مسرحنا في جوع ملح للقصص التي تقتطع له قطعة حية من صميم روح الشعب واخلاقه وعاداته . ولا مفر من الاعتراف بأن هذه الروح تبدو هشة مفتتة . أو كان ذلك لأنها بطبيعتها سطحية التيارات ، أم لأننا لم نفلح إلي الآن في سير اغوارها والوصول إلي اسرارها ؟ من أجل هذا أو ذاك ، اقتصرت معظم المسرحيات الشعبية على نوع من قصص تعتمد كل الاعتماد على التهريح وحشد أكبر عدد ممكن من الشخصيات الهزلية لقيا او تصرفا ملبسا . أفليس في حياة الشعب إذن شئ من الجد ؟
ثم يصف هذا الشعب احد كما وصفه الجبرتي . هو سليل اسرة نشأت في أواسط إفريقيا - الجبرت هي زيلع - جذبها النيل فيها جذب إلي مصر فإذا بالنازح الغريب يصبح أصفى مثل لابن البلد الكريم الذي يتمشق القاهرة ، ولا يتعداها حياته إلي الريف ، يخالط كبراءها وعوامها ويقيد حديث قصورها وأكواخها ، جبدأ وهزلا .
كمل كلمة منه تصدر عامرة بالحب والحنان ولاعطف . لقد مرت على هذا الشعب أحداث كثيرة وتطورات هامة ، ومع ذلك لا تزال الخطوط الرئيسية التي رسمها الجبرتي قائمة إلي اليوم . أهذا علامة على ضعف هذا الشعب أم على قوته ؟
روي لنا عبد الرحمن بن حسن الجبرتي في أسطر قليلة (ح ١ ص ١٤٧) كيف شاع في القاهرة ذات يوم أن القيامة قائمة يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي الحجة " فودع الناس بعضهم بعضاً ويقول الإنسان لرفيقه : بقى من عمرنا يومان . وخرج الكثير من الناس المخاليع إلي الغيطان والمنتزهات ويقول بعضهم لبعض دعونا نعمل حظ ونودع الدنيا قبل أن تقوم القيامة "
كم من قاريء مرت عيناه على هذه الأسطر فاستصغرها
ولكن - الأستاذ صبري فهمي - فطن إلي ما بها من حيوية وخلق منها أفقاً زاخراً بالألوان ، رسم عليه بعد ذلك - ولا قيمة للرسم في مثل هذه اللوحة الرائعة - قصة ساذجة عن قدوم ابن سر تجار الشام وزواجه من ابنة سر تجار مصر .
وقد سبق للفرقة أن أخرجت هذه القصة في الأعوام الماضية فكان إخراجها فاتراً غير موفق لانعدام فرقة الأناشيد عندئذ - ثم أذا بها تبرز من جديد هذا العام - كأنها مسرحية جديدة - ووراؤها مجهودات جبارة : حوار لبيرم التونسي الذي يأنف له نبوعة ان يخضع الفاظه لتطور الزمن ، وألحان لزكريا أحمد المخلص لشرقيته ، عن حب لها أو عن صدود عن غيرها .. وغناء لفتحية أحمد التي يتمثل في صوتها الخلق المصري بماله وما عليه . . ومن وراء هؤلاء جميعاً الأستاذ زكي طلبات المخرج الأول للفرقة .
ورغم هذه الجهود خرج كثير من النظارة وهم يقولون أن الفرقة القومية هبطت إلي ميدان لم تكن نتوقع أن تراها فيه . .
وكان أمام الأستاذ طلبات طريقان ؛ احدهما شاق يعتمد على تأكيد الجو الشعبي المسرحية بحيث تكون استعرضاً صادقاً لطوائف الشعب وحركاته واضطرابه وتذكير الناظرين بما يوشكون أن ينسوه ؟ وطريق آخر أسهل من ذلك بكثير ، وهو التهريج الخالص ومحاولة آثارة الضحك لسبب أو لغير سبب والاعتماد على شخصيات مضحكة لا قيمة لها في القصة وإنما اقحمت فيها إقحاما ، وهذه الشخصيات تضر أكثر مما تنفع ؛ لأن الجمهور وإن ضحك اثناء التمثيل لا يلبث أن يستفيق إذا انصرف فيري أن الضحك إنما كان على ذقنه . . وماذا تقول إذا رأيت هذه القصة الخصبة تصبح وليس بها شخصية واحدة - واحدة فحسب - ليست هزؤا وسخرية وهزلا ؟
نحن نلمس في الأستاذ طليمات - وبالأخص منذ إخراجه لمسرحية شهر زاد - ميلا متطرفا ، واخشي أن أقول - ميلا طبيعاً - إلي الهزليات "بوفوتوري" Bulfonorie
وقد يستساغ هذا اللون مدة وفي موضعه . أما أن يصبح وسيلة الوحيدة لمعالجة القصص الشعبية التي يخشى عليها من السقوط ، فأمر فيه نظر ؛ إذ لا نود له كفنان أن يكون متأثراً بالجانب التجاري في الفرقة القومية وإن كان الريح المادي لا يزال عندنا أصدق دليل علي نجاح أي عمل فنى . وكنا نرجو أن تظل له عين يقظة على الرسالة التي يجب على الفرقة أن تؤديها إذ لا يحسن أن يطغى الجانب التجاري علي الجانب الفنى هذا الطغيان .
حيذا لو بقى في يوم القيامة لون واحد من ألوان الجد لتكون قوتها في المقابلة بين هزل الحوادث وجد العوامل الخطيرة والدوافع الكامنة التي تحرك هذا الشعب وتنفخ فيه . وهذه المقابلة التي كان خليقا بها أن تكون روح القصة وسر قوتها ضاعت وانقلبت المسرحية كلها هزلا رخيصا في هزل رخيص .
نقول للأساتذة الفنانين الذين يدرسون في أوربا إن
تمجيد الفن للفن والحرص كل الحرص على البراعة ليس له مكان في مصرنا كما يظنون . فنحن لا نتطلب براعه ، بل فهما ، والطريق الوحيد لفهم مصر ، هو الحب والتقدير . وبعد ، فقد استعانت الفرقة القومية على إخراج هذه المسرحية بأفراد كثيرين لا يمنون إلى المسرح بصلة ، وقد لفت الأنظار راقصة بارعة ، وشاب في موكب دق الطبول ، وقال الكثيرون لو وجد هذا الشاب وهذه الفتاة من يتعدهما ألا يصبحان يوماً من مهرة الراقصين يغذون المسرح عندنا - كما في أوربا - بالقصص الراقصة ؟ " البالية Ballet"
ونحن نرجو أن يكون من بعض اهتمام القائمين بأمر الفرقة أن يمدوا أصابعهم الحساسة لتتلمس العناصر الصالحة للمسرح في أوساط شعبية بعيدة عنه ، فلا شك انها ستعتبر عندئذ على كنوز كثيرة في هذه الأرض العذراء .

