الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 655 الرجوع إلى "الثقافة"

المصادفات واثرها فى احتمالات التاريخ

Share

( هل تسير حوادث التاريخ سيرا منطقيا كما يصورها المؤرخون ؟ أم أن الحوادث العارضة العابرة اسير بمجراها هنا أو هناك كما تشاء لها المصادفة ، يوضح لنا الكاتب في هذا المقال كيف أن التاريخ يبدو لنا من بعيد منطقيا أكثر مما كان في الحقيقة ، ) " الثقافة "

حينما تبلغ الحوادث في عصر من العصور مبدأها ، وتستكمل الرواية التي تمثل في كل زمان فصولها ، وتسدل عليها الآستار ، ويلوذ ممثلوها بعالم الصمت ، يخيل إلينا أن الحوادث التي وقعت متتابعة لم يكن منها بد ولا عنها محيد . وأنها كانت حتما مقضيا ، وأن بينها ترابطا منطقيا لاثلة فيه ولا فكاك منه ، وربما كان هذا نوعا من خداع النظر إلى القاضي ليس لنا فيه حيلة ، ولا نزاع في أن الأحداث التاريخية مما لا يمكن رده ، وأن ما مضى فات ولن يعود ، ولكن ليس معنى هذا أنه كان محتوما ، وانه لم يكن في كل لحظة من اللحظات وموقف من المواقف عرضه للتغير والسير في اتجاه مخالف للاتجاه الذي سلكه ، والقاضي على ما يبدو قوة سحرية تجعلنا نعتقد أنه لم يكن هناك سبيل إلى حدوث شئ آخر ، وذلك في حين أن الكثير من الحوادث التاريخية كان يمكن أن تقع في صورة أخرى غير الصورة التي اتخذتها ، أو تتجه اتجاها آخر لو وجد البطل الذي يستطيع مواجهة الظروف وحسن تصريف الأمور أو غير ذلك من الأحوال والملابسات

ويري بعض المفكرين أنه من العبث وإضاعة الوقت التفكير فيما كان يمكن أن يكون ، وأن فتح باب المحتملات التى كانت متوقعة في أي زمان لا يقف عند حد ، ولا يحقق غاية ، ولا يجدي فتيلا ، وهذا الرأي صحيح من الوجهة العملية التجريبية ، لأن الرجل العملي يحاول أن يفيد من الأمور كما هي ، ويأبي أن يشغل تفكيره ويوزع قواه في النظر إلى الأمور كما كان يمكن أن تكون ، ولكن الرجل المطبوع على التفكير والتأمل والولع بالقياس والاستنباط

لا يرى ذلك عديم الجدوي ، ودأبه أن يفكر في الحاضر والمستقبل والخالد الباقي والفاني الزائل ، ومن ثم لا يري بأسا في أن يسائل نفسه عن المحتملات التى كان يمكن أن تكون لو تغيرت بعض وجوه التاريخ .

وبرغم الخلاف القائم بين أنصار الجبرية في التاريخ وبين القائلين بحرية الإرادة فإنه من الواضح أن بعض حوادث التاريخ المعروفة كان يمكن أن تأخذ وضعا آخر وترتسم في صورة غير الصورة المعهودة ، وقد تكون حوادث التاريخ الكبيرة ووقائعة العظيمة خاضعة لقوانين لا مفر منها ، ولكن المصادفات والحوادث العرضية والنزوات البشرية والحماقات والسخافات والالتواءات والأنحرافات لها مع ذلك مكانتها وآثارها سواء في حياة الأفراد أو الجماعات ، ورب مصادفة أشقت رجلا وحطمت أملا ، ورب نزوة من النزوات أو حماقة من الحماقات أثرت في مصير أمة وأخرت تقدم جيل من الأجيال وحملته مالا يحتمل من الخطوب والأرزاء ، ويبدو لي أن التاريخ في مجموعه مزيج غريب من الجبر والحرية والضرورة والاختبار ، وفي بعض المواقف كان مصير أمة من الأمم معلقا بيد رجل واحد ، وكانت هذه الأمة تسعد إذا أحسن الاختيار وأجاد التفكير ، وتشقي إذا أساء الاختيار وركب رأسه وطاوع نزواته ؛ ونحن نشاهد في حاضرنا أمثلة تؤيد ذلك ، وقد كان الماضي في ذلك مثل الحاضر حذوك النعل بالنعل كما يقول العرب .

وبروز عامل الاختيار وعامل المصادفة في الحركة التاريخية مما يجعل دراسة الحوادث التاريخية نافعة إن كان هناك وجه للانتفاع بتجارب التاريخ ؛ وذلك لان لو كانت حوادث التاريخ محتومة ولا متحول عن وقوعها لما كان علينا ضير في أن تنفض

أيدينا من العمل وتكتفى بترقب الحوادث ؛ ولكن لما كانت الطبيعة البشرية في جوهرها غير متغيرة وكانت الظروف تتشابه في اقبالها وادبارها وشدتها ولينها فقد نستطيع الاستفادة من أخطاء الأمس ونكبات الأيام السوالف ، ومن ثم قد يكون هناك فائدة في معرفة ماحدث ومعرفة ما كان يمكن ان يحدث.

ومما يزيد هذا النوع من التفكير قيمة أن العامل الحاسم للرجح في موقف من المواقف أو ازمة من الأزمات قد يكون شيئا خفي الشأن غير واضح الأهمية ، وقد يبدو زهيد القيمة ضئيلا هزيلا ، ولكنه مع ذلك قد يحول مجري التاريخ ، وفي بعض الأحيان يكون للصغائر والتوافه أهمية وآثار بعيدة ترجح أهمية التفكير السديد والحساب الدقيق والنظر البعيد ، ولعل الشريف الرضي كان يقصد شيئا من هذا القبيل في بيته المؤثر الذي يقول فيه :

إذا ظننا وقدرنا جري قدر  بنازل غير موهوم ومظنون

وقد تناول الكاتب الإنجليزي البحاثة والمؤرخ السياسي القدير الأستاذ هير تشو موضوع المحتملات التاريخية في سلسلة من الفصول نشرت في إحدي المجلات الأدبية الأسبوعية في انجلترا ، وقدم فيها أمثلة من تلك المحتملات ؛ وقد ساعده اطلاعه الواسع وعلمه الغزير على أن يختار أمثلة عامة من التاريخ العالمي لها دلالتها ، وأمثلة خاصة من تاريخ انجلترا السياسي ؛ ومن الأمثلة التي اختارها من التاريخ العالمي ذلك المثل الذي كثيرا ما يردده أنصار مذهب المصادفة وتأثيرها في التاريخ ، وهذا المثل هو أنف كيلو بطره المسكين الذي رأي الباحثون قبل هيرتشو حشره في هذا الموضوع . وقديما قيل إنه لو كان أنف كيلو بطره أكبر مما كان لنغير وجه التاريخ ! وذلك لأن هذا الأنف الضخم كان لا بد أن ينتقص من جمالها فلا تظفر بالمكانة التي ظفرت بها في نفس يوليوس قيصر ومارك أنطوني ، وبذلك كانت لا تقع موقعة اكتيوم ويتغير تاريخ الرومان وتاريخ العالم تبعا لذلك ، ويقول هيرتشو تطبقا على ذلك : " ) اني بريء من القول بأن حجم انف أي سيدة أو شكله - على الأقل في تقديرها - شئ من الأشياء الصغيرة التافهة ، ولكنه ليس من الأشياء التي ينظر إليها باعتبارها من الأشياء الحاكمة الفاصلة في مصاير

الأمم عند القائلين بالعناية الإلهية أو القائلين بالجبرية الاقتصادية ، ولكن مع ذلك فإنه من الأشياء القابلة للمناقشة أن أنف كيلو بطره لو اختلف قليلا ولو بمقدار قيراط عما كان عليه انقضى ذلك على جمالها ولما استطاعت أن تفتن قيصر أو تسحر مارك أنطوني بجمالها ، ولتغير تاريخ الرومان تغيرا كبيرا ، وتغير تبعا لذلك تاريخ العهد المسيحي بحذافيره. ولما حدثت موقعة اكتيوم، ولما قامت امبراطورية أغسطس على الصورة التي قامت بها ، ولما حكم سوريا بوتياس بلاط ولا هيرود ، ولما وجدت الظروف التي مكنت القديس بولس من القيام برحلاته التبشيرية ، وربما ظلت روما بعيدة عن الديانة المسيحية ، وهكذا إلى مالا يمكن تحديده .

وذكر الأستاذ هيرتشو حادثة من حياة جان جاك روسو . باعتبارها مثلا من الأمثلة الكثيرة على تأثير المصادفة في حياة الأفراد والأمم ؟ ففي حياة روسو حادثة تبين لنا كيف أن شيئا تافها من الحين إلى الحين يجعل تيار الحوادث ينحرف عن مجراه ؛ ولقد كان روسو نفسه من أبناء المصادفات وحياته نفسها سيطرت عليها ظروف اتفاقية عرضية ؛ ففي اليوم الرابع عشر من شهر مارس سنة ١٧٢٨ وهو في السادسة عشرة من عمره وكان يحمل سببا عند أحد الحفارين في جينيف ، ذهب مع رفيقين له في أمسية من أماسي يوم الأحد الباردة النسمات إلي جولة بالضواحي ، وكان يعلم أن أبواب المدينة تقفل في الساعة الثامنة فأسرع حتى لا يصل متأخرا ، وحدث في ذلك اليوم بوجه خاص أن الجندي القائم بحراسة الأبواب كان حريصا على الانصراف قبل الميعاد المحدد ليحظي بلقاء الفتاة التي يحبها ، وإذا أقفل الأبواب قبل الميعاد المحدد ، وسمع روسو وعلي مقربة من الباب صوت الطبلة المنذرة وانطلق بأقصي ما يستطيع من السرعة ليصل قبل أن يقفل الباب ، وكان على بعد عشرين خطوة حينما وقعت الحادثة القاضية ، ولم يعر الحارس العاشق الولهان صراح روسو أي التفات ، وكانت هذه هي المرة الثالثة التي بات فيها روسو خارج المدينة ؛ وكان سيده الفظ الغليظ قد هدده بالعقوبة الشديدة إذا تكرر منه ذلك ، واذا صمم روسو علي عدم العودة إلي المدينة ، وبدأ حياته المتقلبة المضطربة وهو خالي الجيب من النقود ولا يملك شيئا

سوى ما كان يرتديه من الملابس ، وهذه الحياة القلقة النابية الهمته كتابة كتاب العقد الاجتماعي ، ورسالة عدم المساواة ، وكتابه القيم في التربية المسمى إميل ؛ ولو أن روسو جاء إلي باب المدينة في الوقت المناسب لما اضطر إلى هذا النوع من أنواع الحياة ، ولما وجد أحد الأسباب الفكرية للثورة الفرنسية ، ولا فقد روبسيير المنبع الأصلي لوحيه ، ولحرمت الدمقراطية الحديثة من ظهور أحد رسلها الأعلام ، وروسو نفسه قدر بعد ذلك هذه اللحظة الحاسمة وأثرها البعيد في تاريخ حياته وسجل ذلك في اعترافاته .

وفلاسفة التاريخ من طراز بيكل وأوجست كونت ومن إليهما يحاولون أن يجعلوا التاريخ علما آليا ، ولكنهم يواجهون من الحين إلى الحين بعض المظاهر التي لا تفسرها الفلسفة المادية والتي لم يكن في نبع العقل البشري ، التكهن بحدوثها ، وليست كل هذه الحوادث غير المنتظرة من أنواع الأشياء التي تبدو صغيرة تافهة ، ولكنها مع ذلك تؤثر تأثيرا بالغا ، فهناك أشياء على جانب من الخطورة والأهمية ، وهي ظهور الإرادة البشرية القوية التي تطبع الحوادث بطابعها وتدفعها دفعا إلى الناحية التي تريدها ؛ ويتجلي ذلك في ظهور أمثال قيصر ونابليون ولوثر وأضرابهم من الرجال الأعلياء والقادة البرزين ، ولا نزاع في أن أمثال هؤلاء الرجال إلي حد ما ثمرة زمانهم ، ولكنهم من ناحية أخري يفرغون زمانهم في الغالب الذي يختارونه . وهم رواد لما يسميه برجسن " التطور الحالق وقد اختار الأستاذ هيرنشو من بين هؤلاء العظماء المتبقيين الإسكندر المقدوني ليتخذ من حياته وموته دليلا على أثر الإرادة البشرية في توجيه التاريخ ، وذكر أن الإسكندرولد سنة ٣٥٦ قبل الميلاد وكانت المعركة بين الشرق والغرب على أشدها ، وقد ظلت مستعرة النيران دائرة الأرجاء مدة مائتي سنة منذ منتصف القرن السادس حينما ضم كيروس الفارسي اسيا الصغري إلي امبراطوريته المترامية الأطراف وفرض سيادته على المدن اليونانية ، وكان اليونانيون من الرعايا الثائرين المتمردين ، وقد نهبوا سارديس سنة ٤٩٩ قبل الميلاد مما اضطر الملك الجليل الشأن - ملك الدولة الفارسية - إلي محاولة القضاء عليهم ، ومن ثم الحملات التي قادها داريوس واكسرسيس والتي صد غارتها اليونانيون

في المعارك المشهورة في التاريخ أمثال معركة مارثون وسلاميز وبلاتيا ؛ ولو عزم اليونانيون في تلك المعارك لتغير وجه التاريخ ، لأن اليونانيين كانوا من اكبر أساتذة العالم في الفن والعلم والفلسفة والأدب ، ولكن اليونانيين كان ينقصهم الدين والإنسانية ، كانت لهم آلهة كثيرة ولكن آلهتهم كانوا مساعدين سياسيين لهم ، وكانت العبقرية اليونانية عبقرية أرضية ، وكانوا لذلك تنقصهم النزعة الإنسانية ، فكانت اهتماماتهم مقصورة على مدينتهم ، ولم يكن عندهم أي فكرة عن الأخوة الإنسانية ؛ وموجز القول أنهم كان ينقصهم هذان العنصران الجوهريان اللذان كانت آسيا قادرة على مدهم بهما ، ومن ثم مأساة هذا الصراع الطويل بين قومين كان كل منهما في حاجة إلى أن يستكمل نفسه عن طريق الآخر ، وقد قدر لفيليب المقدوني ولابنه الأعظم شأنا أن يريا الطريق لإنهاء هذا الصراع الطويل ، وقد بدأ فيليب العمل بإخضاع المدن اليونانية وضمها لدولته المقدونية ، ولما قتل فيليب سنة ٣٣٦ تولي ابنه الإسكندر انجاز الخطة التي وضعها أبوه ، وقد هزم الفرس ، واستولي على امبراطوريتهم ، ومزج الغرب بالشرق ، وساعد على توحيد آسيا وأوربا ، واحترم عقائد الإسيويين ، وأنشأ مدنا يونانية في وسط آسيا ، ومن هذه المراكز الثقافية تغلغلت اللغة اليونانية والفلسفة اليونانية والعلم اليوناني في آسيا ، وانبعثت من جراء ذلك حضارة جديدة بلغت الأزدهار في الإسكندرية حيث ثم امتزاج الشرق والغرب .

ولقد تم ذلك بفضل الإسكندر وفتوحه المظفرة ، ولكن حينما أصابته حمي الملاريا وهو في الثالثة والثلاثين من عمره . وختمت حياته في سنة ٣٢٣ قبل الميلاد كان لا يزال أمامه أعمال كثيرة ، فلو لم يمت الإسكندر في ريعان الشباب وعاش سنوات ليوطد دولته ويتم برنامجه لتغير تاريخ العالم ، وقد كان حين وفاته يهم بإخضاع شبه جزيرة العرب وكان ينوي ضم قرطاجة إلي أملاكه وإخضاع روما ولو مد له في العمر لتغيرت تبعا لذلك حوادث التاريخ .

ومن الأمثلة التي ساقها الأستاذ هيرنشو لتأييد فكرته في محتملات التاريخ هزيمة كينتقياس قيراس الحاكم الروماني أمام القبائل الألمانية وإبادة ثلاث فرق من الجيش الروماني

وقد كانت نتيجة هذه المعركة الساحقة أن عجز الرومان عن بسط نفوذهم على القبائل الألمانية ؛ ولو لم يهزم قيراس هذه الهزيمة الشنعاء لاستطاع الرومان أن يفرضوا حضارتهم على ألمانيا ، ولما حدث بعد ذلك غزوات البرابرة للدولة الرومانية ، ولتغير تاريخ أوربا تبعا لذلك . وعرض الأستاذ هيرنشو لمعركة نور التى يسميها العرب بلاط الشهداء ، فلو ان جموع الفرانك التى كان يقودها شارل مارتل هزمت في هذه المعركة لكان لهذه الهزيمة آثارها البعيدة ، ويذكر كذلك حصار العرب للقسطنطينية من سنة ٧١٦ إلى سنة ٧١٨ ميلادية وعجزهم عن الاستيلاء عليها . ولو انهم قدروا علي ذلك لتغير وجه التاريخ . وضرب الأستاذ هيرنشو مثلا لأثر العوامل المفاجئة في التاريخ بظهور جان دارك . وقد استطاعت بقوة العقيدة أن تخلق من ضعف الفرنسيين قوة وأن تحيل انتصارات الإنجليز هزائم متوالية حتى اضطروا في النهاية إلى الجلاء عن الأرض الفرنسية

وأظن أن هناك صعوبات في رد نهوض جان دارك إلي الأسباب الاقتصادية والدوافع المادية ؛ ويختار هيرنشو مثلا آخر من تاريخ الإنجليز انفسهم ، وهو استيلاء وليام الفاتح على انجلترا في سنة ١٠٦٦ ووقوع معركة هستنجز ، وهذا الغزو النورماندي كان نقطة تحول في تاريخ الإنجليز ، ويري هيرنشو أن إقدام وليام على غزو انجلترا كان مغامرة محفوفة بالخطر وغير مضمونة النجاح ، لأن هارولد جودو إبنان كان محاربا من الطراز الأول ، وكان في جيشه مجاهدون أقوياء ، مجربون ، وكان له أسطول قوي يستطيع أن يشل حركة جيش وليام الفاتح ، ولم يكن هناك ما يبعث على الأمل في تغلب وليام ، ولو كانت الظروف عادية مألوفة لما استطاع وليام الوصول إلى الجزر البريطانية ، فقد ظل طوال الصيف وهو ينتهز الغرة من الأسطول الانجليزي ليعبر القناة ؛ ولو كان وليام هو العدو الوحيد لهارولد ، لعرف هارولد كيف يتقي شره بسهولة ، ولكن هارولد كان له لسوء حظه عدوان آخران أحدهما كان أخاه ، والآخر ملك النرويج الذي جاء على أمل أن يستعيد ضم انجلترا إلي لسكنديناوه ؟ وبينما كان هارولد يراقب من الشاطئ الجنوبي نزل ملك النرويج

في بور كشاير واضطر هارولد إلي ترك مراقبة الشاطئ الجنوبي والإسراع للقائه . وقد تغلب عليه ، وانتهز وليام الفرصة للنزول بإنجلترا ، وأقبل هارولد في جموعه للقائه ، وكانت جنوده قد نال منها الإعياء ، خسر الحركة ، ولو أنه تمهل وانتظر لاستطاع أسطوله أن يقطع اتصال جيشي وليام بقواعده في الغارة الأوربية ويحرمه من موارده ويمهد بذلك السبيل لهزيمته وسحقه . وقد أراد الأستاذ هيرنشو بذلك أن يوضح أن انتصار لبام قد قام على حلقة من الصادقات الصالحة ، وهذا انتصار وليام قد قام على المصادفة أثر في تاريخ انجلترا تأثيرا بعيد المدى .

ويمكن أن نسوق من تاريخ الأمم المختلفة أمثلة كثيرة كالتي اختارها الأستاذ هيرنشو لبيان أثر المصادفة أو الأمور التافهة الصغيرة أو إرادة الرجال الممتازين في سير التاريخ . والواقع أن التاريخ يبدو لنا من بعيد منطقيا أكثر مما كان في الحقيقة ، وإن كان لقوانين الطبيعية والبواعث الاقتصادية أثرها في التاريخ فإن المصدفات والنزوات والصغائر والسخافات لها فيه كذلك مكانها الملحوظ وآثارها الباقية

اشترك في نشرتنا البريدية