الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 127الرجوع إلى "الثقافة"

المطاط

Share

فى هذا المكان " من الثقافة " جرى الحديث عن البترول والحديد باعتبارهما أداتين من أدوات هذه المدنية الحاضرة فى سلمها وحربها . واليوم يجرى الحديث عن المطاط باعتباره أداة من أدوات هذه المدنية الحاضرة فى سلمها وحربها أيضا .

والبترول والحديد من طيبات هذه الأرض الصلدة الميتة الصامتة ، استبطنهما صخورها من عصور طويلة تضرب بعيدا فى الأزل ، فهما على أى صورة كانا ، وعلى أى طبع تطبعا ، ليس للانسان على صورهما وطباعهما من سلطان . وهما إن زادا أو نقصا فليس للانسان حيلة فيما هما عليه من زيادة أو نقصان . أما المطاط فمن طبيبات

الأرض الرخوة الحية الناطقة ، استظهرته الأرض أشجارا باسقة طويلة فى عهود حديثة ، إن اتجهت بسنيها نحو القدم ، فما هو إلا قدم قريب لا يوغل فى الماضى بعيدا . وهو من الطيبات التى دخلت فى مقدور الإنسان يستنبط منها على هواه ، فله على صوره وطباعه سلطان أى سلطان ، وله عليه القدرة كل القدرة فى زيادة أو نقصان ، فهو اليوم لو شاء لملأ بشجره الأرض حيثما تطيب له البيئة وتتفق الأجواء .

والحديد دخل فى خدمة الإنسان من عهد بعيد ، والبترول دخل فى خدمته من عهد قريب . وكذلك المطاط ، ولو أنه أحدث منه سنا - فالمطاط يمكن احتسابه

من مواليد القرن الماضى ، ولكنه لم يبلغ الحلم ويصبح قادرا نافعا واسع الحيلة حسن الخدمة خطير الواجبات منشور النفوذ إلا فى هذه السنوات الأربعين التى تصرمت من هذا القرن الحاضر .

فى القرن الماضى كان للمطاط لا شك وجود ، وكانت له منافع ، إلا أنها كانت منافع قليلة لا تتطلب منه غير مقادير يسيرة . وعدا هذا فالقرن الماضى كان عهد دراسة للمطاط ، وعهد استنباط لشجره ، فهو عهد تنشئة ، وعهد طفولة ، وعهد ترعرع ونمو . وقبل القرن الماضى لم يكن المطاط إلا غريبة من غرائب الوجود ، وتحفة من تحف المواد ، قيل عنها إنها " تنط كما ينط الأحياء " .

وموطن المطاط الأول أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى . وأول عين وقعت عليه من عيون أهل الدنيا القديمة عين مكتشف أمريكا ، كريستوفر كولومبس ، رآه فى زيارته الثانية للقارة الجديدة فى عام ١٤٩٣ ، إذ رأى أبناء تلك البلاد يلعبون " بكرات ثقيلة سوداء تنط على الأرض " يصنعونها من صمغ بعض النباتات .

وأعقب كولومبس رجال آخرون رأوا هناك ما رآه ، وحملوا منه إلى أوربا ما حملوه ، ولكن مع هذا بقى المطاط نحوا من قرنين أو ثلاثة لا وجود له إلا فى المتاحف .

حتى إذا جاء عام ١٧٧٠ ، أو حول هذا ، اكتشف له عالم انجليزى خاصة جديدة تخرج به من ملاهى الأطفال إلى مشاغل الرجال ، ومن هذه الخاصة أخذ المطاط اسمه لدى الإنجليز . أما الرجل العالم فالكيميائي الشهير بريستلى                                                                                                                                                                                                                                                 Priestly ، أول من حضر الأكسجين من أكاسيده                                                                                                                                                         وهو لا يدرى أنه بتحضيره هذا حضر أكبر الغازات خطرا ؛ وأما الخاصة التى وجدها للمطاط فهى أنه يزيل الخط الكتوب على الورق بالرصاص ، أى هو يمسحه .

وأما الاسم الانجليزى للمطاط فهو rubber ، ومعناه الماسح ، ومنه جئنا باللفظة العربية " المساحة " ، والاسم الانجلزى الكامل للمطاط هو India rubber ، أى المساح الهندى ، نسبة إلى الهند ، وعنوا بها جزائر الهند الغربية الأمريكية ، ومنها أو عن طريقها جاء المطاط أوربا أول الأمر .

ثم يمر الزمن وينصرم القرن الثامن عشر ، ويبدأ القرن التاسع عشر ، ويأخذ يمضى منه العقد فالعقد ، والمطاط حيث هو ، يطرق باب الصناعة ولا يؤذن له بالدخول . وما كان هذا لنضوب الفكر عند الصناع أو لعقم الخيال عند المخترعين ، وكيف ينضب فكرهم أو يعقم خيالهم ، وقد رأوا بأعينهم أهل أمريكا الأصليين يصنعون منه حتى القنينات يعبئون فيها الماء وغير الماء .

إنما كان ذلك لطبع سيئ فى المطاط : أنه إذا برد الجو وزادت برودته تهشش ، وإذا دفئ الجو وزاد دفئه تلزج . وبقى هذا حاله إلى قبيل منتصف ذلك القرن . وفى العقد الرابع والعقد الخامس منه كان العلماء يبحثون خواصه ، من حيث إذابته فى المذيبات ، وتأثير خلطه بالمواد ، فاكتشفوا أنهم إذا سخنوه بشئ من كبريت العمود نتج منهما مطاط جديد أقوى من المطاط الأول ، وأكثر مرونة ، وأصبر علي الحر والبرد . فهو لا يتفتت بانخفاض فى درجة الحرارة ولا يتعسل بارتفاع فيها . اكتشف هذا الكشف رجلان : أحدهما انجليزى ، واسمه هنكوك

Hancock , وذلك فى عام ١٨٤٠ ، ولا تزال فى لندن شركة باسمه . والآخر أمريكى ، واسمه جوديير Goodyear وذلك فى عام ١٨٤٦ ، وتحمل اسمه شركة عالمية فى غير حاجة إلى تعريف . ولو لا هذا الكشف ما كان خرج المطاط عن عزلته ، ولا اتسع نطاق استخدامه ، ولا كان له هذا الخطر الكبير فى حياة الناس .

وأسموا خلطه بالكبريت وأشباه الكبريت ، ثم معالجته بالنار , " بركنة " Volcanization ، وهى  كلمة اشتقوها من اسم إله النار عند الرومان واسمه بركان Volcan . ومن هذا اللفظ جاءت لفظتنا العربية بركان وبراكين وهى جبال النار .

وقبيل كشف البركنة ، أو عنده ، كانت بدأت صناعات جديدة يستخدم فيها المطاط ، لم تلبث أن تأزم بها الحال حتى كاد يقضى عليها ، فلما جاءها هذا الكشف أخذ بيدها إلى حيث السعة والرخاء . ومن تلك الصناعات الناشئة البادئة صناعة الأقمشة الممططة ، أى التى أشربت بالمطاط . وكان بدأها رجل اسكتلندى يدعى ماكنتوش Mackintosh . كان يذيب المطاط فى البنزين ، ثم يسقى الأقمشة من محلوله فيتبخر البنزين ويخلف على القماش طبقة رقيقة من المطاط تحمى لابسه من البلل والأمطار .

ولكنها أقمشة كانت لا تدوم طويلا ، وكان التلف يأتيها وشيكا ، تلف فى صقيع الشتاء وتلف فى قيظة الصيف . وعدا هذا فالمطاط قبل بركنته يقى من الماء حقا ، ولكنه يتبلل هو نفسه بامتصاصه بعض الماء . وزالت هذه العيوب جميعا بعد اتصال وقع بين ماكنتوش صاحب هذه الصناعة ، وهنكوك صاحب البركنة . وقدر لهذه الصناعة أن تستأنف الحياة وتتمدد وتتعدد شركاتها ، وبقى اسم ماكنتوش إلى اليوم علما على كل دثار يقى الجسم بلل الأمطار .

قالوا قديما إن النجاح يورث النجاح . وقد نجحت صناعة الأقمشة الممططة باستخدام البركنة فنجحت

البركنة بانجاحها هذه الصناعة ، فطلب أهل الصناعات للبركنة المزيد من النجح والانجاح . ولم تمض سنوات على هذا الطلب حتى تحقق بخلق صناعة جديدة قدر لها علي مر السنين أن تتضخم ثم تتضخم حتى تستوعب المقدار الأكثر ، والأكثر كثيرا ، مما ينتجه العالم من المطاط , مقدارا يزيد على ثلاثة أرباع نتاجه . وكان خلق هذه الصناعة فى عام ١٨٩٠ . وكانت هذه الصناعة صناعة الأطارات من المطاط ، إطارات العجلات المنفوخة بالهواء ، سواء منها ما ركب على عجلة يد ( بيسكلت ) أو سيارة أو طائرة . وما زال فينا أحياء حضروا خلق هذه الأشياء وتتبعوا نموها من ختام القرن الماضى إلى انتصاف هذا القرن الحالى ، أو وشك انتصافه . والمتتبع لهذا النمو يجد تناسبا مطردا بين نمو هذه المركوبات الثلاثة ، وبين ما استهلكه العالم من المطاط . فنتاج العالم اليوم من خامته يبلغ نحو 4/3 مليون من الأطنان ، بلغها فى زيادات

مطردة متصاعدة على مر السنين . فبين عام ١٩٠٠ إلى ١٩١١ كان متوسط الزيادة السنوية من عام لعام نحوا من ٣٠٠٠ طن . وبين عام ١٩١١ وعام ١٩٢٦ كان متوسط الزيادة السنوية من عام لعام ٣٤٠٠٠ طن .

ومنه دخل المطاط فى صناعة هذه الاطارات ، فى صناعة أقدام السيارات والطائرات التى بها تسير وعليها تدرج ، والتى لولاها لم تكن سيارة أو طائرة ، دخل المطاط فى حظيرة المواد التى يعتز بها فى السلم ، وتتكالب عليها الأمم فى الحروب .

وساير نمو المطاط فى شجره حاجة الناس إليه فى مصانعه . وكان مصدره الطبيعى البرازيل ، فى وادى نهر الأمزون وعلى جوانبه ، وهى مناطق غابات بها العدد الكثير من شجر المطاط ، نشأ هناك وحشيا . وظلت البرازيل مصدره الوحيد إلى عهد غير بعيد ، فلما اشتدت الحاجة إليه فى أواخر القرن الماضى حاولوا استنباته . ولاستنباته لا بد من بذور . وعارضت البرازيل فى إخراج البذور . وزاد فى الحرج أن بذور المطاط رقيقة المزاج سريعة العطب . ولكن أملا عريضا كهذا تناصره أمة عريضة الجاه فى أمم القرن الماضى لا يمكن أن يخيب فما كان عام ١٨٧٦ حتى كانت ٧٠٠٠٠ بذرة فى طريقها من البرازيل إلى انجلترا . وفى الحديقة النباتية اللندنية الشهيرة كيو kew استنبتت هذه البذور . وكان لا بد من زراعته فى بلدة تشبه البرازيل ، متوسط حرارة أرضها ٢٥ مئوية ، وتكاد تثبت على هذا طول العام ، ومتوسط ما تسقطه سماؤها من الأمطار فى السنة ٨٠ إلى ١٢٠ بوصة . والأمبراطورية البريطانية واسعة الأرجاء ، وبها كل الطقوس والأجواء . فاختاروا للنبات الناشئ جزيرة سيلان ، حملوا إليها ألفين من هذا النبات عبر البحار فى صناديق أجواؤها من أجواء وطن النبات الأول . ولم يمض على هذه التجربة الناجحة عامان حتى حملوا النبات إلي برما والملاى والهند الصينية وجاوه وصومترا ، أعنى تلك المجموعة من الجزر وأشباه الجزر فى

الركن الجنوبى الغربى من آسيا . وهى متوزعة الملكية بين يريطانيا وهولندا وفرنسا . وكان محصول تلك المناطق ١١٠٠٠ طن من المطاط فى عام ١٩١٠ . ثم ٣١٧٠٠٠ طن فى عام ١٩٢٠ . ثم ٥6٧٠٠٠  طن فى عام ١٩٢٧ . ثم زاد نتاج هذا المطاط المستأنس الأسيوى كثيرا حتى طغى طغيانا كبيرا على ذلك المطاط الوحشى البرازيلى فكبره عشرين ضعفا . فمحصول البرازيل لا يبلغ اليوم غير نحو ٥ ٪ من المحصول المستنبت المزروع .

وإلى جانب المطاط الوحشى والمطاط المستأنس يوجد المطاط الكيميائى ، وهو لا يستخرج من النبات ، وإنما يركب تركيبيا فى المعمل الكيميائى من عناصره ، أو من أجسام كربونية غاية فى البساطة تركب بدورها من عناصرها ، أو تستخرج مما ينتج النبات كالنشا . وأسبق الأمم إلى تركيب المطاط أحوج الأمم إليه ، وأصغر الأمم الصناعية بدا منه ، تلك ألمانيا . وقد دفعت إلى تركيبه دفعا فى الحرب الماضية لما فرغ ما لديها من المطاط ، وكان لابد منه لعجلة الحرب الدائرة . والحاجة تفتق الحيلة ، عند قادر . فاستخرجت من هذا المطاط بضعة آلاف من الأطنان ولكنه كان سيئ الخواص قليل المرونة ، وكانت مرونته وصفاته تزداد سوءا بالقدم . وكان فوق ذلك عالى الثمن كبير التكاليف . فاحتمل الألمان سوء طبعه وغلو ثمنه ما بقيت الحرب . فلما استقر السلام ، وانفتحت البحار إلى تلك السوق الأسيوية الهندية العظيمة صار المطاط الصناعى أثرا بعد عين . ولكنى أكاد أتخيل القوم ، وقد حبستهم هذه الحرب الحاضرة كما حبستهم الماضية ، قد عادوا إلى المطاط يستنبطونه بحيلهم الكيميائية وما أوسعها . فقد كانوا قبل هذه الحرب نجحوا فى استخراج وحداته التركيبية الأولى من البطاطس إذا هم خمروه ببكتريا خاصة توجد على البطاطس إذا تعطن . وهذه الوحدات تستحيل إلى مطاط إذا بقيت دافئة فى أوعية مقفلة أربعة أشهر أو ستة .

اشترك في نشرتنا البريدية