ! لماذا فعلت ذلك ؟ ولم أسترسل في التفكير ، فقد مضى الشاب يقول :
- وإنها تقرأ الآن كتبك كلها ، وتكاد تفرغ منها . وإنها تناقشني فيها مناقشة تحرجني أحيانًا . وتسألني عنك أسئلة لا أستطيع عنها جوابًا ، وأمس حينما أخبرتها أني لم أرك قط سخرت مني ، ثم غضبت ، وأقسمت أنها لن تراني حتى أراك وأزورك وتنشأ بيننا صلة ! فقلت للشاب :
- إني سعيد بمعرفتك ، وأود لو ألقي عليك سؤالًا : أسبق لخطيبتك أن رأتني ؟ فأجاب الشاب من فوره :
- لست أظن ! فازداد عجبي ! إن الفتاة لم تخبره إذن بزياراتها لي . إن مسلك الفتاة غريب ! وكتمت ما في نفسي ، والتفت إلى الشاب :
- وما السر في إقبال خطيبتك على القراءة أخيرا , بعد طول الإعراض ؟ فقال الشاب :
- لست أدري . وهذا ما يوقعني في الحيرة ! فقلت كالمخاطب لنفسي ، وأنا مطرق أفكر : - نعم ، هذا ما يحيرني أنا أيضا : ونظر الشاب إليَّ مستفهما : - أنت أيضا ؟
فقلت : - نعم . إن الإنسان لا يحب الكتب بين يوم وليلة ؟ فقال الشاب : - إن خطيبتي على جانب هائل من الذكاء , وقوة العزيمة ! فقلت في نبرة الارتياب : - هذا أيضًا لا يكفي لتعليل الأمر .
ومر برأسي عندئذ خاطر فبادرت أسأل الشاب : - أرأيتها قرأت شيئًا آخر غير " تاييس " , وغير كتبي ؟ !
فأجاب على الفور : - لا . لم تقرأ غير ذلك ، ولم تحادثني في غير ذلك . وهنا أدركت ، أو خيل إليَّ أني أدركت السبب الحقيقي . إنها تقرأ لا للقراءة ولا للثقافة . ولكن ... للاستكشاف . إنها تريد أن تنقب عن شيء وترفع النقاب عن شيء . آه للمرأة ... ينبغي أن نستثير فضولها وأن نوقظ حب الاستطلاع فيها حتى نحملها على فعل العجائب ! فهمت الآن كل شئ . لقد نجحت عفوًا ومن حيث لا أتوقع نجاحا باهرًا في وضع يدي على مبدأ الطريق . وفي سرعة لم تخطر لي على بال قد ظفرت بنتائج رائعة . كان ينبغي أن أعرف من أول الأمر أن الوسيلة الأولى للترغيب في القراءة هي استثارة الفضول الشخصي ، فإذا أردنا من طفل أن يجهد في مطالعة رسالة فلنخبره أن فيها كلاما عن هدايا ولعب ستهدى إليه ، وأخبارا ستدخل عليه
السرور . أما القراءة المجردة التي يبتغي منها اللذة الفكرية العليا وحدها والاستمتاع بالجمال الذهى لذاته ، فهي التي دونها المصاعب ، وهي التي تحتاج في اكتساب ملكتها إلى زمن ومران . على أن هنالك امرًا ما زال يكتنفه الظلام : ما هو هذا الفضول الذي دفع الفتاة إلى قراءة " تاييس " كلها في ليالي ثلاث ، وإلى مطالعة كتبي بهذا التحمس والنشاط ؛ أتراها استطاعت النفوذ إلى أعماق شخصية الراهب " بافنوس " أتراها أرادت بعد ذلك النفوذ إلى حقيقة شخصيتي في أعماق كتبي ؟ ! إذا كان هذا ما رمت إليه فما هو الدافع ؟ .. ألحظت شيئًا . ؟؟ كلا . إني أفترض لهذه الفتاة من الذكاء ما لا يمكن أن يحوي مثله عقل امرأة !
وقطع الشاب عليَّ تأملاتي بقوله : - كان ينبغي أن أقول ساعة دخولي الآن إن الغرض من زيارتي أيضا هو تقديم خالص شكري وإظهار اعترافي بالجميل ... إذ لولا كتبك ...
فرفعت رأسي وقلت على عجل : - كتبي لم تصنع شيئًا . إن خطيبتك لها من غير شك نفس رفيعة وإحساس دقيق وروح نبيل ... فقال الشاب في نبرة حارة :
- نعم ، ولكن هذه النفس الرفيعة النبيلة لم تظهر لي وتشرق لعيني وبصيرتي إلا أخيرًا ، إلا يوم قرأتك . إنها ياسيدي قد انقلبت مخلوقا آخر في خلال أسابيع. لطالما تمنيت أن أرى زوجتي في صورة أخرى أرفع وأسمى من هذه الصورة التافهة للفتاة الطائشة التي لا تعرف غير " الخياطة " و السينما " و " السباق " و " التنيس " و السيارة " و " الحلاق " و " التواليت " . تلك الفتاة
الجاهلة ذات التعليم الزائف ، التي لا يعدو حديثها بضع عبارات فرنسية تلوكها في سماجة كلما أحرجتها الظروف . تلك الفتاة المسكينة المغرورة التي تحسب أنها متمدنة لأنها عرفت كيف تضع بين أناملها إصبع الاحمر . تلك الفتاة التي تعرف أن لها فمًا يجب أن يملأ ، ولا تعرف أن لها رأسًا يجب أن تملأ أيضًا ، إذا أرادت أن تجعل من نفسها شخصًا جديرًا بالاحترام . إني كدت أقنط ياسيدي من المرأة في بلادنا . ولطالما قلت لخطيبتي إنها قد تغظر مني بالعطف , ولكنها لن تظفر قط بالإجلال الواجب لها إلا إذا عرف عقلها كيف يخاطب عقلي . وهي لن تبلغ هذه المرتبة حتى تقرأ ما أقرأ وتتذوق من شئون الفكر ما أتذوق ، وتستطيع أن تسد فراغ حياتنا الطويلة المستقبلة بحديثها المطلي المفعم بألوان الغذاء الفكري المهضوم !
ومضى الشاب في مثل هذا القول . وأنا أصغي إليه في ظاهر الأمر . ولكني في الحقيقة كنت أفكر في مشكلة بدت لي الساعة : إن هذا الشاب لا يعرف أن خطيبته قد زارتني مرارًا قبل اليوم . إنها لم تخبره وهذا شأنها . ولكني أنا . . . هل يجوز لي أن أمضي في صمتي ولا أفضي إليه بما حدث ؟ هل يليق بمثلي الكتمان ؟ على أني من جهة أخرى أخشى إذا أنا أخبرته أن أرتكب حماقة وأعرض الفتاة لغضبه وأضعها موضع الحرج لإخفائها الأمر عنه ! ماذا أصنع ؟ أأنتظر حتى أبحث الموقف مع الفتاة ؟
لكن . . . هبها سبقت فبسطت له اليوم ما كان من شأنها معي ، ويعلم هو أني لم أفاتحه والظرف مناسب والفرصة مواتية . فماذا يكون موقفي ؟ ! آه ! لماذا فعلت الفتاة ذلك ؟ تبًا للنساء ! اللهم ألهمني مخرجا ! ...

