الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 29الرجوع إلى "الثقافة"

المطالعة، كيف نشجع النشء عليها ونرشدهم اليها

Share

" طالع ، لاحظ ، تعلم " تلك كانت نصيحة لجينس أحد النقاد الرومان إلي تلميذه في كتابه " عن الفن السامي ". إننا نتعلم عادة ما نلاحظه ونميزه، وما المطالعة إلا الخطوة الأولى في مرحلة المعرفة. ولا مراء في أن تجارب التلاميذ محدودة جدا، بل هي تعتمد على الكتب إلي حد بعيد . فهم يبدءون بسماع الكلمات أطفالا، ثم يتقدمون بالتدريج خطوة كبيرة، فيتعودون الكلام، ولا يكاد الواحد منهم يبلغ سن المراهقة حتى يقبل علي الكتب التي يقع عليها بصره يلتهمها التهاما وما مرحلة المراهقة إلا مرحلة المطالعة . ويعرفنا علم النفس ان للنشء ولعا شديدا بالمطالعة ، فهم يحبون القراءة في الكتاب ، ذلك الصديق الصامت الذي ينصحهم إذا شاوروه في أمورهم ، وهو بدوره أمين على أسرارهم ، وكم للمراهقين من أسرار ! ذلك هو الكتاب ذو الكيان الذي لا يتحول ؛ وهو مع ذلك يطوي قوة خفية لها أثرها وخطرها ، وقد بلغ به التواضع ألا يبالي أوضع في الجيوب ، أم علي الرفوف ؛ كما أنه طويل البقاء ، عظيم النفع ، قوي الأثر ؛ ذلك هو الكتاب صديق الولد الصغير ؛ فجان جاك روسو علي كرهه الشديد للكتب ، لم يحرم اميل تلميذه الصغير من كتابه " روبنسون كروزو " .

عرفنا إذا أن للكتب أهمية كبيرة ونفعا عظيما ، والان اود ان اسال الاسئلة الآتية: هل الأولاد المصريون يحبون المطالعة ؟ وهل هناك كتب تناسبهم ؟ وما هي المطالعة المحببة إلي نفوسهم ؟

التلاميذ المصريون كغيرهم من التلاميذ ؛ فهم يحبون

المطالعة حبا جما ؛ وهم لا يستعيرون الكتب فحسب ، بل يبتاعونها من مصروفهم دون ان يدفعهم إلى ذلك احد . وربما يبلغ إقبالهم علي المطالعة درجة يفضلونها فيها على اللعب ؛ وليس ذلك بعجيب ، فقد ورثوا قوة التفكير والتأمل عن اسلافهم الفراعنة والعرب الذين قتلوا الكتب بحثا وإطلاعا . والتلميذ المصري بطبيعته كثير الأسئلة ، مطلق الحرية ، يربي بين احضان الطبيعة ، لهذا نجده مسالما يفضل أن يترك وحيدا ليقرأ كتابه .

هل هناك كتب تناسب التلاميذ ؟ كلا . على الولد المصري أن يقرأ الكتب العربية والانجليزية . أما كتب المطالعة العربية فهي جافة إلي حد بعيد ، تحمل معلومات فقيرة هزيلة لا ترغيب فيها ولا تشويق . الوزارة تبذل جهدها فتمد التلاميذ بمعلومات تناسبهم ، ولكن عبثا تفعل ما دام درس المطالعة لا يخرج عن كونه درس نحو وصرف وإعلال وإبدال فالطريقة المتبعة في المدارس طريقة بالية طال عليها الأمد وخطأتها البحوث النفسية الحديثة ؛ طريقة تفسد جمال الموضوع فتجعله مشوها غير جذاب ، والنفس تميل بطبيعتها إلي الطريف المشوق . هكذا تخيب آمال التلاميذ في دروس المطالعة العربية فتعزف نفوسهم عنها وتتحول إلي قراءة الصحف ؛ وهذا هو البلاء الأكبر ، فأسلوبها عادي وكثيرا ما ينحط بما يحويه من أراجيف تخل بالموضوع والمعلومات . وليس في مقدور الناشئ أن يميز بين الغث والسمين والصالح والطالح ، مساكين هؤلاء الصغار ! لا غرو في أن جلهم يستعدون معلوماتهم مما يقرأونه في بيوتهم من صحف . وهكذا يستقون ثقافتهم وما أفقرها من ثقافة سطحية جافة ، . وما الصحف اليوم إلا طريقة لكسب المال أو استثماره بشتي الوسائل . صحافة مادية صرفة قتلت روح الثقافة وامتلأت صحائفها بمعلومات مغرضة ؛ دفعت أولادنا إلي الاشتغال بالسياسة .

وهناك القصة المترجمة التي شغف بها التلاميذ وأقبلوا على مطالعتها ، وهذا النوع من القصص ضعيف الترجمة ،

وكثيرا ما يكون غير مناسب لمدارك التلميذ المسكين الذي يشتريها بثمن قليل ويجد لذة في قراءتها . وقد قيل : ما لا يمكن علاجه فلابد من تحمله . فهم يشبعون ميولهم للمطالعة بقراءة روايات الجيب المختلفة التي تحوي المغامرات وأقاصيص الغرام . هكذا نعلم أولادنا : نتركهم في ظلمات بلا مرشد أو هاد . فقد فرغت هذه القصص من كل ما هو قومي ، إذ أن حوادثها وقعت في بلاد غريبة عن بلادنا . نجم عن ذلك أن أصبح التلاميذ المصريون يعرفون القليل عن البلاد الأجنبية ويجهلون كل شئ عن وطنهم ، إذ ليس ثمة شئ مكتوب عنه بطريقة جذابة صادقة . ماذا تفعل الوزارة ؟ إنها تضع عددا من الكتب الانجليزية والعربية ليقرأها التلميذ في العطلة الصيفية . أما هذه الكتب فهي إما علمية جافة أو أدبية ذات أسلوب يعلو على أفهام التلاميذ فلا يستسيفونه . زد على ذلك أنهم مجبرون على قراءتها أثناء العطلة الصيفية وكل مفروض مبغوض . وكثيرا ما صادفت تلاميذ لم يجدوا أي لذة في قراءتها . وهكذا صدفوا عنها إلي غيرها حتى يشبعوا رغبتهم في المطالعة . أليس من العجيب أن تفتقر إلي القصة وتاريخنا غني بالحوادث التي تعتبر مادة طيبة للتأليف؟ الحقيقة أن كل ما لدينا محاولات في المحيط الأدبى . إن تعجب فعجب أن تري أولاد متحمسين للمطالعة فلا تقدم لهم مادة لائقة تناسبهم .

التلاميذ المصريون يحبون من المطالعة ألوانا شتى . فهم يميلون إلي قراءة الكتب العربية قبل غيرها شعرا كانت ام نثرا ، ومدارك التلاميذ مختلفة ، فمنهم من يقرا قصص الأطفال ومقطوعات من الشعر الركيك ، وهم راضون بذلك كل الرضا. ومنهم من تطمح نفسه إلي ما هو أسمى فيقرا الأدب الرفيع ، ولا غرو في ان جل التلاميذ يقبلون على قراءة الكتب التي ترجمها أو وضعها المنفلوطي ، أحد كتاب مصر المجيدين. ذلك لأنه كتب في مواضيع شتى بأسلوب أخاذ ، فصور الغني والفقر أبدع تصوير ،

وعبر عن السعادة والشقاء أصدق تعبير ، وتناول كل ما يثير العواطف النبيلة ويلهب الحس المرهف . هذا النوع من الكتابة يناسب المراهقة ، غير أنه يخشى على النشء من ترهف إحساساتهم إلي درجة زائدة عن الحد ، فتصبح عواطفهم عرضة لأن تتأثر لأوهي الأسباب وأرخصها ! في حين أننا في حاجة إلي نشء قوي تعتمد عليهم مصر . ويميل التلاميذ إلي قراءة الصحف الانجليزية التي توصي الوزارة بشرائها ، لأن لغتها سهلة ، ولأنها متنوعة تحوي مواضيع شتي . وهناك أقلية تقرأ الصحف الانجليزية والفرنسية المحلية . كما أن هناك عددا لا بأس به يقرأ القصص البوليسية التي كتبها إدجار ولاس ، وأجاثا كريستي ، ودوروثي سيبرز وغيرهم ؛ وفي بعض الأحيان يحاول بعض التلاميذ ترجمة القصص الصغيرة ، وكثيرا ما تنجح محاولاتهم . ومن المؤلم والمخزي ان جل التلاميذ وخاصة الأغنياء يميلون إلي قراءة الصحف الأمريكية التافهة . وأما من نالوا حظا من الثقافة الفرنسية فقد تعودوا قراءة مجلات فرنسية خليعة مليئة بصور النساء العاريات وانتشرت هذه العادة كالوباء حتي أصبح يقرؤها كل التلاميذ سرا وعلانية ، مع ضعفهم في اللغة الفرنسية نفسها

مثل التلميذ المصري كمثل سفينة معدة بأجمل الشراع واصلبها ، ولكن لا هواء يحركها ويدفعها . فالتلميذ يرغب في المطالعة ، ولكنها لسوء حظه لا تجد مشجعا ولا مرشدا

لا بد إذا من إيجاد مواضيع مناسبة للنشء عندنا . وعلى خريحي الجامعة ان يبحثوا عن مصادر يتخذون منها مادة للكتابة التي تفيد التلاميذ وتسايهم ويجب الا تفوتنا العناية بالجانب الأخلاقي .

بعد أن نمد التلاميذ بالمادة الكافية المناسبة لعقولهم ، يجب ان تعلمهم كيف يقرؤون ، لأن القراءة فن مبني علي أسس ثابتة . في استطاعة الناس أن يأكلوا ، وقليل منهم من يعرف تماما كيف يأكل وماذا يأكل ، وبالمثل نجد أناسا كثيرين يطالعون وقليل منهم من يعرف كيف يفعل ذلك على اتم وجه .

ويجب ان يدرب التلاميذ علي استعمال المكتبات المدرسية ودور الكتب العامة ، وعليهم ان يعرفوا كيف يستفيدون منها . ويجب ان تكون المكتابات المدرسية في اماكن هادئة تشجع على المطالعة ، ويجب أن تكون حجرات المطالعة فسيحة معدة بوسائل التهوية ، وخاصة في جو مصر الحار في فصل الصيف . كما انه يجب أن يكون بدور الكتب مرشدون يدلون التلاميذ على الكتب الصالحة لهم المناسبة لمداركهم . وللتلميذ مطلق الحرية في اختيار الكتاب الذي يعجبه ، ولكن هذه الحرية يجب أن يحدها النظام والمنفعة ، وإلا فسدت اخلاق النشء ، وإن كان كل شئ يحق لهم فليس كل شئ يصح لهم .

أما في المدرسة فيجب أن يشجع التلاميذ علي القراءة بوسائل شتى ؛ فنوزع عليهم كتب الجوائز في مناسبات عدة . ولا شك في ان التلميذ يجد لذة في قراءة الكتاب الذي ناله جائزة وأصبح ملكة لا يشاركه فيه أحد . ويجب أن يشجع التلاميذ علي عمل مكتبات خاصة بهم ، ويساعدهم على ذلك مشروع إنشاء مكتبة يكون من ضمن مواد البرنامج وعلي المدرسة ان تشجعهم بزيارة هيئتها لمن يقتني مكتبة يستفيد من كتبها . وإنه لما يشعر التلميذ بالفخار والعزة إن يستقبل في بيته الناظر وبعض أعضاء هيئة التدريس . أليس في ذلك مشجع كاف لهم علي اقتناء الكتب وقراءتها ؟ ويجب ان تشجع جمعيات التلاميذ العلمية والأدبية على السواء ، لان في ذلك تشجيعا لهم على الإطلاع والبحث . أما دروس المطالعة فيجب ان تكون مشوقة في طريقتها ومادتها ، لان درس المطالعة خطوة تمهيدية لمطالعات النشء الخاصة

ويجب أن يكون لكل مدرسة صحفها التي يديرها ويحررها التلاميذ انفسهم ؛ فهم يقرؤون ليكتبوا فيها المواضيع العلمية والأدبية بعد البحث والاطلاع ، وما من شك في ان هذه الطريقة تشجع التلاميذ على المطالبة فضلا عن انها تكسبهم خبرة ودراية في عالم الصحافة

وكذلك من الأمور اللازمة أن تبقى المكتبات المدرسية مفتوحة اثناء العطلة الصيفية ليستعير منها التلميذ الكتب التي يود ان يقراها ؛ لأن منهم من يرغب في قراءة بعض الكتب ، ولكنه لا يجد متسعا من الوقت أثناء الدراسة . فلماذا لا نشجعهم على الإطلاع أثناء العطلة الصيفية بدل أن يندمجوا مع أقران السوء فتفسد أخلاقهم .

كما أنه يجب أن تصادر الصحف الأجنبية الخليعة التي تحوي ما يفسد اخلاق النشء ويحرم دخولها مصر وتداولوها بين ايدي أولادنا لأنها تلهب فيهم الغريزة الجنسية قبل اوانها بطريقة غير صحية لأنها غير طبيعية

وإني أقترح أن تلحق بالحدائق العامة الكبيرة مكتبة صغيرة ؛ إذ ان كل من يذهب هناك لا يفعل ذلك بقصد اللعب وضياع الوقت . وكثيرا ما نري أن كثيرا من الناس يجلس في ظلال الاشجار يطالع كتابه . وجو الحدائق ولا ريب يشجع علي القراءة حيث الطبيعة هادئة خلابة تسر النفس وتنعشها وتحفز العقل على التأمل والتفكير فلماذا لا تنشئ بكل حديقة من الحدائق العامة مكتبة صغيرة ؟ ومن الناس من يكره حمل الكتاب، ولكنه حينما تحتويه الحديقة ينشط عقله ويميل إلي الاطلاع

وهناك فكرة اخيرة وهي وإن لم تكن جديدة في بابها إلا انها تكون على كل حال فريدة في نوعها في مصر . فقد امدت انجلترا مكتباتنا بكتب رخيصة الثمن حسنة الطبع لا يتجاوز ثمنها الثلاثين مليما ، فلم لا نحذو حذوها فتكون لنا كتب مثل كتب " البنجوين " و " البيليكان " التي حوث العلم والأدب قديمة وحديثه ؟ لقد ادي هذا النوع من الكتب خدمات جليلة إلي الثقافة الانجليزية . وإني لاسف كل الاسف خلو بلادنا من الكتب العربية الرخيصة الثمن المتقنة الطبع .

تلك هي الوسائل التي أراها لإرشاد تلاميذنا إلي المطالعة المحببة إلي نفوسهم

اشترك في نشرتنا البريدية