الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 323الرجوع إلى "الرسالة"

المعاملات في الإسلام

Share

طالعت في الرسالة الغراء سؤال الأستاذ الطنطاوي الذي  وجهه إلى   (المفكرين)  من علماء المسلمين، ودعاهم فيه إلى النظر  في مطالب هذا الزمن المنوعة، ومشاكل المسلمين الكثيرة التي  أوقعتهم في بحران من الاضطراب عظيم، وسلكت بهم في سبيل  النجاة منه طرائق قدداً. وقد بنى سؤاله على أصلين ثابتين،    (أولهما)  أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان،   (وثانيهما)  أنه  يجعل من المتمسكين به أرقى مجموعة بشرية في العلم والقوة والمال  والحضارة،   (قال) : فكيف يتفق مع هذين الأصلين وجود  أحكام في الفقه لا تصلح لهذا الزمن، وأحكام تجعل المسلمين دون  الأمم الأخرى في مرافق الحياة؟ وضرب لذلك الأمثال من كتب  الفقهاء المتأخرين، ومما وضعوه من شروط وقيود، لبعض البيوع  والعقود، يتعذر تطبيقها على كثير من المعاملات في هذا العصر،  وعلى ما جرى عليه عرف الناس في التجارات الواسعة؛ وأبدى  إعجابه بالفقهاء المتقدمين الذين درسوا وقائع أزمانهم، وطبقوا  عليها الأحكام، وفرضوا الفروض وبحثوا عن أحكامها   (وهذا  مما عابه السلف الذين كانوا يفتون بالواقع، ويمسكون عن القول  بما لم يقع إلى زمان وقوعه، لتكون الفتاوى مطبقة على الزمان  والمكان والأحوال والأشخاص)  ونعى على بعض المتفقهة  المتأخرين جمودهم على الفقه الموضوع للقرن التاسع والعاشر،  وأثنى على الأستاذ المحدث المحقق الشيخ احمد شاكر فيما كتبه  في مسائل الطلاق، وقال: فمتى يعمد العلماء إلى الكتابة

أقول: لاشك أن واجب العلماء هو مواجهه الحقائق التي  ظهرت في هذا العصر وبيان الحكم في استعمال جميع ما استحدث  من المخترعات إلى اليوم، على قاعدة جلب المصالح للأمة ودرء  المفاسد عنها، أي أن تكون فتاوى العلماء الواقفين على أسرار  التشريع، وكنه الزمن، وحاجة الأمة - هادية إلى حفظ وحدتها  وتنمية ثروتها، وحماية حوزتها، ودفع عوادي الشر عنها، مع  إثبات أن ذلك هو الذي يقتضيه هدى الإسلام، وترشد إليه  آيات القرآن، وأن المسلمين هم أولى بالمسابقة والسبق في هذا  المضمار، فاستثارة دفائن الأرض مثلاً، واستخراج كنوزها

ومعادنها، وعلم الزراعة، وفن الري، وإقامة الجسور والمعابر،  وتشييد الدور والقصور، وإنشاء السكك الحديدية، والحصون  والقلاع، هو عين ما يذكره الفقهاء في أبواب الركاز والمعادن  وإحياء الموات، ومطابق لنصوص الآيات والأحاديث الواردة  في ذلك، وصنع المصفحات والدبابات، والمناطيد والطيارات،  والمدرعات والغواصات، والكهرباء وسائر ما ظهر في الوجود من  المخترعات والمكتشفات النافعة هو مما أرشد إليه الاسلام، ودل  عليه مثل قوله تعالى:   (وسخر لكم ما في السماوات وما في  الأرض جميعاً منه)  فرده رد لنصوص القرآن وتعطيل لأحكامه.  وهذا هو الفقه العام في الإسلام، وفقه الفروع والأحكام منبثق  عنه أو هو جزء منه. فالفقه بإطلاقه سداد في العلم، ودقة في الفهم،  وإصابة في الحكم. وهو الذي دعا به الرسول   (ص)  لابن عمه  عبد الله بن عباس بقوله: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل،  فكان فقيه الأمة وترجمان القرآن

وهذه الطريق في فهم الدين والفقه فيه هي التي جرى عليها  في هذا العصر إمامه السيد محمد رشيد رضا   (تغمده المولى برضوانه)   فقد أخذ منذ نحو نصف قرن يحل في مناره وتفسيره عقد المشكلات  الدينية الدنيوية، ويبين لأمته وجه الحق فيها، وطريق الخلاص  منها، مستهدياً بهدى السنة والتنزيل، وهما خير هاد ودليل،  مسترشداً بسنن الوجود التي لا تبديل فيها ولا تحويل، وكانت  فتاويه تبحث في أدق المسائل الإسلامية، وتحل أعقد المشاكل  الاجتماعية حلاً يفي بحاجة العصر، ويتمشى مع قواعد النصوص  الشاملة، والمصلحة العامة الراجحة. وقد تكلم عن بعض المسائل  الفقهية التي عرض لها الأستاذ الطنطاوي في مقاله كسجدة التلاوة  عند سماع القارئ في المذياع، وكالمصارف المالية ومعاملاتها، وأفاض  القول في تحريم ما حرم الله من الربا، وتوعد عليه بأشد الوعيد، فبين  وجه تحريمه، وعقد فصلاً مستقلاً في حكمته وانطباقه على مصلحة  البشر، وموافقتة لرحمة الله بعباده، بما لم تره لغيره من المفسرين. وقد  ختم هذا الفصل بقوله: (من تدبر ما قاله الإمامان   (أي الغزالي  والشيخ محمد عبده)  علم أن تحريم الربا هو عين الحكمة والرحمة،  الموافق لمصلحة البشر، المنطبق على قواعد الفلسفة، وأن إباحته  مفسدة من أكبر المفاسد للأخلاق وشئون الاجتماع، زادت  في أطماع الناس وجعلتهم ماديين لا هم لهم إلا الاستكثار من المال،

وكادت تحصر ثروة البشر في أفراد منهم، وتجعل بقية الناس  عالة عليهم. فإذا كان المفتونون من المسلمين بهذه المدنية ينكرون  من دينهم تحريم الربا بغير فهم ولا عقل، فسيجيء يوم يقر فيه  المفتونون بأن ما جاء به الإسلام هو النظام الذي لا تتم سعادة  البشر في دنياهم فضلاً عن آخرتهم إلا به، يوم يفوز الاشتراكيون  في الممالك الأوربية، ويهدمون أكثر دعائم هذه الأثرة المادية،  ويرغمون أنوف المحتكرين للأموال، ويلزمونهم برعاية حقوق  المساكين والعمال ه (٣: 113)

إن غرض السيد الإمام   (كما صرح به في مواضع من تفسيره)   أن البلاد التي أحلت قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين،  وقل فيها التعاطف والتراحم، وحلت القسوة محل الرحمة، حتى  أن الفقير فيها ليموت ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه،  فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية،  وهي مسألة تألب الفعلة والعمال على أصحاب الأموال، واعتصابهم  المرة بعد المرة لترك العمل، وتعطيل المعامل والمصانع لأن أصحابها  لا يقدرون عملهم قدره، بل يعطونهم أقل مما يستحقون،  وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلاباً كبيراً في العالم ولا علاج  لهذا الداء إلا رجوع الناس لما دعاهم إليه الدين. ولكن من  الناس من يظن اليوم أن إباحة الربا ركن من أركان المدنية لا تقوم  بدونه.   (قال) ، وهذا باطل في نفسه، إذ لو فرضنا أن تركت جميع  الأمم أكل الربا فصار الواجدون فيها يقرضون العادمين قرضاً  حسناً، ويتصدقون على البائسين والمعوزين ويكتفون بالكسب  من موارده الطبيعية، كالزراعة والصناعة والتجارة والشركات  ومنها المضاربة لما زادت مدنيتهم إلا ارتقاء ببنائها على أساس  الفضيلة والرحمة والتعاون الذي يحبب الغني إلى الفقير، ولما وجد  فيها الاشتراكيون الغالون، والفوضويون المغتالون

وقد قامت للعرب مدنية إسلامية لم يكن الربا من أركانها،  فكانت خير مدنية في زمنها؛ فما شرعه الإسلام من منع الربا  هو عبارة عن الجمع بين المدنية والفضيلة، وهو أفضل هداية  للبشر في حياتهم الدنيا

اشترك في نشرتنا البريدية