الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 391 الرجوع إلى "الثقافة"

المعارض الثقافيـــــــة, على هامش المعرض الأول للكتاب العربى ،

Share

من الوسائل الثقافية العظيمة النفع الــــكبيرة الأثر فى  نشر الثقافة وإثارة الاهتمام بموضوعاتها ، إقامة معارض  تتناول مختلف الموضوعات العامة ، وتجمع شتات الجهود  المختلفة فيها ، وتنسق بينها فى وحدة شاملة تعطى صورة  وافية صحيحة عنها. ومن الطبيعي ان يتوفر المختصون الذين  يعهد  إليهم  في  إقامة هذه المعــــــارض على دراستها دراســــــة طويلة مضنية ، ويتتبعوا الموضوع من بدايته ، وينظموا حلقات تطوره ، وأدوار ترفيه في سلسلة مرتبطة واضحة ، ليقدموا ذلك كله للزائر مبسطا خالصاً  من الاضطراب  بين العالم ، فيستطيع في فترة قصيرة أن يلم بأطراف الموضوع ،

ويكون فــــكرة جلية عن المراحل التي سلـــكها منذ نشأنه  إلي أن بلغ صورته الحاضرة . وبهذا يحيط فى ساعات بما كان يقتضيه زمناً طويلا في الدرس والبحث والتنقيب .

وقد تنهت لذلك وزارة المعارف العمومية حين أقامت  المعرض الأول للكتاب العربى  الذى  لا يزال مفتوح  الأبواب للزائرين خلال هذا الأسبوع ، فحرثت بذلك عن  أن تكون مجرد   " ديوان المدارس "  لا يشتغل بغير شئون الدارس ومناهجها وامتحاناتها

والحق أن مهمة وزارة العارف العمومية في مـمتاها الواسع تتطلب منها ان تعنى بنشر الثقافة والعرفان خارج

دور المدارس ، كما تتولاها داخلها ، وأن تكون راعية العلم  والفن ونصيرة خدام العلم والفن  الذين  يكرسون  أوقاتـهم  للانتاج الثقافى  للشعب  كافة  والذين  يســـــدون  بانتاجهم  الحــــــاجات الفكرية  تختلف  طبقات الشعب على  اختلاف حظوظهم من الثقافة

ويبدو أن الوزارة تتجه في هذا السبيل ، فقد جعلت  من  برنامجها  تعهد  المكتبة  العربية  بما ينميها . ويكمل  النواحي  التي  تنقصها ، واستحثاث  المؤلفين  والمترجمين  بالمكافأة على زيادة الانتاج الثقافى . وقد كان ااـجائزة الملـكية  السامية التي خص بـها جلالة الملك أفضل إنتاج أدبى  في كل  عام وسماها "جائزة فؤاد الأول " وللجائزة التى قررتـــــها  الوزارة اقتداءً بسنة الملك لأفضل إنتاج علمى وسمتهـــا  " جائزة فاروق الأول " أثر عظيم يرجى أن يكون من   أكبر العوامل على تشجيع الإنتاج الثقافى .

كذلك كان اهتمامها بالانتفاع بالمتاحف كأداة لتثقيف  الجمهور واهتمامها بالتعاون الثقافى مع الأمم الشرقية والغربية  ومتابعتها  الحركات  الثقافية  الخارجية  والإفادة  فى  تطعم  الثقافة المصرية ومسايرة التقدم الفكرى العام ، مظهراً آخر  من مظاهر العناية  بالشئون  الثقافية  التى  تتجاوز  غرف الدراسة وجوها المحدود الأفق .

وبإفتتاح المعرض الأول للكتاب العربى تفتتح وزارة   المعارف عهداً جديداً لنشر الثقافة العامة ، نرجو أن تواصل  السير فيه بخطى واسعة ، وأن تجعل من هذه المعارض المؤقتة  نواة لمعرض ثقافى دائم يجد فيه الرائر كل نواحى  النشاط الفكري ميسرة السبيل لكل طالب ، يتعلم عنها بالمشاهدة والمعاينة في ساعات ما لا يستطيع تحصيله بالـــــــكد والدرس في سنوات

ولقد وفقت الوزارة إذ جعلت " الــــــكتاب العربي " موضوع معرضها الثقافي الأول . فالكتاب هو الأداة

الـــــكبرى للتثقف ، وهو سجل الحياة الفكرية للآمة تعبر    فيه عن مثلها العليا وتفصح عن ذوقها وعقليها . والموضوعات   التى  تتناولها الكتب تمثل ما  تجيش  به  الصدور وما  يهتم  به .   المجتمع  .  فالكتاب  في  كل  عصر  مقياس  صحيح للمجتمع   وميزان صادق لما بلغه من النضج وما أحرزه من التقدم .

والتراث العربي القديم في الأدب والعــــــلوم ، ذخيرة   ثمينة مجهولة للكثيرين . وإنتاجهم الحديث على سمعته قد  لا يحس الــكثيرون بقدره ولا يلمون بنواحيه المختلفة الإلمام  الـكافي فعرض ذلك كله خليق أن يعرف المثقفين بكثير  مما لا يعلمون عن الــــكتاب العربي وما كان عليه وما صار  إليه ، وهي معرفة لا تـــكمل بغيرها ثقافة المثقف .

ولقد تناول المعرض  إبضاح جانب يخفى علي الـــكثيرين ،  وهو أن الكتاب العربى طبع لأول مرة في أوربا عقب  اختراع الطباعة بزمن غير طويل . ولا غرابة في ذلك ،  فالمراجع العربية كانت أهم المصادر الثقافية في العالم إلى  أوائل القرن السابع عشر ، وكان من الطبيعي ان تنشر أمهات الــــكتب العربية ليتوفر العلماء على درسها ونقلها والاقتباس منها .

وفى المعرض طائفة كبيرة من الكتب العربية التي  طبعت في إيطاليا وألمانيا وفرنسا وانجلترا وهولندا . وفيه  كذلك ما طبع في الأقطار الشرقية كالهند وإيران وتركيا .  وهذا القسم وحده يستحق من الزائر عناية وإطالة نظر ،  وسيخرج منه بفائدة غير قليلة .

وعرض الكتاب العربي في مصر منذ بدأ منشيء   مصر الحديثة رأس الأسرة العلوية بتأسيس مطبعة بولاق . وسياسس الزائر مبلغ عناية هذا العاهل الكبير بالثقافة ، وسيجد ما أنتج في عهده في مختلف العلوم والفنون . وسيبهر الزائر بصفة خاصة مجموعة الكتب الطبية ودقة المصطلحات

العلمية التى وفن لها المؤلفون فى ذلك العصر .

وتلمس الركود الثقافى في مصر عباس الأول وسعيد حيث نرى قلة الإنتاج واقتصـــــــاره اخيراً علي التافه الغث من الأدب والشعر .

ثم نجد إحياءً جديداً للثقافة في عصر إسماعيل بمتاز  بوفرة الإنتاج وتنوعه وظهور طائفة ممتازة من المؤلفين والكتاب والأدباء

وترى بعد إسماعيل فترة ركود أخرى مظهرها قلة  الإنتاج وضيق مجاله . وتلمح أثر الاحتلال الإنجليزى جليا في ضيف الابتكار وقصور الموضوعات التى تتناولها الكتب

ثم تلمح نـهضة قوية في عصر المغفور له الملك فؤاد الأول ، نزدهر فيها العلوم والفنون ، وتتعدد ألوان الإنتاج الثقافى ، وبنشط فيه التأليف والترجمة وتخرج باللغة العربية مؤلفات كثيرة في موضوعات كان عهد الاحتلال يقصر تناولها على اللغات الأجنبية .

وأخيراً نجد العصر الذهبى للانتاج الثقافى ، عصر الملك فاروق حفظه الله . ففيه خطت المـــــكتبة العربية خطوات واسعة ، وكثر الإنتاج الثقافي وتعددت أنوامه ، فلا تكاد تجد ناحية من النواحى الثقافية لم تنل نصيبها الكامل من العناية و الاهتمام ؛ فتجد كتب التاريخ على اختلاف العصور ، وكتب الأدب والفلسفة والاجتماع والسياسة والقصص ، وكتب القانون والتجارة والزراعة والاقتصاد    وتجد كتب الفنون الجميلة والفنون النسوية والفنون الحزبية ، والكتب العلمية ، وكتب الصناعات ، وكتب الطب والصحة ، وكتب الدين ، وكتب الأطفال ، وغيرها مما جمل المكتبة العربية الحديثة كاملة وافية مستقلة بنفسها .

هذا إجمال لمعرض الكتاب . على اننا لا تكون قد وفيناه حقه إذا لم نشر إلى أن سر هــــــذا التقدم يرجع إلى أن الطباعة والعشر قد خرجا فى هذا العصر عن أن يكونا

احتكاراً للحكومة . بل لقد نـهضت الجهود الحرة في هاتين الدائرتين نـهضة كبيرة ، وتعددت دور الطباعة والنشر ، وارتقت في فتها وأساليبها حتى صَارعت مثيلاتـها فى أوربا وأمريكا .

ويجد الزائر المعرض عرضاً وافياً لأهم دور النشر والطباعة ، نعرض فيه كل منها إنتاجها وتبين خصائصها ومبلغ نشاطها . ويجد الزائر في هذه الجهود الحرة ما يثلج صدره ويطمئنه على مستقبل الانتاج الثقافى فى البلاد .

وقد فاتنا ان نشير إلى أن الصحافة قد نالت نصبها من هذا المعرض ، فعرضت الصحافة المصرية والعربية فى القرن التاسع عشر والفرن الحاىي ، وفى هذا القسم مجال لدارس التطور الذى دخل على الصحافة ، وما يتميز المعرض الصحفى فى القرنين ، وبين ارتقاء الصحافة فى إخراجها وأسلوبـها .                                         ( ... )

اشترك في نشرتنا البريدية