الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 717 الرجوع إلى "الرسالة"

المشكلة الألمانية، (دراسة سياسية اقتصادية اجتماعية)، تأليف الأستاذ سامي عازر جبران المحامي

Share

الأستاذ سامي عازر جبران محام شاب نابه لم يقصر نشاطه  على المحاماة؛ بل له في الصحف والمجلات - وفي المجتمعات  أحياناً - بحوث في المسائل السياسية والاجتماعية لها طابع خاص  من الدرس والتمحيص. ولعله اقتبس هذه الميزة عن والده المحامي  الكبير الأستاذ عازر جبران، فقد كانت أحاديثه ومناقشاته في مجلس  الشيوخ متسمة باتساع في الأفق وإحاطة بدقائق الموضوعات التي  يطرقها. ولقد زاملته وزاملني في هذا المجلس وقتاً ما. ووددت  لو استمرت هذه الزمالة. ولكن الحكومة لم تجدد تعيينه بعد  انتهاء مدة عضويته. وهو ثالث ثلاثة كان عدم تجديد تعيينهم  حجة لي على الذين يرمون هذا الشعب بأنه لا يحسن اختيار الأكفاء  لتمثيله في انتخابات حرة. وقلت لهؤلاء اللائمين أن يخففوا من  غلوائهم في تجريح الشعب. وضبت لهم الأمثلة على اختيار  الحكومة أمعن في الخطأ وعدم تقدير الكفايات من اختيار الشعب  إذا تركت له حريته في الانتخاب. ومن هذة الأمثلة عدم تجديدها  تعين ثلاثة من الشيوخ .منهم الأستاذ عازر جبران وسلم  اللائمون بأن حجتي مقبولة بالنسبة لهؤلاء الثلاثة.

(المشكلة الألمانية) دراسة منسقة مستفيضة للأستاذ سامي  أخرجها في كتاب متوسط الحجم. عالج فيه مسألة من أهم المسائل  العالمية التي تشغل أفكار الناس كافة. وهي الطريقة التي يحسن  أن تعامل بها ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب الأخيرة. وقد طرق المؤلف  هذا الموضوع من شتى نواحيه. وعرضه على القارئ عرضاً شائقاً،  وقرن كل دراسة لفصوله بالرأي الذي يرتئيه. ويبدو لن يقرأ الكتاب  أن مؤلفه درس المسائل التي عرض لها دراسة مستفيضة. وأحاط  بالبحوث التي أخرجها علماء السياسة وأقطابها. فجاء كتابه ثمرة

طيبة لدراسات وتأملات عميقة. وفي الحق أن القارئ لهذه  الدراسات يسره أن يرى فيها وفي مثلها صورة من جهود  الشباب في نشر الثقافة السياسية والاجتماعية بطريقة  علمية تأليفية.

ولا يرى الأستاذ سامي أخذ ألمانيا بالشدة المتناهية في الانتقام  وساق على ذلك أدلة مقنعة، أهمها إن المعاملة الصارمة التي عوملت  بها عقب الحرب العالمية الأولى كانت من العناصر التي ولدت  الحرب العالمية الثانية. وإن مسؤولية الحربين لا يمكن أن تحصر  في سياسة ألمانيا وحدها. وإن نظرية تفرد شعب بالذات بصفة  الاعتداء والوحشية نظرية تعسفية؛ لأن أصل شعوب الأرض  واحد أياً كان ذلك الأصل. ولأن النازية (الوطنية الاشتراكية)   هي سمة ألمانية للفاشية، والفاشية لا هي بالألمانية ولا هي بالإيطالية  ولا هي باليابانية؛ وكلنها ظاهرة دولية انتشرت في مختلف  بقاع العالم.

وساق الأستاذ سامي الأدلة على إن الشعب الألماني شعب مسالم  بطبعه. لم يكن راغباً في الحرب بل كان يميل عنها وينفر منها.  ولكن النازية هي التي دفعته إلى الحرب. فمن الإنصاف أن  لا يؤخذ الشعب بجريرة النازية. وإن مهمة الديمقراطية المنتصرة  ليست في تحطيم الشعب الألماني بل في تحطيم النازية وحدها. أما  إذا هي عملت على تحطيم الشعب الألماني فإن هذا سيثير في نفسه  روح البغض والكراهية مما يمهد في المستقبل إلى حرب عالمية  أخرى. وإن الاحتلال العسكري الطويل في ألمانيا يعطل الثورة  الاجتماعية المرتقبة فيها والتي تميل بها إلى الديمقراطية.

ومن آرائه الموافقة قوله إنه لا يمكن أن نتصور أن أية محكمة  دولية أو أية حكومة أوربية يصح أن تكون أكثر من ستار  شفاف لديكتاتورية يفرضونها على العالم، وإن التاريخ يعلمنا إنه من  النادر أن استعمل القوي قوته استعمالاه محايداً للصالح العام، وأن  الحل الوحيد الحاسم يتلخص في تحويل ملكية القوات الحربية  من ملكية الدول منفردة إلى ملكية دولية عامة. لأنه طالما أن  كل دولة تملك قواتها الحربية وأسلحتها فسيظل (توازن القوى)   هو الشغل الشاغل للسياسة الدولية.

وقارن الأستاذ سامي بين موقف المنتصرين في أعقاب الحرب

العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وموقفهم في مؤتمر فينا  سنة ١٨١٤ - ١٨١٥ عقب سقوط نابليون وانتصار الحلفاء  على فرنسا وقتئذ، وكيف عولمت فرنسا معاملة معتدلة فقبلت  شروط الصلح ونفذتها راضية دون أن تفكر في الانقضاض  عليها، فلم تنشب في أوربا حرب عالمية كبرى زهاء مائة عام. على  عكس ما وقع في مؤتمر فرساي سنة ١٩١٩ فإن شروط المنتصرين  القاسية مع ألمانيا جعلت الحرب العالمية الثانية تقوم قبل انقضاء  ربع قرن على الحرب العالمية الأولى.

وبعد فإني أهنئ الأستاذ سامي عازر جبران بهذا الكتاب  القيم. وبهذا الجهد الموقف في البحث والتفكير، والعرض  والتحليل وحسن الأداء. وأرجو له المزيد في الإنتاج والتأليف.

اشترك في نشرتنا البريدية