حديثنا اليوم هو حديث المستقبل ، والمستقبل حديثه حبيب إلي النفس ، لذيذ على السمع ، وخصوصا إن كان هذا المستقبل تحدوه سعة الامل ، ويفتر ثغره عن حادث سعيد
إن الذي يظن أن الطفرة ممكنة فهو لاشك واهم ، بل إنه كمن يركن إلي الخيال بصوره حقيقة واقعة ، ويوهم النفس بوجودها عله يسعد بذلك الوهم . وإنما لنسمع الآن صيحات متصاعدة من هنا ومن هناك مدارها شئ واحد ورغبة مشتركة ، وهي الوصول إلي عالم اسعد من عالمنا هذا ، وحياة ارغد من هذه الحياة . ويروح الخيال يصور للناس أن ما عليهم إلا أن يطلبوا فتأتيهم الرغبات ، وما عليهم إلا ان يصيحوا فيصير ما يريدون . ولكن الحقيقة التى يجب ان نضعها دائما في مخيلتنا هي ان للمسلم درجات وللإنسان قوي محدودة . غير أنه لا يجب علينا أن نهمل اثر الصيحات المتتالية في تنبيه الاذهان إلي ما يجب ان يصير إليه البحث .
وإننا اليوم إن تكلمنا عن اقتصاديات ما بعد الحرب فإنما نعنى بذلك حال العالم المادي فيما يلي الحرب ، أما الروحيات وما يدور حولها فلن تكون من مدار هذا البحث ، وذلك على الرغم من اعتقادي أن دراسة الاقتصاد يجب أن ترتكز على أساسين : الأول هو دراسة الثروة المادية ، والثاني هو دراسة النفس البشرية
والآن نبدأ حديثنا بالتكلم عن حقيقة المشاكل التي تواجه الحياة الاقتصادية الحديثة
قديما حين كان الإنسان يفتح بنفسه ولنفسه لم يكن الأمر من التعقيد في شئ ، فقد كانت كمية المنتج غالبا تكفي حاجة المنتج ، فإن زادت في فترة فليس له إلا ان يلفظ تلك الزيادة ولا يستفيد منها في شيء ؛ وإن قلت كمية المنتج فعليه أن يكتفي بالقدر القليل ويربط الحجر على معدته ، وإن اقتضى الأمر فعليه أن يموت جوعا ، ولم يكن الأمر يعدو ذلك
ولكن حينما بدأ الإنسان ينتج في دائرة أوسع تشمله هو وغيره من المستهلكين بدأت بعض المشاكل تتوالي عليه ، فكان عليه أن يعلم لمن ينتج ؟ وكيف يوصل ما ينتجه لمن يريد؟ وماذا يحصل في مقابل ما يعطيه للغير وما هي الصلة بينه وبين غيره من المستهلكين والمنتجين وكيف يحتفظ بحقه في استهلاك ما يحق له استهلاكه هذه المشاكل وغيرها بدأت تظهر الواحدة تلو الآخر في المجتمع الحديث ، وكان على المجتمع كي يسير في طريقه دون اضطراب أن يصل إلي الحلول المناسبة لها ؛ فنظر في المشكلة الأولى وهي لمن ينتج الفرد ، وهل من الممكن أن يعلم الصانع الحديث مدى احتياجات المستهلك ؟ وفي باديء الأمر اعتقد المنتجون أن رغبات المستهلكين ليس لها حد ، فأخذ كل ينتج على قدر طاقته ، وكان السوق يستوعب ما ينتج - وفي اعتقادى أن السوق سيظل دائما قابلا لاستيعاب منتجات جديدة . ولكن الأمر الذي يستدعي النظر هو دراسة الفائدة النسبية للمنتجات ، ومعني آخر أي المنتجات أكثر منفعة للمجتمع ؟ هذه هي المشكلة التي نتجت عن المشكلة الأولى . وقد تخبط الاقتصاديون كثير قبل أن يوفقوا إلي نظرية قريبة من الصحة في هذا الشأن ،
وهي نظرية الثمن السوقي أي ثمن السلعة في السوق ؛ ولاستيضاح ذلك نقول : إن هبوط ثمن سلعة ما في السوق العام يدل على أن حاجة المجتمع لهذه السلعة بدأ يضعف فيقلل المنتجون إنتاجهم من هذا النوع ، وهكذا يستطيع المجتمع أن ينتج أكثر المنتجات منفعة للمجموع . غير أننا بهذه الطريقة يجب أولا أن نصل إلي الكثير من الاضطراب حتى نعلم طريقنا إلي الصواب ، وفي هذا مضيعة لا شك فيها لمرافق الإنتاج ، ومجال كبير لحدوث الأزمات ولقد فكر بعض الاقتصاديين تلافيا لهذا الأمر إيجاد هيئات خاصة مهمتها تقرير الحاجات المستقبلة للمجتمع ، وتوجيه مصادر الإنتاج إلي إنتاج تلك الحاجات بالنسب المطلوبة ، ولكن كيف تسترشد تلك الهيئات الخاصة بمدى الحاجات المستقبلة وما سبيلها إلي معرفة النسب الصحيحة ، وأي لها السلطة التي نستطيع بموجبها أن توجه مصادر الإنتاج ؟ كل تلك الأمور دعت هؤلاء الاقتصاديين إلي نبذ تلك الفكرة مع أن فيها الشئ الكثير من الوجاهة . ولقد نشأ من تلك المسألة الأولى ما سماه البعض أزمات إفراط في الإنتاج ، وفي رأيى أن هذه التسمية غير صحيحة ، والأوفي أن نسميها أزمات عدم تناسق في الإنتاج والتوزيع . فالمنتجات على الرغم مما يظنه البعض لم تصل بعد إلي نقطة الإشباع في الإنسان ، ولسنا نتصور وصولها إلي تلك النقطة . فمن يستطيع أن يقول إن الحاجة إلي زيادة في الغلال والمواد الخام قد انعدمت ، أو أن الملابس الموجودة في الأسواق تكفي حاجة الجميع أو - أو الخ . وقد استكان المجتمع إلي فكرة الثمن في تقرير النسب ، مع ما سبق تبيانه مما ينشأ عن ذلك من الاضطراب ، وعلي قادة المجتمع أن يفكروا في السبيل للقضاء على ذلك الاضطراب .
ثم تأتي المشكلة الثانية وهي كيف يوصل المرء منتجاته إلي من يحتاجون إليها ؛ وهذه المشكلة يدخل فيها الجانب الدولي وهو الجانب المعقد من المسألة . لقد نشأت فئة التجار فكانت الوسيط بين المنتج والمستهلك ، وكفت المنتج مثونة البحث عمن يأخذ منتجاته ، وقامت بديلة عنه في توزيع تلك المنتجات ، وكانت تلك الفئة ايضا تخضع في
نظمها وأرباحها إلي فكرة الثمن السوقي ، أي أن ثمن السلعة في السوق يتحدد دون تدخل تاجر او وسيط في امره إلا أنه لظروف خاصة تعين منها سعة مدارك فئة التجار نتيجة عملهم المتشعب ، واستطاعتهم تقدير كمية المنتج والحاجات المستقبلة بالتقريب ، أمكنهم أن يتلاعبوا في الأسواق وفي الأسعار ، وان يحصلوا من الأرباح ما يزيد على ما يستحقونه لقاء مجهودهم في التجارة ؛ فنشأت من ذلك مشكلة حصول بعض الأفراد على مالا يستحقونه بصورة تعرض الهيكل الاقتصادي إلي الاضطراب ، وسنعود إلي هذه المشكلة فيما بعد
أما الجانب الدولي من تلك المشكلة ، فيتلخص في أن الدول مدفوعة بعوامل الوطنية والأنانية الجماعية ، قد وضعت من النظم ما يعرقل سير المنتجات العالمية بالصورة الاقتصادية الصحيحة ، ففرضت الرسوم الجمركية ، ووضعت الحواجز المانعة ، وما إلي ذلك مما ادي ببعض المنتجات إلى البوار ، وأدي في ذاته إلي الخطأ في توزيع مرافق الإنتاج . وهذه المشكلة تظهر واضحة في البلاد التي تتبع نظام الاستقلال الاقتصادي ، ولا داعي لضرب الأمثلة في هذا الباب .
ثم تأتي المشكلة الثالثة ، وهي المشكلة الاجتماعية والاقتصادية في وقت واحد ، ولعلها اقرب المشاكل إلي الأذهان نتيجة صلتها المباشرة بغالبية الشعوب والأفراد ألا وهي مشكلة الأجر ، أو بعبسارة أخري ماذا يحصل المنتج في مقابل ما يعطيه للغير ؟ وكيف يوفي المجتمع كل إنسان حقه ؟ وهل يكون توزيع الثروة المادية بنسبة المجهود الإنتاجي أم بنسبة الحاجات البشرية ؟ وما هو الرابط لتقدر المجهود أو الحاجة ؟ كل تلك الأمور هي من صلب بحث الاقتصاديين الذين يفكرون في الاقتصاد المستقبل . وعلينا نحن أن نستثنيها وأن نفحصها بقدر ما تسمح معلوماتنا ومدار كنا .
وأما ماهية الصلة بين المنتج وأخيه المنتج او المنتج والمستهلك ، ثم كيف يحتفظ المنتج بحقه في استهلاك ما يحق له استهلاكه ؟ فتلك مشكلة تتلخص في كلمتين :
مسألة النقد إن كل الأشياء سواء أكانت مادية أو نظرية لا بد لها من مقياس يقربها من الأذهان ، ويجعل لها أساسا تعرف به ، وبقدر ثبات القياس يكون ثبات الشئ نفسه . إن مشكلة النقد ما زالت مشكلة المشاكل ، والحلقة المفقودة التي يقف عندها الكثيرون ! فهبنا توصلنا إلى حل المشاكل التي سردناها الآن ، بل هبنا توصلنا إلي تقرير النظام الاقتصادي الصحيح ، فكيف بنا ان نضعه في حيز التنفيذ إذا لم نوفق إلي المقياس الثابت القويم ؟ وكيف بنا نقرر لكل فرد حقه إذا لم نكن نعرف مقدار هذا الحق مبينا بصورة واضحة ؟ فعلى العالم وعلي من يمثلون الطبقة المنقذة من الأمم أن يبحثوا عن وسيلة عملية لتثبيت النقد بصورة تمنع الاضطرابات والافتعالات في النظام الاقتصادي .
تلك عجالة سردنا فيها المشاكل - أو بعض المشاكل بتعبير أدق - التي واجهت الهيكل الاقتصادي في العالم مجتمعا وفي الأمم منفردة . ولعمري ما أسهل السرد وايسر التقرير ، وما أصعب العلاج وأعسر التحليل . لم تخف تلك الشاكل عن انظار الاقتصاديين ، بل إنهم قد حاولوا علاجها فنجحت بعض المحاولات وخاب البعض . أما كيف أقيمت تلك المحاولات وما نصيبها من الحياة ، فهو ما تسرده فيما يلى
قلنا إن المنتج لم يكن يعرف الرابط لإنتاجه ، والحدود التى يجب ان يقف عندها هذا الإنتاج ، ولكنه اهتدي بشعور من نفسه أنه إنما ينتج ليربح ، فطالما أن هناك مجالا للربح وطاقة في قواه الإنتاجية ، فإنه لينتج ويوالى الإنتاج ؛ ومن هنا بدأت دراسة المنفعة المتزايدة والمنفعة المتناقصة ) ١ ( وعلي أساس تلك النظرية أخذ المنتجون ينظمون إنتاجهم . إذا فليست الرغبة في إفادة المجتمع هي التي توجه المنتجين ! إلا أنه يمكننا أن نتبين أن نظرية الربح أو الفائدة الخاصة إنما تتفق إلي حد كبير مع خير
المجتمع ؛ غير أن ارتكاننا إلي هذه النظرية كما سبق أن ذكرنا يكلفنا خسارة نحن في غني عنها ، وقد يمكننا إذا أحسنا التوجيه تلافي شيء منها ، ويكون ذلك بعمل إحصاءات دولية دقيقة بقدر الإمكان بحاجات أفراد البشرية من مختلف انواع السلع ، مبتدئة بالسلع الضرورية للشعوب جميعها ، ثم السلع نصف الضرورية ، ثم الكمالية وهكذا ، ثم تعمل إحصاءات أخري مبينة أصلح المناطق لإنتاج أصلح الأنواع ؛ وتنشر هذه الإحصاءات بصورة واضحة وعامة تساعد المنتج على أن ينتج حيث يجب عليه الإنتاج ، كما تساعده على تقدير نسبة الإنتاج . كما أن على الحكومات أن توجه المنتجين إلي إنتاج ما يصلحون لإنتاجه ، وفي الجهات الصالحة لهذا الإنتاج . وإلي أن يستطيع العالم أن يجد لنفسه نظاما أصلح من نظام الثمن في تقرير نسب الإنتاج وظروفه ، فليس لنا من سبيل إلا أن نخضع لحكم الظرف ، وأن نعمل ما وسمعنا العمل للتخفيف من أثر الخضوع إلي هذا النظام . صحيح أن بعض الدول قد اتخذت لنفسها في سبيل تنظيم الإنتاج ونسبه سياسة أخري غير سياسة الثمن السوقي ، مثل روسيا الشيوعية ، فقد وضعت الإنتاج وتحديد نسبه تحت سلطة الهيئة التنفيذية ، وبذا تخلصت من الاضطراب في الإنتاج والتوزيع إلي حد ما ؛ غير أن لهذا النظام من العيوب ومن الظروف ما يجعلنا نهمله جانبا بما لا يترك لنا إلا أن تحسن النظم القائمة وتدخل عليها ما يوافق العصر من روح التجديد .
تكلمنا ، ولا اقول انتهينا ، من كيفية الإنتاج فعلينا ان نتساءل الآن : أما وقد انتجنا فكيف نوصل منتجاتنا إلي من أنتجت لهم ! لقد نشأت فئة التجار والمنظمون ليتولوا هم عن المنتجين تلك المهمة ، فنشأت معهم مشكلة الرأسمالية ؛ ذلك أن التاجر او المنظم بما له من دراية واسعة يستطيع أن يحصل علي ربح يزيد كثيرا على اجره الحق ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد ، بل إن تراكم هذا الربح عند التاجر أو المنظم يضع تحت يده قوة شرائية كبيرة لا يستهلكها كلها ، بل يحول النسبة
العظمي منها إلي قوي إنتاجية . وينشأ عن إساءة توزيع القوي الشرائية ، وتحويل نسبة اكبر مما يجب إلي القوي الإنتاجية ، ينشأ عن ذلك كساد في استهلاك السلع الاستهلاكية ، فيحدث هبوط في الأسعار تصحبه اضطرابات في النظام الاقتصادي يعرفه البعض بأزمات إفراط في الإنتاج ، وسميناه نحن فيما سبق عدم تناسق في الإنتاج والتوزيع .
وقد عملت الهيئات المسئولة ، تلافيا لهذا الوضع الشاذ ، على فرض الضرائب المباشرة وغير المباشرة ، تأخذ من جانب وتعطي الجانب الآخر ، فتكفل التوازن المنشود . وعلى الرغم مما يشعر به دافع الضرائب من الألم ، وعلى الرغم مما يتصوره الكثيرون من هدم عدالة نظام الضرائب ، فقد اثبت هذا النظام انه خير حل لمشكلة عدم التوازن في توزيع القوي الشرائية . غير أنه على الحكومات أن تضع نصب أعينها حين تلجأ إلي فرض الضرائب مسألة هي في غاية الأهمية ، الا وهي أثر الضرائب في قوي الإنتاج ؛ فقد توصلنا إلي ان مدار الإنتاج هو الربح الذي يفوق المجهود ، فطالما ان الضرائب لا تتعدي هذا الحد فلا خوف على نظام الإنتاج .
فإذا وصلنا إلي التبادل التجاري الدولي ، فقد اصطدمنا بصخرة عاتية ؛ فالدولة مدفوعة بعوامل الوطنية والاستقلال السياسي والاقتصادي ، تريد ان تظهر بمظهر المعتد بنفسه الواثق من كفاية نفسه بنفسه ، فيلجأ المنتجون إلي استغلال المرافق الضعيفة التي لا تتناسب مع المجهود المبذول ؛ ولكى توجد السوق لهذه المنتجات الكثيرة النفقات تلحأ الدولة إلى سياسة السوق المقفل ، فتضع الموانع من رسوم جمركية ، إلى قوانين منع - الخ ولعل الأمثلة قريبة إلي الأذهان بصورة لا تدعو إلي شرح أو تطويل ؛ وليس ثمة شك في أن هذه السياسة تؤدي إلي خسارة في عوامل الإنتاج ليس لها ما يبررها
ولعله يحسن بنا أن نبين العلة الأصلية لهذه الظاهرة . لقد شعرت بعض الدول منذ الثورة الصناعية حوالى منتصف القرن السابع عشر ، ان هناك دولا قد اتخمها
الغني وملأها الثراء العريض دون أيما سبب ، اللهم إلا حظ باسم قد ألقى بمراسى الثروة صدفة ، إذ بدأ هناك الانقلاب الصناعي ، فكانت بداية حسنة . ونتيجة لهذا السبق في العمل حصلت تلك البلاد على مزايا إنتاجية مكنتها من الإنتاج بنفقات أقل من غيرها ؟ فلم تجد البلاد الأخرى بدا من وضع العراقيل في وجه تلك المنتجات ، حتى تفسح المجال وتوفر الفرصة لمنتجاتها الأهلية التي نشأت في ظروف اقل ملاءمة من غيرها من المنتجات ، وإن كانت تستوفي الشروط الاقتصادية المناسبة للإنتاج ، فكانت النتيجة المباشرة أن قابلتها الدول الأخرى بإجراءات انتقامية مقابلة دون النظر إلي ظروف القرارات الأولى ،
ولقد كانت سياسة الدول لمعالجة تلك الحالة هي سياسة الاتفاقات الاقتصادية والتسلط الدولي والاستعمار . ولقد أثبتت تلك السياسات عقمها وعدم صلاحيتها ما لم تكن علي نطاق دولي وبشكل عادل للجميع ؛ ولكن أنى للعالم السلطة التي تكفل العدالة الدولية ، وكيف للنفوس البشرية وقد اختلفت في طبيعتها أن نتحد في إدارتها . لقد ظهرت ، عصبة الأمم ولكنها نشأت كرضيع حكم عليه بالموت ذلك لأن القانون لا يستمد هيبته إلا من قوة منفذة ، ولأن العدل له مقاييس عند مختلف الأفراد وعند مختلف الشعوب غير أن التجربة الفاشلة في عرف الرجال إنما هي تمهيد لتجربة ناجحة ، وإنا لنسمع اليوم من كل جهة احاديث كلها آمال وأمان تدور حول نظم المستقبل ؛ فسمعنا مثلا عن مشروع نظام أوربا الجديد وما قابلة من جهة الحلفاء مشروع حكومة الأمم المتحدة لما بعد الحرب ، وإن كانت هذه الفكرة لم تنضج بعد ، ثم ما كان من تقديم مقترحات لتنظيم وتثبيت النقد الدولي ، فقدم اللورد كينز ) المشروع البريطاني ( مشروعا دعا فيه إلي إنشاء غرفة مقاصة عالمية ، كما اقترح وحدة القطع ) النقد الدولي ( الدولية وأسماها بنكر Bankor كما قد المستر مرجنتو ) المشروع الأمريكى ( بتكوين بنك عالمي تشترك فيه كل دولة بنسبة دورتها الإنتاجية الحقيقية ، ويتمثل ذلك في نقدها المصدر الناسب للحالة الاقتصادية ، علي ألا تزيد نسبة إحدي الدول عن ٢٥ %
من الرصيد العام ، وأن يكون لهذا البنك الإشراف التام على حالة العالم المالية والاقتصادية ، كل ذلك جميل ، بل لعل تلك المشروعات تحمل في أساسها شيئا جديرا بالبحث والتقرير . ولكن قبل أن تندفع مع تيار المستحسنين علينا أولا ان نراجع الفكر ونسائل المقترحين ، كيف يمكن لأي بنك دولي يشرف على كل الدول ؟ وان يملى إرادته عليها او على الأقل بوحي بالرهبة إلي كل من تحدثه نفسه بالخروج عليه ؟ إننا مع اقتناعنا بوجاهة النظم المقترحة وصلاحيتها لان تكون أساسا للبحث ، ما زلنا نعتقد بأن كل المقترحات التى تبعد عن الأساس إنما هي مسكنات وقتية لا تلبث طويلا ، ثم يأتي رد الفعل أقسى مما كانت عليه الحال أولا . فالسبيل العملى الوحيد هو إنشاء إدارة دولية واحدة تشرف بالقوة العادلة على مصالح العالم الاقتصادي والمالى ، وحينذاك تصبح المشاكل الفرعية كمشكلة الأجور والإنتاج
والنقد وما إليها مشكلات سهلة الحل ممكنة التسوية . ولكن السبيل إلي تقرير إدارة دولية عادلة سبيل صعب شائك ؛ فكيف توافق الدول الغنية على التنازل عن غناها بمحض إرادتها ، وخصوصا ان لها من القوة والنفوذ ما يستحيل معه إنشاء إدارة دولية دون موافقها ودون اشتراكها فيها . إن هذه المسألة لتجلب اليأس إلي قلوب الكثيرين ؛ ولكن نظرة ممعنة إلي روح الإنسانية المتغلبة في هذا العصر واقتراب الدول والبقاع نتيجة سهولة المواصلات ، يؤدي بنا إلى شئ من التفاؤل المتحفظ ؛ فأمامنا المثل واضحا على قبول المجتمع الحديث لفكرة مصلحة المجموع وتضحية البعض في سبيل الغير في نظام الضرائب ، فمع ان الضرائب تأخذ من جانب لتعطي الجانب الآخر ، فقد أصبحت في الدول المتمدينة امرا عاديا لدى جميع من تقع عليهم ، وخصوصا إذا تقادم عليها العهد .

