الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 18 الرجوع إلى "الثقافة"

المشية والخلق

Share

- أتعرفه ، هذا الجالس وحده عند المائدة الثالثة على اليمين ؟

- لا ، لا أعرفه ولا أذكر أني رأيته من قبل . - من أي بلاد تظنه ؟ - من إيطاليا أو أسبانيا . - لو قلت من مصر أو الشام لكنت أقرب إلي الحقيقة

- أنت تعرفه إذن ؟ لا ، ولكني رأيته ماشياً ... فعرفت من مشيته أنه شرقي

- وهل للشرقيين مشية خاصة أيضا ؟

- إي نعم . المشية الشرقية في نظري هي أخص مميزات الشرقي .

- وكيف نصف هذه المشية الشرقية ؟ - ليس ذلك بالأمر الهين . . ثم إني أخشى غضبك إن أنا فعلت .

تفضل ولا بأس عليك فلسنا بأطفال . - كيف أصف لك المشية الشرقية .. اضطراب .. تفكك ... انحلال .... هي مثل الموسيقى الشرقية ، فيها رقة لا تخلو من جمال، وفيها وقار يسمو بها أحيانا إلى النهاية ؟ ولكن ليس فيها قوة وليس لها غاية ... ثم هذه الكآبة وقلة التنوع في الموسيق الشرقية يقابلهما اليأس والحيرة في المشية الشرقية ... قد يسرع الشرقي في مشيته ويوسع خطاء ، وقد يندفع ويسابق ، ويقتهم ويزاحم ، ولكنك لا ترى فى كل ذلك ما يدل على أنه « يريد الوصول إلى مكان معين .

وكل هذه الصفات خاصة بنا دون غيرنا ؟ . لا أقول إنها خاصة بكم دون غيركم، فعى موجودة ومعروفة عندنا أيضاً ، ولكنها نادرة ... ليست نموذجية ... يصح أن يقال عنها إنها تحتل المشية الأوربية .

قد سئمت والله حديث النماذج والنموذجيات ، والأمثال والمثلات : لقد أفسدتم الأسلوب العلمى ، والتفكير السليم بهذه القوالب الصناعية . « فليس بالقياس تجرى أمور الناس ) .

- هذا صحيح غير أنه لا ينطبق على علم المشية والخلق

- " علم " المشية والخلق أو قد صار علما هذا ال ؟ ؟ ؟ ؟

هذا اللغو! نعم ! قلها ولا تبال. أما أنا فقد لا حظك وفارنت وأحصيت وراجعت ؛ فاجتمع لدى من المواد ما يكفى لوضع علم جديد

ألا تحدثى عن تاريخ هذا العلم الجديد ؟ كيف ابتدأت الخ

كانت أبحاثى الأولى فى المشية والعقل ، درست مشية المكران والمعتوء والمتخلف والضعيف العقل والصي. ثم درست المشية والحرفة ؛ فكنت أول الأمر لا أعرف منية التاجر من مشبية الموظف ، ولا مشية العالم من مشية الفنان ؛ فواصات البحث حتى صرت أستطيع تعيين رئبة الضابط وهو بلباس السهرة ... ثم تعرفت بالأستاذ ) بـ ( . وأظهر اهتماماً شديدا بهذا الموضوع ، فكان يأتى إلى عيادتي مرتين في الأسبوع مدة سنتين ، فنراقب المرضى من النافذة بعد خروجهم، وتقابل نتيجة الخصهم بخصائص مشيتهم . واكتشفنا أشياء كثيرة أهمها منية التخنث وفي السنوات الأخيرة قمت بسياحة طويلة في بلاد الشرق الأدنى وشمالي أفريقيا كما تعلم ، فكنت أجلس في مقاعى الطبقات المختلفة ، فألاحظ المسارة وأتحدث مع الجالسين. كانت دراسات هذا العهد أخصب وأمتع وأكثر تنوعاً من كل دراساتى السابقة ... مشية البدوى المتحضر والفلاح المتمدن ، والشيخ التفرع ، وحديث النعمة ، وريب النعمة ... ثم أنواع المتفرتجين الذين تفرجوا في أوربا والذين نفر نجوا ( محلياً » ... هذه هي خلاصة تاريخ علم المشية والخلق.

وأي المشيات الشرقية تعجبك ؟ تعجبنى مشية المرأة البدوية والفلاحة المصرية

وأكثر أساتذة المعاهد الدينية ، وبعض متفرع الجيل الماضي

لماذا لا يعجبكم من الشرق إلا القديم ؟ هذا طبيعي ومعقول لأن الجديد عندكم مقتبس الغرب وأنتم لا تحسنون الاقتباس ... انظر إلى الطلبة الشرقيين في أوربا مثلاً : كيف تصفهم ؟ الفقير منهم يشبه الوقاد الهندى أو الصومالي إذا خرج من الباخرة اليتجول في شوارع ليفربول ، والغنى بذكرك بالبقال الاسباني بلباس العيد ... أين هذا من وقار الشيخ المعمم ؟

القلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في زبه وعوائده وسائر أحواله ، كما قال ابن خلدون : يظهر أن هذا ناموس اجتماعی لا مفر منه .

أتعتقد حقيقة أننا من الغالبين ؟ إلى لأشك في ذلك . نعم نحن أكثر منكم مالا وعدداً ، ولكن ماذا صنعنا بذلك ؟ انظر إلى تاريخ جيلنا هذا ... حرب وهدم ، ثم بناء فيطالة ، ثم استعداد للحرب ، ثم حرب وهدم فبناء قبطالة واستعداد للحرب ، وهكذا... نحن كما قال شاعركم : ه لدوا الموت وابنوا للخراب » فصلا فكرتم في عاقبة الاقتداء بنا ... أم تطمعون أن تسلكوا نفس الطريق ولا تصلوا إلى نفس الغابة ؟ هل يجنى من الشوك العنب ؟ هلا غيرتم من مشيتكم دون أن تقلدوا منيتنا ... الله : الساعة السابعة : يجب أن أسرع ، تعال وافقني إلى المحطة

- لا أظنني قادرا على القيام بعد كل هذا - فضلا عن المشي

- إذن مع السلامة ، ولا نفس موعدنا يوم الخميس الساعة الرابعة

همبرج ( ألمانيا )

اشترك في نشرتنا البريدية