لم أستطع إلا أن أحزن عليه . ذلك المسكين الذي خرج إلي الحياة وحاول أن يكافح فيها ، ولكنه ضعف وتخاذل ، وخارت قواه ، وترك نفسه يخر صريعا بفعل يده . هو طالب في الجامعة ، نشأ فقيرا ، أو لعله من اسرة أصابتها نكبة مالية اضطرته إلى أن يحمل على ظهره حملين ، حمل نفسه وحمل غيره . كان يحمل عبء الدراسة الجامعية لكى يستقبل الحياة مسلحا بما يجب أن يتسلح به المرء في هذا المجتمع الطامح الذي لا يرضي إلا عمن يحملون الأسماء . فكان همه الأول أن تكون في يده الشهادة الجامعية التي تخلع عليه الاسم الجامعي الذي يعترف به الجميع ، ولم يرض لنفسه أن تقنع بما هو دون ذلك الأسم الرنان . فقد كان يستطيع مثلا أن يكون كاتبا في الحكومة بأجر مناسب يساعده على الحياة ، وكان يستطيع مثلا أن يعمل في شركة من الشركات ، أو أن يصيب أجرا من عمل آخر كائنا ما كان لكى يجد الكفاف لنفسه ولمن معه من أهله حتى يستعد لوثبة أخرى إذا كانت نفسه تأبى عليه أن يقنع بمثل هذا الحظ اليسير من الحياة . كان يستطيع أن يحتال لنفسه بشيء من مثل هذه الحيل ، ولكنه كان لا يرضي لنفسه إلا أن يحمل الأسم الرنان الكريم " خريج الجامعة " وكان لا يري الحياة جديرة بأن يحياها إلا إذا حمل ذلك الأسم الرنان .
ولكنه كان في الوقت نفسه يحس ان عليه واجبا آخر نحو أهله الذين يحتاجون إلى مساعدته ، فكان يكلف نفسه مشقة السعى لهم إلى جانب ما يتجشمه من عناء الدراسة .
وكان في أثناء ذلك كله موزع القلب ينظر حوله فيري مباهج الحياة ويرى لداته واصحابه يتمتعون بها فيذوب قلبه حسرة لانه محروم لا يقدر على ان يصيب منها ما يصيبون
ولم يقدر على أن يكون لنفسه فلسفته الخاصة ولا خطته الخاصة ، وحسب أن الحياة إذا خلت من تلك المباهج الخلابة لم يبق فيها ما يستحق ان يحيا من أجله .
هذه هي المأساة ملخصة في سطور قليلة ، فلم يجد وسيلة للتخلص من الآلام إلا بأن يصوب المسدس الصغير إلى رأسه ويذهب إلي عالم النسيان في ثوان معدودات . لقد حزنت عليه ولم أملك إلا أن احزن عليه لان المسكين كان ضحية لعصر موزع القلب أصابه بدائه فصار هو كذلك موزع القلب غير مستقر على أساس .
فهناك من الناس من كان يستطيع أن يتخلص من الأوهام ويقنع بغير الأسماء الخلابة ، ويعلم ان الحياة افسح وأعقل من أن تتقيد بالأسماء . هناك من كان يستطيع ان يقبل على العمل المنتج الذي يعينه على الحياة الشريفة بغير أن يسمح للأوهام ان تضلله ، متكلا على قوة جنانه ، واثقا بأنه يستطيع مع مواصلة السعي ان يبلغ إلى القمة بغير ان تقف في سبيله الأوهام والأسماء
وهناك من الناس من كان يستطيع ان يتحمل العبء ، الثقيل ويواصل الدرس مع مواصلة السعي في سبيل القوت حتى يصل اخيرا إلى بر السلامة ، بغير ان يسمح للزخارف المحيطة به أن تزيغه عن قصده ، ولكن المسكين لم يفعل هذا ولم يفعل ذلك ، وبقي موزع القلب بين مطامحه وبين نزوات الاشتهاء ، فبلغت منه الحيرة مبلغها ولم يقدر إلا على شئ واحد ، هو ان يلتمس اقرب الطرق إلى الخلاص من المتاعب بالأسراع إلى الفناء في عالم النسيان والظلام .
لقد كان المسكين ضعيفا غير جدير بالحمل الذي ألقته عليه المقادير ، فان الأحمال الثقيلة لا تجدر إلا بالقلوب الراسية الكبيرة . وما كان أجدره بأن يكون واحدا من تلك الطبقة المدللة التي تولد لكي تجد الألوف تحت تصرفها ثم تقضي الحياة في الراحة والنعيم ! ما كان اجدره بأن يكون واحدا من هؤلاء الذين يعتمدون على غيرهم ويتمتعون
بكد غيرهم ويتطفلون على موائد الحياة بغير تفكير إلا في أنفسهم ، فان تحمل الأعباء الثقيلة لا ينبغي إلا ان يكون من نصيب الأقوياء . .
لم أملك إلا أن أحزن من أجل المسكين ، وكان حزني يشيع حولي جوا من الظلام فلم يخف أمري على صحبي ولا على من حولي من أهلي حتى لقد رابهم أمري ، وأقبلوا على يسألونني عن علة حزني ، ولم استطع أن أخفي عنهم الأمر طويلا فقصصت قصة ذلك المسكين ولم اعلق عليها بحرف لان حزني لم يفتح لي سبيلا إلى اللوم ولا إلى التعنيف .
واستمع صحبي إلي القصة في صمت ووجوم ، حتى إذا انتهيت إلي نهايتها ساد سكون يشبه السكون في ذيل الإعصار ثم تحرك أحدهم وأطرق قليلا وتنفس نفسا عميقا ، وقال لي بعد لحظات :
إنك تزعم أنك حزين من أجل ذلك الطالب المسكين ، ولكنك تقسو عليه أشد القسوة ، أما انا فلقد مرت بي في الحياة دقائق كنت فيها أترجح في كف القدر ولم يكن بينى وبين مثل هذا المصير إلا لمحة من لمحات اللطف الخفي ولهذا أجد أنني أقل منك لوما وأقل منك قسوة .
كنت طالبا في الدراسة العليا منذ ثلاثين عاما ، وكان ذلك في أعقاب ازمة ضاقت حلقاتها حول اسرتي ، فكنت مضطرا لأن أجاهد في سبيل الحياة مع جهادي في سبيل الدرس ، كنت أواصل الدرس صدر النهار ، ثم اواصل السعى أخره ، وأقبل على الكتاب في الليل بعد ساعات مضنية من العمل في سبيل كسب القوت . فكنت لا اذهب إلى مضجعي حتى يكاد الليل ينتصف ثم أنهض بكرة لكى أستأنف يوما آخر ثقيلا مزدحما بالأعمال
وكنت عند ذلك في فورة الشباب احاول ان اداري ما اعانيه عن لداتي خوف ان يكون ذلك داعيا إلى هبوط مكاني في اعينهم . ويعلم الله ما كنت اقاسي في سبيل هذا من الام نفسية كانت تذهب بي احيانا إلي حد اليأس
والثورة ، فكنت كلما أحسست نفسي تضيق ذهبت إلي صديق واحد ابثه شكواي ، وكنت دائما اجد عنده ما يزيل عنى الهموم ، ذلك هو النيل القديم الأغبر الذي كان يسير تحت عيني دائما في جلال . فكنت احيانا اراه يضطرب مزمجرا في فصل الخريف إذا احمرت مياهه في وقت الفيضان ، وكنت أحيانا اراه ينساب رزينا صافيا باسما في وقت الربيع إذا اضمحلت فورته ، وكان في كل حالاته يعيد إلى الهدوء واكاد اسمعه يناديني إنني عاشرت القرون الماضية كما اعاشر جيل هذا العصر ، وليس في الحياة ما يستحق ان يكون مبعثا للشقاء ، إن في الحياة كثيرا من المباهج التي يستطيع الجميع ان يشاركوا فيها بغير ان تكلفهم مالا فكنت انصرف عنه متجدد الأمل قويا على مقابلة الجهاد .
ثم كان يوم شديد الحر لم أقو فيه على الخروج إلي النيل صديقي القديم ، وعكفت على الدرس إلى ان كاد الليل ينتصف . وتلفت حولي فلم أر إلا ما يملأ النفس ظلاما وسخرية من الحياة . وتزاحمت على الهموم ووسوس إلي الشيطان وسواسه ، فجعلت اسائل نفسى اية عدالة هذه التي تجمع على كاهلي كل هذه الأحمال في حين ينعم غيري بكل مباهج الحياة ؟ " والح على ذلك الوسواس حتى وجدت نفس اقوم بغير وعي إلي درج دولاب كنت أحتفظ فيه بمسدس قديم كان لأبي عليه رحمة الله
وأخيرا أمسكت المسدس بيدي ورفعته إلي يمين جبهتي وقلت لنفسي : " ما هي إلا حركة من إصبعي ثم تزول كل هذه الآلام ! " .
وتبسمت عند ذلك ابتسامة مرة أودعت فيها كل بأسى . نعم ، فما هي إلا هنيهة حتى اكون قد خلصت من كل ما يثقلني من الأحمال .
ولكن لمحة من النور لمعت عند ذلك أمام عيني . كانت تلك صورة أمي وصور إخوتي وصور كل من أحببت في الحياة . وما هي إلا ان بدت لي تلك الصور المحبوبة
حتى تخاذلت ذراعي وفترت همتي وضعفت عن تحريك إصبعي وملت على الكرسي واقفلت عينى خائرا استعيد الصور العزيزة التي كنت استعرضها في الخيال
ثم تمتمت قائلا : " حتى هذا الموت لا استطيعه ! إن حياتي ليست لي فأتصرف فيها لكي أخلص من الآلام ! وقمت إلي الفراش بعد حين واسعفني النعاس اخيرا حتي طلع الصباح .
وجاءت أمي تحييني تحيتها المعتادة فنظرت إليها وتبسمت وسألتني عن صحتي فقلت لها إنها بخير
ثم قفزت من فراشى وانا ابتسم وحمدت الله على انني لم أكن سببا في طعن هذا القلب العزيز تلك الطعنة القاسية التي أوشكت ان اسددها إليه في ليلة الامس " .
وصمت الصديق لحظة ثم قال : " إنني حزين مثلك من أجل هذا الشاب الذي لم تسنح له صورة امه وصور من يحب في مثل تلك اللحظة الفاصلة . إنه مسكين لأن القضاء لم يرسل إليه النجدة في اللحظة الفاصلة ، ولو سنح له نور المحبة عند ذلك لما وجد اليأس إلى قلبه من سبيل " .
