منذ سنوات طوال دعتنى الظروف الى الاهتمام بمشكل من اصعب مشاكل اللغة العربية الحديثة وهو مسألة المصطلحات العلمية ونشأتها وتطورها . .
اعترضنى هذا المشكل حين قمت بتحرير المقالات العلمية بمجلة المباحث كما اعترضتني بتأكد حين كلفت بتدريس الحسابيات بالجامعة الزيتونية عند تقرر تحوير برامجها وادخال العلوم العصرية ضمن منهاجها فأدتني الحاجة التدريسية الملحة الى تأليف كتب فى الحساب والجبر كنت أول واضع لها بهذه البلاد . فكنت أطالع لذلك كتب الشرق غير راض عن الكثير من مصطلحاتها وكنت أبحث بتشوق عما نشر من قديم المؤلفات في العلوم الحسابية وعما بقى من المخطوطات الخاصة بهذه العلوم . . .
واليوم وقد تحقق بحول الله تعالى توسيع مجال العربية بهذه الربوع وصار من المتأكد وضع البرامج القومية والحث على التاليف فى شتى الميادين وإنشاء المصطلحات التى تدعو اليها مقتضيات الحاجة رايت أن اجمع فى هذا المقال ثمرة ما ادى اليه التفكير في هذا الموضوع - ( وهو ما عرضته فى مقدمة معجم المصطلحات الحسابية ، أطروحتى لديبلوم الدراسات العليا للعربية بكلية باريس فى ماى ١٩٥٥ ) -
والله أسال ان يتيح لى متابعة هذا السعى عسى ان اكون قد قمت ببعض الواجب والله ولي التوفيق ..
وضع اللغويون منذ القرون الاولى للهجرة معاجم قيمة هى لنا امهات المراجع حصروا فيها مادة اللغة ... فنذكر من بينها كتاب العين للخليل والصحاح للجوهري ( توفى سنة ٣٩٣ ه ) والمحكم والمخصص لابن صيده ( توفى سنة ٤٥٨ ه ) ولسان العرب لابن منظور ( ٦٣٠-٧١١ ه ) والقاموس المحيط للفيروز ابادي ( ٧٢٩ . ٨١٦ ه ) الخ ٠٠
ولكن هذه المعاجم سائرها اعرضت اعراضا تاما عن الالفاظ الاصطلاحية
ما كان نحويا منها او فلسفيا او فقهيا تشريعيا ؛ ولاتجد فيها اثرا يذكر للمصطلحات العلمية الحسابية . .
فشعر العلماء منذ عهد بعيد بهذا العيب ، وكثيرا ما حاول الاخصائيون تسديد هذا الفراغ ، فبذلت مجهودات حميدة فى شتى الميادين الفنية لوضع المصطلحات العلمية ، بيد ان اتساع الميدان العلمى وتشعب فروعه لم يمكنا هذه المجهودات من الوصول الى الغاية ولم ينتجا سوى بعض الدراسات المبدئية ، السطحية طبعا لتشتتها وجريها وراء نتائج عامة غير مخصصة مدققة . . وان ننس فلا ننسى كشف الظنون لحجي خليفة ( توفي سنة ١٠٧٥ ه ) وعلى الخصوص المعجم القيم الذي جمعه التهانوى ( ١١٥٨ ه ) فسماه كشاف اصطلاحات العلوم . . ونذكر من بين المستشرقين دوزي وكتابه " ذيل المعاجم العربية " ( ليدن ١٨١٨ م )
ومنذ ما يقارب الثلاثين سنة اقبل الكتاب على وضع المعاجم الخاصة ببعض فروع العلوم والفنون . وانشئت المجامع اللغوية (١) فكان اهم غرض لانشائها " افساح افق الالفاظ الموجودة " . . الا ان عملها كان هزيلا وآلت جلساتها الى اجتماعات رسمية تشريفاتية يتخللها بين الفينة والفينة نشر قليل مما تعرضه من الالفاظ لتبرر وجودها والميزانية المخصصة لها . .
وقام بعض الاخصائيين بمجهودات فردية واجهوا بها ما بين اللغة فى حالتها الراهنة وبين آثار الحضارة من بون شاسع وشوط بعيد جعلا اللغة جائمة تنظر عن بعد قافلة المدنية غير قادرة على اداء معانيها عاجزة عن تدوين منتوجات الحركة الفكرية فى شتى ميادينها . .
لقد اتسعت دائرة العلوم فى عصرنا هذا ، وتطورت الاوضاع الاجتماعية وتشعبت سبل الحكومة والعلم والفن ، وتعددت مصطلحاتها ، البعض اسماء لمعان والبعض اسماء لذوات ، فصار نقلها عبئا ثقيلا ؛ وتحير الكتاب واختلفت المذاهب : فمن داع الى نقل هذه الالفاظ برمتها الى العربية قائلا انها مصطلحات علميه عالمية ، ومن محافظ على كيان اللغة نافر من كل شائبة يشوه بها ما حفظته السنون من سلامة العربية ونقاء جوهرها . .
هذا هو المشكل الدقيق الذي يعترض الكاتب العلمي في العربية ؛ وهذه هي العقبة الكأداء التى عليه اقتحامها . أفيولي وجهه عن لغته المتوارثة عابثا بكيانها متبعا اسهل الطرق وهى اقتفاء اثر الغير واقتباس قوالبه واوضاعه ، فلا تكون كتابته فى العربية فى شىء ولا هى تنسب الى لغة من اللغات الاعجمية بل هي مجموع رقاع لا ذوق فى تجانسها ولا انسجام بين اطرافها ؟ ام هل سيفرط فى سلامة لغته متعنتا غير قابل لما عدا الالفاظ العربية الاصل ؟ ام هل سيتوسط بين هذين الطرفين مشتقا ما امكنه اشتقاقه على الاساليب الخاصة بالعربية ومحيزا ما امكن اخذه على المجاز وناحتا كلما كان ذلك فى مقدوره وناقلا عن لغات الاجانب إذا الجأته الضرورة الى ذلك ؟
اما نحن فنرى من المتحتم على الباحث -بادىء ذى بدء - ان يتصفح المؤلفات العلمية الماضية والمخطوطات القديمة وان يدرسها درسا مدققا وان يستخرج منها معجما خاصا مضبوطا تاما للالفاظ المستعملة لدى علماء الاسلام - ومن ذلك يمكنه ان يفكر فى كيفية تكوين هذه المصطلحات ونشأتها وما طرأ على استعمالها من التغير فى النطق او الدلالة بحسب الظروف وما داخلها من تأثير المدنيات الاجنبية فاتسع به متن العربية فوسعت سيل العلوم المتدفق . أفلم يكن في امهر النقلة في العصر العباسي من كانت ثقافتهم سريانية او ارامية او فارسية او هندية ؟ ومنهم حنين بن اسحاق وثابث بن قرة وقسطا بن لوقا البعلبكي واكثر ما نقلوه من اليونانية او السريانية الى العربية ومنهم محمد بن ابراهيم الفزاري ناقل كتب الهيئة والفلك من الهندية الى العربية وغيرهم وغيرهم ... فهؤلاء وضعوا من المصطلحات ما لم بجدوا بدا من وضعه وادمجوه في اللغة (١)
ونحن اعتمدنا لجمع ملاحظاتنا مصنفات الخوارزمي واخوان الصفاء ومخطوطات ابن البتاء والقلصادي . . تمتد هذه المصنفات على مدة تناهز قرونا ستة فأمكننا هكذا درس تطورات اللغة العلمية على ممر القرون . . واخترنا المصنفين الاولين من كتاب الشرق والاخيرين من كتاب المغرب العربي حتى
نتمكن من التنظيم بينهم ودرس التأثير الذي للبيئة والوسط الجغرافي على اللغة العلمية . .
فجمعنا الالفاظ الاصطلاحية التى وقفنا عليها فى المؤلفات التى ذكرناها على القاعدة التى ذكرنا وكونا معجما خاصا بالحسابيات ناقلين الحدود التى وضعوها لها معيدين جملهم بحذافيرها ...
ثم استخلصنا المعنى الاصلي الذى دلت عليه جذور الالفاظ المستعملة مستعينين بلسان العرب ومقاييس اللغة لابن فارس ومخصص ابن صيد - فبلغنا هكذا نشأة الالفاظ واطوار تكوينها . . وكان اللفظ لنا حيا متحركا متطورا ، فهو دائما فى تحول وانتقال ولا غرابة إذ ما ركد ووقف جمد وانقرض . ولعل اهم ما بنيت عليه طريقة هذا التكوين ما ارتكز عليه نقلة العرب في العصر العباسى - ولك فيما يلى خصائص الاساليب المتبعة لوضع لغة العلوم :
أ) ترجمة المفردات الاعجمية لفظا بلفظ كما وجد فى العربية مقابل للفظ الاعجمي يؤدى به ما يدل عليه من المعنى . فنجد اثرا قويا لليونانية فى نقل الالفاظ الهندسية من جيب ومخروط واسطوانة الخ ... كما نجد اثرا لحركة تبادل المنتوجات العلمية بين الهند والبلاد الاسلامية فى القرن الثاني للهجرة فنذكر من ذلك استعمال لفظ اهليلجة للقطع الناقص ولفظ الصفر نفسها كما نذكر الارقام الهندية التى استعملها العرب منذ نقلها البيرونى
ب) الاشتقاق : قال احمد بن فارس : " أجمع اهل اللغة الا من شذ عنهم ان للغة العرب وان العرب تشتق بعض الكلام من بعض " والاشتقاق فى الاصطلاح هو ان تاخذ من اصل فرعا يوافقه فى الحروف وتجعله دالا على معنى يوافق معناه وهذا هو الاشقاق الصغير . فمن وحدة الجذر يستخرج مجموع من المشتقات منظمة على حسب القواعد الصرفية . وطبقت هذه الطريقة حتى فى المعرب المنقول عن اللغات الاجنبية المخرج الى القوالب العربية كما فعلوا فى لفظ هندسة فاشتقوا منه فعل هندس واسم الفاعل مهندس وكذلك نسبوا الى الاسطرلاب ووضعوا لفظ الاسطر لابي
وهناك نوع ثان من الاشتقاق وهو يحفظ فيه المادة دون الهيئة قال ابن جنى : الاشتقاق الاكبر هو ان تأخذ اصلا من الاصول فتعقد عليه وعلى تقاليبه
الستة معني واحدا تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه ، وان تباعد شئ من ذلك رد بلطف الصنعة والتأويل اليه .
فعقدوا على السين والواو والقاف اذا اجتمعت معنى القوة والتجمع مهما كان ترتيب هذه الحروف فقربوا بين القوس والوسق والسوق والساق الخ . كما قاربوا بين بعض الحروف الاصلية اذا تقاربت مخارجها كما فعلوا فى الجذر والجدر والجذل والجذع ومعتاها جميعا الاصل
ج ) نقل المعنى وافساح مجال اللفظ بواسطة المجاز " وهو لفظ يستعمل لشئ بينه وبين الحقيقة اتصال وذلك كاتصال التشبيه واتصال السبب والبعضية والكلية والعموم والخصوص والاضافة والاشتمال " "الارتشاف لابى حيان" فاستعاروا لفظ البناء للبناء الهندسي ولفظ الجبر وهو اصلاح العظم المكسور واستعملوه للعلم المعروف واستعاروا لفظ الجيب وهو طوق القميص لنصف الوتر فى قوس من دائرة شعاعها وحدة الطول ولفظ الساق استعاروه لمسقط العمود والراس استعمل فى الزاوية ودرج المرقاة آستعير لوحدة الزواياو الاقواس
د ) النحت وهو جنس من الاختصار فان يجعل من كلمتين كلمة واحد كذا فعلوا اذ وضعوا لفظ اللا نهاية .
ه ) التعريف وهو اقتباس الالفاظ الاعجمية وهذا عرض اجتماعي يماثل زحف بعض الجماعات البشرية على اراضى الغير واستعمارها . ومتى كثر هذا النوع من الاقتباس تضاءلت اللغة وربما ادى ذلك الى اضمحلالها . وقد اجاز مجمع مصر الالتجاء الى هذه الطريقة اذا دعت الى ذلك الحاجة بان لا يوجد لفظ متداول فى اللغة او مهجور يؤدى بدقة المعنى المصطلح عليه . وفي القديم نقلوا عن اليونانية عدة الفاظ منها ارثما طبقى وجو مطريا واسطر ونميا واسطرلاب وقرسطون وعن الفارسية نقلوا هندزه بعد قلب الزاى سينا اذ لا وجود فى لغة العرب لزاي تقدمه دال ونقلوا الفرجار والزيج والجوزهر الخ .
وكثيرا ما يقتبس لفظ من لغة ونظيره في الدلالة من لغة اخرى فيأتي بالمترادفات او المشتركات المعنوية كما ترى فى هندسة وجو مطريا وفى ارثما طيقي وعلم العدد .
وبالجملة يمكننا ان نلخص اهم الاساليب الخاصة بانشاء الالفاظ الاصطلاحية فى طرق ثلاث نولى وجهنا شطرها الواحدة بعد الاخرى ونرتبها كما يلى بحسب الاولوية التى نرتئيها متحاشين قدر الطاقة خطر تشويه اللغة بادماج ماخالف اصولها ومادتها واقيستها واوزانها .
١) استعمال الالفاظ العربية المتداولة المألوفة بعد افساح مجالها بواسطة المجاز والاستعارة . وقد تقضى الحاجة باحياء بعض المفردات القديمة المهجورة للتعبير عن المعانى الجديدة تعبيرا مدققا . فتندمج هذه الالفاظ في المتداول من اللغة ، ولا يخفى ما لذلك من أثر فى توسيع متن اللغة وزيادة في قدرتها على التعبير فمن ذلك ما استعملت فى كتاب اصول الجبر من احياء لفظ الجداء الذى استعمله الخليل قبل ثم هجر وانقرض فجعلته لمبلغ ما يجتمع من الضرب . وكذلك في استعمال لفظي العدد الزائد والناقص للدلالة عما يعبر عنه اليوم فى الشرق بالعدد الموجب او الايجابي والعدد السلبى .
٢) وضع العلماء لالفاظ جديدة اذا لم يجدوا فى متداول اللغة ولا مهجورها ما يعبرون به عن المعنى الحديث . ويستعينون فى تكوين هذه الالفاظ بالنحت والاشتقاق بنوعية ومزج كلمتين او اكثر فى كلمة واحدة .
٣ ) تعريب الالفاظ الاعجمية تعريبا مطابقا لقواعد اللغة حتى يشبه المعرب اللفظ العربى الفصيح فيدمج فى صلب اللغة بعد صوغه في قالب الاوزان الصرفية العربية . وهذا لما يوسع نطاق اللغة ويزيد في ثروتها . الا اننا نرى انه لا ينبغى التهافت على هذه الطريقة - وهى اسهل طريقة واسلوب كسل - بل ينبغى تفضيل الطرق التبى بها تحفظ اللغة وتخلد سالمة صرفة متوارثة هى هى فى جملتها وفي اصول مادتها واوضاعها ، هذا وكان النقل فى العصر العباسى محصورا في الفارسية وفي اليونانية اما مباشرة واما على طريق السريانية وفى الهندية . . واليوم قد حل محل هذه اللغات لغات امم اضطلعت من العلوم العصرية هى امم اروبا وامريكا فيكون الاقتباس من الفرنسية والانقليزية والالمانية والطليانية وغيرها واساس الاختيار بين هذه اللغات هو مرتبة أهلها فى العلوم وينبغى ألا يقع الاختيار لمجرد الاحتكاك بامة من الامم لاسباب جغرافية او تجارية او اجتماعية استعمارية ، فمن اراد مثلا ان يقتبس المصطلحات الكيماوية فما عليه الا ان يكرع من مناهل
الكيمياء الالمانية بما امتازت به من التقدم بين الامم ومن كان اشتغاله بالطب فيولى وجهه نحو الانقلوسكسونية او الفرنسية او الروسية . .
ثم ان من الاستنتاجات التى استنتجناها من مطالعة المؤلفات والمخطوطات التى ذكرناها استنتاجا يرجع اسسه الى الاحصائية الحسابية ، فبالاستقراء المتواصل المصطلحات هذه المصنفات وقفنا على ٥٤٤ لفظا فنيا حسابيا وهندسيا فوجدنا من بينها ٤٧٥ لفظا قارا ثابتا متواترا تنوقل من كاتب الى كاتب ومن عصر الى عصر ومن مصر إلى مصر - وهناك ٣٦ لفظا اضمحلت وانقرضت فلا اثر لها فى كتب من تاخر من المؤلفين ، بعضها زال تماما وبعضها عوض بمفردات حديثة فلفظ القسم بفتح القاف عوض بالقسمة ولفظ عزل عوض بطرح ولفظ مقعر عوض باجوف - وهناك ٣٣ لفظا استعملت حديثا ولم تكن تذكر فى كتب الاقدمين وانما تقرر استعمالها عند من تاخر من الكتاب ومن بينها الفاظ اختص بها ابن البناء والقلصادى دون كتاب الشرق كالأس وهو دليل القوة والامام وهو مقام الكسر والبسيط وهو السطح المستوى على الخصوص او المساحة بصفة عامة .
ومن هذه الاحصائية يمكننا ان نقرر ان لغة الحسابيات في مجموعها قارة ثابتة وان كيانها وهيكلها واحد لم يداخله الا بعض التغيير الجزئى فى صور قليلة وظروف خاصة ، وهذا مما يجعلنا نثق بأن فى الامكان احياء هذه اللغة وتوفير ما لديها من المفردات وتوسيع نطاقها حتى لا ترمي العربية بعقم ولا بعجز وحتى لا يدعى المغرضون انها لغة ميتة غابرة . .
والسبيل هو استعمال طرق العربية الماضية فيبقى المنهاج متحدا وتبقى العربية واحدة مادتها واحدة وصيغها واحدة مهما كان الفن المدروس ومهما كان العلم المصطلح له .

