الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 261 الرجوع إلى "الثقافة"

المسلمون فى مفترق الطرق

Share

مضى على المسلمين منذ هاجر صاحب الدعوة الإسلامية عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة ثنتان وستون وثلثمائة وألف من السنين ، وهى فترة إن تكن لمحة خاطفة فى عمر الزمان فهى مدة ليست بالقصيرة فى حساب الإنسان ، وهى حقبة من الزمن ملأى بالحوادث الجسام تقلب فيها المسلمون بين النعماء والبأساء ، وتوالت عليهم خلافها أوقات أمن وفزع ، وحالات استقرار واضطراب ، ووحدة وفرقة ، وضعف وقوة ، وتداولتهم أيد عادلة وأخرى جائزة ، وتنازعتهم عوامل صلاح وفساد ، وامتحنوا بالفتن الداخلية تحل عقدتهم وتوهن شوكتهم ، والغارات العدائية من الخارج تجتاح بلادهم وتخرب عامرها ، وتهز بنيان حضارتهم من القواعد . فماذا أبقت الأيام منهم بعد ذلك كله ؟ وإلى أية حال صار أمرهم اليوم ؟

أما من الوجهة الجغرافية فلا يزال الإسلام يبسط

سلطانه الروحى على كثير من أمم الأرض على اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم ، ولا يزال المسلمون يعمرون أقطارا واسعة فى مختلف القارات ؛ ويكون نسبة كبيرة من سكان العالم فى آسيا يكاد الجانب الغربى والجزء الأوسط منها يكون عالما إسلاميا خاصا ، ويشمل ذلك بلاد العرب والشام والعراق والأناضول والقوقاز وإيران وتركستان والأفعان ، كما يكونون نسبة كبيرة من سكان الهند وبلاد الملايو وبعض جزر المحيط الهندى والياسفيكى . وفى الصين وروسيا الأسيوية ملايين كثيرة من المسلمين يبلغ عددهم نسبة ذات شأن من مجموع السكان .

وفى إفريقية يسود الإسلام النصف الشمالى من القارة وجزء من سواحلها الشرقية والغربية فى نصفها الجنوبى ، ويشمل ذلك مصر وبرقة وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش ، والسودان المصرى والسودان الفرنسى وبلاد الصومال وكينا ، وإقليم بحيرة تنجانبقا ، وإفريقية الشرقية البرتغالية ، وأوغندا ونياسلاندا وجزءا من الحبشة ، ديورنو وتنجيريا والسنغال وغيرها من بلاد الساحل الغربى الإفريقى .

وفى أوروبا عدد غير قليل من المسلمين فى بلاد البلقان عدا مسلمى تركيا وألبانيا ، وفى بولاندا وروسيا ؛ ولا يعدم الإسلام فى كل دولة من دولها الكبيرة آلافا يمثلونه ويعتنقون مبادئه وتعاليمه .

ولم تخل القارة الجديدة - أمريكا من المسلمين الذين هاجروا إليها واتخذوها موطنا لهم ، وإن يكن أكثر المهاجرين من نصارى العرب الذين لا يعدون من المسلمين وإن يكونوا بحكم عربيتهم قد تأثروا بثقافة الإسلام الخاصة وبتقاليده التى سرت فى نفوس أهل الذمة الذين نشأوا فى أحضانه.

فأحداث الزمان كما يتبين من هذا العرض الجغرافى السريع لم تمثل من الإسلام من حيث عدد المسلمين وانتشارهم فى أرجاء العالم وغلبتهم على كثير من أقطاره ،

ولعل فى مقاومة العالم الإسلامى لعوامل الفناء التى تجمعت عليه طوال العصور ، وفى احتفاظه بكيانه على رغم الجهود المنتظمة وغير المنتظمة التى بدأت لهدمه ، ما يدل على مناعة روحه وما ينبئ عن القوى العظيمة الكامنة فيه التى غالبت كل تلك العوامل خلال العصور ، وخرجت بجسمه إلى اليوم سليما من العطب .

أما من الوجهة السياسية فقد تفككت عرى الوحدة التى كانت تربط بين أجزائه وتؤلف منها وحدة سياسية كبيرة فى العصور الأولى ؛ وهو اليوم دول متفرقة يخضع بعضها لسلطان الأمم الغربية ، وبعضها يستقل بشئونه ، وبعضها لا يكاد يسلم من التدخل المستتر والنفوذ المقنع من جانب دول الغرب . على أن هناك مع هذا  كله يقظة سياسية عامة فى العالم الإسلامى أجمع . والحركات المطالبة باستقلال المسلمين بشئون بلادهم والتحرر من النفوذ الأجنبى تكاد تكون عامة فى كل البلاد الإسلامية ، وإن تكن تختلف قوة وضعفا ، وتتشكل بصور شتى تبعا لظروف كل أمة ومبلغ انتشار العلم بين أفرادها .

والمسلمون على تباعد أقطارهم وضعف الصلات المادية التى تربط بينهم ، وشدة النفوذ الذى يفصل بعضهم عن بعض حواجز قد تكون قاسية ، تربطهم الأخوة الروحية الإسلامية برباط وثيق ، وتجعلهم على بعد ما بينهم إخوانا متعاطفين ؛ فلا تكاد حركة تقوم فى مصر حتى يتردد صداها فى الهند وغيرها من بلاد الإسلام ؛ ولا يكاد يسبب أهل الشام حيف حتى يغضب له أهل مصر والعراق ؛ ولا تنزل نازلة بالترك ، حتى يتفجع لها إخوانهم المسلمون بمختلف الأقطار ؛ ولا يظهر فى بلد من بلاد الإسلام عالم نابه أو مفكر ممتاز إلا اعتز به المسلمون جميعا وعدوه واحدا منهم ومفخرة من مفاخرهم . وقد يكون فى القبلة المشتركة التى يولى الجميع شطرها وجوههم وهم يصلون ، وفى فريضة الحج إلى بيت الله الحرام التى يقوم بها كل قادر منهم ، وتصبو لها نفوس من قعد بهم العجز عن أدائها ، ما يشير إلى

الجامعة القوية التى تجمع بينهم على اختلاف أجناسهم وتباعد أوطانهم .

وقد بدا الاتجاه نحو تقوية الروابط بين الأمم الإسلامية فى بعض المواثيق السياسية التى انتهت إلى حلف بين بعض الدول الإسلامية المستقلة ، كما يبدو ذلك فى المباحثات التى تدور هذه الأيام بين الدول العربية لتقوية الروابط بينها ، وإزالة كثير من الحواجر التى تحول دون تمام تعاونها على ما فيه خيرها جميعا .

بقى أن نشير إلى أن تقوية هذه الروابط بين الأمم الإسلامية ليس فيه ما يخيف الغرب ، فالمسلمون لا يبغون من ورائها إلا توحيد جهود كتلة بشرية عظيمة الشأن لخدمة الإنسانية جميعا ، وهم لا يرمون من وراء ترابطهم إلا إلى أن يعين قويهم ضعيفهم ، ويرشد عالمهم جاهلهم ، ويأخذ السابق منهم بيد المتخلف ليلاحقوا جميعا سير النهضة الإنسانية العامة ، وليكونوا أعضاء قوية نافعة فى بنائها . والمسلمون حريصون على مودة الغربيين ، مقدرون لهم ميزة تقدمهم عليهم فى الحضارة ، عالمون أن الخير فى تبادل المنافع بينهم ، وفى تعاونهم جميعا على ما فيه صلاح الجنس البشرى . ولكنهم إنما ينفرون من تغلب روح الجشع والأنانية على بعض الغربيين ، ويغفلون عن شعورهم ومصلحتهم . فالمسلمون يريدون أن تكون علاقتهم بالغربيين علاقة الند بالند ، ويكون اشتراكهم فى الشئون العالمية على أساس تعاون الحر الكريم مع الحر الكريم ، وإلا يكون هناك سادة ومسودون ، ولكن إخوان فى الإنسانية متساوون ؛ وألا يكون ضعف الضعيف أو جهل الجاهل مسوغا لأن يسترقه القوى أو يخدعه العالم ، بل يكون ذلك حافزا للأخذ بيده وإرشاده . فإذا غلبت هذه الروح على الغرب فى علاقته مع الشرق تم بينهما التفاهم ، وزالت الشكوك التى تسمم الجو بينهما . إن المسلمين بطبيعة دينهم أشد الناس تسامحا مع أهل الأديان الأخرى ، وأقربهم للائتلاف مع كل حضارة تقوم على المساواة والحرية

والإنصاف ، وهم لذلك أقرب عاطفة لكتلة الدول الديمقراطية التى تعلن هذه المبادىء فى مواثيقها . ولا يرجو المسلمون إلا أن تصدق أفعالهم أقوالهم ، ويؤيد واقع تصرفاتهم ما تقرره نظرياتهم ، متى تم لهم النصر على خصومهم .

هذا موقف المسلمين السياسى . أما حالتهم الثقافية فلعلها أضعف جوانبهم ، ولعلها علة كثير من تأخرهم الاقتصادى . فالمسلمون فى أكثر بلاد الأرض تغلب عليهم الأمية ، ويتفشى فيهم الجهل ، وهذا عجيب فى أهل دين بقول رسوله الكريم : (( طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة )) . ولسنا بسبيل نبين أصل هذا الداء وأسبابه الممتدة فى ظلمات العصور . ولكنا يكفينا أن نقرر أن عامة المسلمين فى سائر أقطاره ينقصهم إدراك قيمة العلم والشعور القوى بضرورته للفرد والجماعة . على أن هناك يقظة فكرية نشأت عن اتصال بعض أمم الشرق الإسلامى اتصالا كبيرا بالغرب ، وقد كان من آثارها قيام كثير من المدارس التى تسير على نظم التربية الغربية . وتكون جيل من الشباب المثقف بالثقافة الغربية تولى أكثرهم بعض الشئون العامة فى بلادهم ، وتزعم بعضهم حركات الإصلاح والتجديد بين أممهم ؛ ولكن جهودهم تسير بطيئة متعثرة بسبب غلو هؤلاء المثقفين فى التشيع للحضارة الغربية وغفلتهم عما فيها من نقط ضعف وعناصر لا تتفق مع طبائع المسلمين وإغفالهم ما فى تراثهم القديم ، من خير كثير ، وتجارب قيمة ، ومصادر غنية يمكن استثمارها فى حركة النهضة أفضل استثمار . والواقع أن أكثر الأمم الإسلامية تحتفظ بمراكز للثقافة تمتد نشأتها بعيدا فى التاريخ ؛ وأن هذه المراكز تؤدى إليها طائفة من العلماء والمتعلمين قصروا أنفسهم على علوم الدين ، وطريقتهم فى ذلك لا تعدو قراءة ما كتبه العلماء السابقون وترديد عباراتهم وأساليب نقاشهم ؛ وقد انتهى بهم الحال إلى شئ من الجمود والحرج من انحراف أو خروج عن تلك الكتب والآراء . وبذلك عزلوا أنفسهم عن الحياة الحاضرة عزلتين . فهم لم يعيروا شئون

الدنيا وعلومها ، وما أحدثه الفكر من الانقلابات العظيمة فيها أى اهتمام ، وهم وقفوا فى علوم الدين عندما وقف لديه علماء القرون القديمة . ولم يستطيعوا أن يسلكوا بالبحث الدينى مسالك التطور الطبيعى ، وينظروا فى مسائله على ضوء الحياة الجديدة ومقتضيات المجتمع الحديث .

فالمسلمون اليوم بين تيارين قويين يتنازعان الحركة الثقافية فيه : تيار الغلاة من أشباع الثقافة الغربية وقطع كل صلة بالماضى ؛ وتيار الغلاة من علماء الدين الذين يرون علوم الدين كافية وحدها لصلاح حال المسلمين ، ويتصورون هذه العلوم قد بلغت منزلة ترتقى بها عن الجدل ولاتجيز فيها استحداثا أو تخريجا أو فهما جديدا يخالف ما انتهى إليه العلماء السابقون .

وظاهر أن كلتا النزعتين ضارة بالمسلمين مؤخرة نهضتهم الصحيحة . فالتهافت التام على الحضارة الغربية بقطع صلة المسلمين بماضيهم ويضعف ذاتيهم ؛ وقد يكون من شأنه أن يرقى بالمسلمين ماديا وان يرقى حياتهم العقلية . ولكنه سينقل إليهم كثيرا من الأمراض النفسية العصبية التى تغلغلت جراثيمها فى تلك الحضارة ، والتى انتهت بها إلى الأزمات العالمية التى يجتازها العالم الآن . وقصارى ما وصلت إليه تلك الحضارة أنها سخرت للإنسان قوى الطبيعة على أوسع نطاق ، ووضعت بين يديه أسلحة جديدة ، ولكنها أفلست فى تقييده باستخدام تلك القوى للخير ، واستعمال تلك الأسلحة فيما ينفع الناس . فهى فهمت الحياة وأدركت كثيرا من أسرارها ، ولكنها لم تعرف لها غاية عليا تضبط تصرفاتها فيها ، ولا هدفا أسمى توجه جهودها نحوه.

والحامدون من رجال الدين بعدوا بجمودهم عن إدراك الروح الصحيح للإسلام الذى يدعو المسلمين إلى العمل للدنيا وللآخرة ، وإلى السعى للرزق مع العبادة ، إلى ان تكون الحياة ونشاطها والسلوك فيها قنطرة المسلم

للآخرة . وهم بعزائهم وحياتهم الدينية السلبية ، ووقوفهم فى وعظهم وإرشادهم عند حد العبادات ، والتزام الطاعات واستتاب المعاصى ، والترغيب والترهيب ، وتقصيرهم فى فتح الأذهان على مطالب الحياة وأسباب النجاح فيها ، وإعداد العدة القوية لمواجهة غزو الأجانب لمرافقهم ومصادر حياتهم ، هم بهذا كله يحملون اكبر الوزر فى تأخر المسلمين فى الشئون الاقتصادية وتمكين النفوذ الأجنبى من بسط سلطانه عليهم .

والثقافة الصحيحة التى تلائم المسلمين هى ثقافة مزدوجة تأخذ عن مصدرين ، وتستقى منبعين ؛ ثقافة روحية قوية تستمد أصولها من القرآن الكريم والسنة الصحيحة ، بفهم سليم وإدراك واسع لحاجات العصر ومقتضيات الحياة الحديثة ؛ وثقافة عقلية تأخذ عن العلم

الغربى ، وتفيد من طرقه فى البحث ونشاطه فى التطبيق العملى ، وبهذا يتم المسلمين إذا وفقهم الله لذلك ، التوازن بين نشاط العقل ونشاط الروح ، والجمع بين الدين والدنيا .

والمسلمون بحاجة شديدة إلى المصلحين الأقوياء الذين يؤمنون بهذه الفكرة ، ويحملون لواء هذه النهضة المزدوجة ، ويسيرون بسفينة المسلمين فى الطريق الوسط بين هذين التيارين ، ويوجهون المسلمين للإفادة من تعاليم دينهم القوية وروحه السامى ؛ مع أخذهم بأسباب الحياة الحديثة ومما شانهم لنهضتها ، ومساهمتهم فى النشاط الفكرى الذي يسود العالم الغربى .

هؤلاء المصلحون هم الحلقة المفقودة التى ينشدها المسلمون والتى نرجو ألا يطول افتقادها .

اشترك في نشرتنا البريدية