الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 318الرجوع إلى "الثقافة"

المشكلة الكبرى

Share

هي مشكلة بغير شك، وليس من الهين أن نبلغ في حلها الغاية التي نرجوها بغير أن نعد لها كل ما استطعنا من عدة، هي مشكلة تتطلب منا ان ندبر المال الكثير من وجه من وجوه تحصيل المال ولو أدى ذلك إلى الاستدانة ، ونحتاج إلى أن نجرد لها كل ما عندنا من قدرة على التنظيم ، وتتطلب فوق ذلك كله أن نسلح أنفسنا بكل ما لدينا من ذخيرة الحماسة والإخلاص .

نقصد بهذه المشكلة تلك الوثبة الشاملة التي لابد لنا من أن نقدم عليها في شجاعة وعزيمة ، وثبة الإصلاح الجوهري الذي نحس الحاجة إليه في كل خطوة نخطوها وعند كل نظرة ننظرها . إننا لا نرى ضرورة يدعو إلى بيان الحاجة إلى تلك الوثبة نحو الإصلاح الشامل ، الآن كل مصري له عينان أصبح اليوم يؤمن الإيمان الكامل بضرورتها، من الوزير الأول إلى رجل القرية الذي يسير إلى حقله هادئا مستسلما للقضاء ؛ ولكنا مع ذلك نجد واجبا علينا ألا ندع فرصة تمر بنا بغير أن ننادي مطالبين بحل تلك المشكلة بصوت عال ممتلئ بالإخلاص لمستقبل هذه البلاد العزيزة .

نحن نؤمن بأن الجميع يعرفون ضرورة هذه الوثبة الإصلاحية الكبرى ، ونؤمن بأن الجميع مخلصون في رغبة الخير لهذا الوطن الذي يمدنا بالحياة ، ونؤمن بأن القائمين بالأمر هم من أعمق المصريين شعورا بالحاجة إلى الإصلاح وأصدقهم نية في الاتجاه إليه ؛ ولكنا مع ذلك نعلم أن تيارات الحياة كثيرة ، وأن هذه التيارات تتدافع من جهات مختلفة ، وأن تدبير أمورها يشغل قسطا كبيرا من اهتمام الحكومة والشعب على السواء ، فلا يدع القلوب خالية لتأمل الإصلاح المنشود والتفرغ لرسم الخطط المؤدية لتحقيقه.

سمعنا رئيس الوزراء يهتف منذ حين بأن البلاد في أشد الحاجة إلى الإصلاح وأن الخطط التي تؤدي إليه لم ترسم

بعد ، ولم تلق من التفكير الجدي ما هي جديرة به ، وأنه ينوي أن يجعل ذلك الإصلاح نصب عينيه وأنه لن يترك أمره فوضى ، بل سيعمد إلى البحث الدقيق والتدبير الحكيم حتى يضع له الخطة التي تكفل إنفاذه . سمعنا هذا الهتاف الكريم فأثلج صدورنا وصدور المخلصين من بني مصر وأضمرنا املا فسيحا بأن الغد سوف يطلع علينا بتحقيق آمال كانت داعمة عزيزة علينا ، نتطلع إليها على مر الدهر ولا نهتدي إلى الوجه الذي نتجه فيه إليها . ونحن نعرف لرئيس الوزراء ماضيا يجعلنا نطمئن إلى أنه إذا هتف فإنما ينطق عن عزيمة جادة لا يبتغي من ورائها دعاية الألفاظ ، ولهذا ثار في نفوسنا من الأماني ما يحملنا بين حين وآخر على إعادة الكرة في المناداة بهذا الواجب الحيوي الخطير .

إن الذي يقيم في القاهرة أو الإسكندرية أو في بعض عواصم الأقاليم جدير بأن تغيب عنه الحقائق التي تحيط بسائر الإخوان الذين يعيشون في القري والكفور . إن هذه الطرق التى نسير فيها في العواصم ، وهذه العمارات التي تحف بالشوارع الكبرى ، وهذه الفيلات البديعة التي تملأ الأرياض، وهذه البساتين أو الحدائق الباسمة التي تطلع على الأنظار من ثنايا المساكن الرائعة ، كل هذه لا تستطيع أن تمثل وطننا المصري بحال من الأحوال . فالذي يمثله في الحقيقة إنما هو هذا الريف بحقوله وطرقه ومساكنه الموزعة في العزب والكفور والقرى . ومن شاء أن يبرز لمصر صورة صادقة كان عليه أن يتجه نحو الريف وحده، فهناك روح مصر وهناك الحياة المصرية الصميمة . والشعب المصري الحقيقي ليس هو هذا الحضري النظيف الذي يزذحم في دور السنما أو التمثيل أو المنتديات العامة ، وليس هو هذا اللا النشيط في المتاجر والمصانع . ليس الشعب المصري هو هذا وإن كان سكان الحضر جزءا من شعب مصر . فالجزء الاكبر من الشعب إنما هو المتمثل في هذه الملايين الغزيرة الموزعة على حقول الوجهين القبلي والبحري ، تعمل في الشتاء القارس والصيف المحرق في الري والعزيق والحرث وإنتاج جل ثروة البلاد من محاصيل نباتية وحيوانية .

هذه كلها بديهيات ، ولكنها مع ذلك لا تبرز في الأذهان بروزا كافيا ، بل تغطي عليها معان أخرى تشغل الجانب الأكبر من اهتمام أولى الشأن من رجال الحكم ورجال الفكر .

لقد كانت المسائل السياسية ولا تزال إلى اليوم صاحبة المكان الأول من اهتمام المشتغلين بالأمور العامة؛ فالأحزاب السياسية والجماعات المثقفة التى تمثل المهن الحرة والمنتديات الأدبية والاجتماعية ودوائر المفكرين المختلفى الشارب - هذه كلها تجعل المكان الأول من تفكيرها للمسائل السياسية ، سواء منها مسائل السياسة الداخلية ومسائل السياسة الخارجية . ولسنا نزعم أن هذه المسائل غير جديرة بالأهتمام ، بل هي جديرة بالاهتمام الكبير . ولكن الشيء الذي نريد أن نوجه إليه النظر هو أن هذه المسائل السياسية على خطوريها لا تزيد على أن تكون في المحل الثاني من الأهمية بالنسبة للحياة نفسها . إننا نحس أن حياتنا نفسها مهددة بأخطار جسيمة لا تحمينا منها كل السياسة الداخلية والخارجية

نحن كشعب يتطلع إلى حياة تامة في المستقبل القريب ؛ نجد أخطارا تحيط بنا وتهدد هذه الحياة المستقبلة . فلو فرضنا أننا حققنا في مصر كل نظم الحكم الصالحة وحققنا كل الاستقلال في الداخل والخارج ، فإن تلك الأخطار التي تهدد حياتنا تنذر بأن تضيع كل جهودنا عبثا .

هناك مشاكل ثلاث بعرفها الجميع ويتحدث فيها الجميع ، ولكن لا يعني بها أحد عناية عملية كافية: هناك مشكلة الفقر ، ومشكلة المرض ، ومشكلة الجهل . وهناك مشكلات صغيرة تتفرع عنها تكاد تنتظم كل مرافق الحياة اليومية للكتلة الكبرى من الشعب . فهل من المعقول أن يستفيد شعب من أي نظام صالح في الحكم أو أي استقلال في حكم نفسه أو أي مشاركة دولية مع بلاد العالم المتمدن ، ما دامت هذه الأدواء تنحر في عظامه وتهبط به كلما حاول الارتفاع ؟

إن الحكم الصالح قد يتوفر تدريجيا ، بل إنا نعتقد أنه سائر دائما إلى الأمام رغم ما يبدو عليه من اضطراب يعتريه بين حين وحين . وأن الاستقلال السياسي في الداخل والخارج قد يتوفر ذلك شيئا بعد شيء، بل لقد تقدمت مصر في سبيله خطوات محمودة مع كل ما يبدو من التعثر في سيرها نحوه.

ولكن الشيء الذي لم يحدث تدريجا ولم نخط في سبيله خطوات ولو ضئيلة هو الحياة نفسها . والشعب إذا لم تلتمس له الحياة لم يكن أمامه سوى الهبوط نحو الفناء . وبضعة أعوام من سنوات المحن كانت كافية في بعض عهود تاريخ مصر لأن تهبط بالدولة المصرية من ذروة المجد إلي حافة الهاوية . فإذا نحن سمحنا للأخطار المحيطة بنا أن تستمر على تهديد حياتنا لم يكن لنا أي أمل حقيقي في المستقبل

فليس لنا من طريقة أخرى إذا شئنا الحياة سوى أن نجعل لأنفسنا شعارا وطنيا جديدا وهو "الإصلاح الشامل".

لابد لنا من أن ندرس علة هذا الفقر الذي يسلب جمهور الشب كرامته الإنسانية ، وأن نعمل على القضاء عليه مهما كلفنا ذلك من تفكير ومال وسعي . لقد طالما بحثنا عن أسباب ذلك الفقر وأعتقد أننا قد وضعنا أصبعنا السبابة عليها منذ طويل . فلم يبق أمامنا إلا أن نعمل على القضاء على تلك الأسباب كائنة ما كانت ونتجرد لها بما لدينا من الشجاعة حتى نخلص حياتنا منها . فالأمر ليس موضعا للمجاملة ولا للتريث ، بل هو أمر يتوقف عليه كل مستقبلنا . لابد لنا أن نلتمس موارد جديدة للثروة ، وأن نعمل على توفير هذه الموارد للشعب المصري وأن نزيد بكل طريقة ممكنة في دخل الأفراد لكي يمكنهم من الحياة عند المستوي الذي يليق بالبشر أن يعيشوا فيه . وقد تعترض سبيلنا في هذا اعتبارات شتى لها قوتها ، ولكن الواجب علينا أن نجعل المسألة مسألة جهاد وأن ننظر إليها على حقيقتها بأنها مسألة حياة أو موت لنا .

وتوزيع الثروة طريق غير مباشر لتحسين مستوى حياة الكثرة من الشعب . وهو في مصر محتاج إلى كثير من التعديل والتحرير ، فالضرائب على الدخل وسيلة من وسائل إصلاح توزيع الثروة إذا كانت تصاعدية إلي الحد الذي يكفل التقليل من القمم المرتفعة من أصحاب الثروات الذين يزيد دخلهم على القدر المعقول . ليس من المعقول أن توجد فئة من أفراد يبلغ دخلها مئات الألوف من الجنيهات مثلا في كل عام مع أن الفرد لا يحتاج في أعلى صنوف الحياة إلى مئات الألوف من الجنيهات . لقد لجأت انجلترا وأمريكا إلى المغالاة في الضرائب المتصاعدة لمقابلة أزمة الحرب الحالية ، ونحن نواجه خطرا على حياتنا القومية لا يقل عن الخطر الذي يواجه انجلترا وأمريكا من الدول المعتدية . فواجبنا ألا نتردد ولا نخشى الخطوة الجريئة نحو الإصلاح إذا شئنا أن نحقق الإصلاح الجدي .

وهناك ضريبة التركات ، وقد نظر فيها في الدورة البرلمانية الماضية ، ولكن أصحاب المصالح المادية لم يسمحوا للمبدأ السليم أن يسيطر على الأمور ، ولهذا خرج المبدأ ممسوخا لا يكاد يغني فتيلا . وضرائب التركات في البلاد الأوربية قد تبلغ أكثر من نصف ثروة الشخص إذا بلغت مقدارا معينا . وتجني ميزانيات الدول من هذه الضريبة مئات الملايين سنويا تستعين بها على الإصلاح الاجتماعي الذي يرتفع بالطبقات الفقيرة من شعوبها .

فإذا قلل ارتفاع القمم في الثروات وعمل على الارتفاع بالعامة من الفقراء كان هذا مثابة تقريب بين مستوى الحياة في طبقات الأمة ، وهو من أول ما تقضي به المبادئ الديموقراطية الصحيحة . والصناعات المصرية سواء منها الصناعات الريفية والصناعات العامة من أكبر ما يساعد على فتح موارد الرزق للشعب . فواجبنا كذلك أن نستزيد منها وأن نفكر في الوسائل التي تخلقها وتتقدم بها نحو الكمال .

علينا أن نفكر في هذه الوسائل وأمثالها وان نضع  الخطط لتنفيذ ما نراه يوصلنا إلى غايتنا ، وأن نقدم على التنفيذ

يعد ذلك في جرأة وإخلاص . وليست مشكلة الفقر قائمة بذاتها منفصلة عن سواها ، بل هي أساس للمشكلات الأخرى. فالأفراد إذا ارتفع مستوى حياتهم المادية ! أمكنهم أن يسموا بأنفسهم صحيا وعقليا واجتماعيا والدولة إذا توفرت لدسها الأموال من وسائلها الطبيعية أمكنها أن تعمل على مداواة المشاكل الأخرى مثل الجهل والمرض وما يتفرع عن تلك المشاكل الكبرى من شعب صغيرة ولكن حل هذه المشاكل كلها لا يتأتى بمجرد التفكير السطحي فإزالة الجهل مثلا ل تتأتى بمجرد التحدث عن التعليم والبرامج وإنشاء المدارس ، بل لابد لنا من أن نعد له عدة الجهاد الكامل ، وأن نقدر ما يجب له من الوسائل ثم نمضي نحو الإصلاح قدما حتى نقضي عليه في مدة محدودة . فلا غنى لنا عن أن نبدأ منذ الآن في إعداد الخطط المفصلة للإصلاح وأن نعزم عزما صحيحا على إنقاذه وتدبير ما يلزم له . وليس هذا بالمستحيل علينا إذا توفرت لنا الشجاعة والعزيمة

إنه ليحز في نفوس المخلصين من أبناء مصر أن يسيروا في قرية من قرى الريف فيروا طرقا عفنة ومساكن كالقبور وأكواما تفيء في ظلالها الأوبئة ومساكن خاوية من الطعام والأثاث بل من أشعة الشمس التي تعمر الفضاء كله ، فإذا رأوا في الطرق أناسا رأوا أحمالا بالية فوق أجسام نحيلة ووجوه شاحبة ما كان أجملها لو اكتست لحما و ودما . إن القرية في حاجة إلى الطريق النظيف وإلى البناء الملائم ، وإلى القوت وإلى العمل المنتج الذي يعود بالرزق الكافي وإلى الدواء للمرضى من مرمودين ومحمومين ومبطونين ومصدورين وغيرهم ممن تفتك بهم الأمراض ، وهي محتاجة إلى العلم الصحيح الذي يرتفع بالعقول إلى الإدراك الإنساني وبالنفوس إلى الكرامة البشرية

القرية محتاجة إلى كل هذا ، وإلى أن يتم لها كل ذلك فكل رقي سياسي لا يجد من بحثه أساسا يرسو فوقه ولا يمكن أن يقام بناء إلا إذا قام أولا من تحته الأساس المتين

اشترك في نشرتنا البريدية