الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 214الرجوع إلى "الثقافة"

المعرفة والنقد ، نظرية عبد القاهر الجرجانى

Share

- ٢ منهج عبد القاهر يستند إلي نظرية في اللغة ، أري فيها ويري معي كل من يتمعن النظر انها تماشي ما وصل إليه علم اللسان الحديث من آراء ونقطة البدء نجدها في اخر دلائل  الإعجاز " حيث يقرر المؤلف ما يقرره علماء اليوم من أن اللغة ليست مجموعة من الالفاظ بل مجموعة من

العلاقات ) system des rapports ( وعلى هذا الأساس العام بني عبد القاهر كل تفكيره  اللغوي الفني . قال : " إن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ، ولكن لأن يضم بعضها إلي بعض فيعرف فيما بينها فوائد . وهذا علم شريف وأصل عظيم . والدليل على ذلك أنا إن زعمنا أن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة إنما وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها لأدي ذلك إلي ما لا يشك عاقل في استحالته ، وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها لتعرفها بها حتي كأنهم لو لم يكونوا قالوا فعل ويفعل لما كنا نعرف الخبر في نفسه ومن أصله ؛ ولو لم يكونوا قد وضعوا الحروف لكنا نجهل معانيها ، فلا نعقل نفيا ولا نهيا ولا استفهاما ولا استثناء ؛ وكيف والمواضعة لا تكون ولا تتصور إلا علي معلوم ، فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير معلوم . ولأن المواضعة كالإشارة ، فكما أنك إذا قلت : خذ ذاك ، لم تكن هذه الإشارة لتعرف السامع المشار إليه في نفسه ، ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي تراها وتبصرها ؛ كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له . ومن هذا الذي يشك أنا لم نعرف الرجل والفرس والضرب والقتل إلا من أساميها ؟ لو كان ذلك مساغا في العقل

لكان ينبغي إذا قيل زيد أن تعرف المسمي بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته او ذكر لك بصفة وإذ قد عرفت هذه الجملة فاعلم أن معاني الكلام كلها معان لا تتصور إلا فما بين شيئين ، والأصل والأول هو الخبر ، وإذا أحكمت العلم بهذا المعني فيه عرفته في الجميع ومن الثابت في العقول والقائم في النفوس انه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه ؛ ومن ذلك امتنع ان يكون لك قصد إلي فعل من غير ان تريد إسناده إلي شئ ، وكنت إذا قلت - اضرب - لم تستطع أن تريد منه معني في نفسك من غير أن تريد الخير به عن شئ مظهر أو مقدر ! وكان لفظك به إذا انت لم ترد ذلك وصوت تصوته سواء

من هذا النص نستنج نتيجتين بالغتي الأهمية :

) ١ ( أن الألفاط لم توضع كما أنها لا تستعمل لتعين الأشياء المتعينة بذواتها ، وهذه هي نظرية الرمزية في اللغة التي أوضح الفكر الألماني فنت wundi( حدودها ؛ وذلك لأنه مدينا عن طريق تجاربنا المباشرة او تجارب الغير ، صورة ذهنية لكل شئ ولكل حدث ، وإنما نضع ألفاظ اللغة ونستعملها لتحرك هذه الصورة الذهنية الكامنة . فعند ما نقول : " رجل " لا يمكن ان يثير هذا اللفظ في نفوسنا شيئا ما لم يكن في ذهننا صورة للرجل ، اللفظ رمز لها ومحرك ) ٢ ( ونحن لا نستخدم ذلك اللفظ لنحرك الصورة الذهنية تحريكا نريده لذاته وإلا كنا مجانين ، وإنما نفعل ذلك لاننا نعتزم أن نخبر عن " الرجل " بشيء ما ، وهنا يلحق الجرجاني بأكبر مدرسة حديثة في تحليل اللغة ، أعني مدرسة العالم السويسري الثبت رأس علم اللسان الحديث فرديناند دي سوسير ) f de snussure ثم اللغوي الفرنسي

الذائع الصيت أنتوان بيبه ) A.MEILLET ( ولقد كتب هذا العالم الأخير فصلا ) ١ ( هاما عن منهج الدراسة في علم اللسان . وفيه يرد اللغة إلى عنصرين : ) ١ ( مفردات ) ب ( عوامل الصيغة ) Morphemes( والمفردات معروفة وهي كلفظة رجل وأما عوامل الصيغة فيقصد بها إما ترتيب الكلمة في الجملة ، وإما مقطع صوتي كالتنوين في رجل إما إداة نحوية كالألف واللام في " الرجل " فهذه العوامل هي التي تعطى اللفظة دلالتها التي نقصد إليها عند تفوهنا بالكلمة ، وذلك لأننا كما يقول الجرجاني - لا ينطق  بلفظة ما إلا لكى نخبر بها أو عنها بشئ ، ومن ثم فنحن ننطق بها مضافا إليها حتما عوامل الصيغة من ترتيب أو مقاطع صوتية خاصة ، فالرفع لإفادة الأسناد ، والألف واللام للتعريف ، والابتداء لكذا أو كذا . ونحن بعد لا نكتفي بلفظ واحد إلا أن يكون جوابا لسؤال أو اعتمادا على كلام سابق أو ملابسة راهنة ، وإنما نقول " رجل  ثم نخبر عنه فنضيف جاء مثلا ، ومن ثم تكون مفردات للغة لا قيمة لها في ذاتها ، لأنها لا تكتسب دلالتها القصودة إلا بفضل عوامل الصيغة

وإذن فمفردات اللغة ليست إلا رموزا لصور ذهنية محصلة من قبل وهي لا تستخدم لذاتها بل لتقيم بفضل عوامل الصيغة التي نضيفها إليها طائفة من العلاقات بين الأشياء أو بين الأشياء والأحداث . وهنا ننتهي إلي ما اجملناه في قولنا : اللغة مجموعة من العلاقات لا مجموعة من الألفاظ

عن هذا " العلم الشريف والأصل العظيم فرع

الجرجاني كل آرائه ، وجماعها مسألتان : الأولى : إنكاره لما رآه الجاحظ من أهمية فصاحة الألفاظ باعتبار تلك الفصاحة صفة في اللفظ ذاته ثم تورثه على مذهب العسكري الذي يرد جودة  الكلام إلي محسنات لفظية تقف عند الشكل الثانية : تعليقه جودة الكلام بخصائص في النظم : واعلم أنه ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله ، وتعرف مناهجه  التي نهجت . هو السبيل فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم وتدخل تحت هذا الاسم إلا وهو معنى من معاني النحو قد اصيب به موضعه ووضع في حقه ، اوعومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له ، فلا نري كلاما قد وصف بصحة نظم أو فساده ، أو وصف بمزية أو فضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلي معاني النحو  واحكامه ووجدته يدخل في أصل من أصوله ، ويتصل بباب من أبوابه

فأما مخالفته للجاحظ فباستطاعتنا أن نقره عليها ، إذا ذكرنا أن الجاحظ وغير الجاحظ من أدباء العرب ونقادهم لم يصفوا فصاحة اللفظ ولا عنوا فيها إلا بالصفات السلبية كالخلو من التعقيد والتنافر وما إلي ذلك والبحث الحديث قد أصبح اليوم يري للألفاظ قيمة ذاتية إيجابية من حيث مما يوحي به جرس حروفها من إحساس يعزز المعني المعبر عنه ومن غريب الأمر بأن النحاة وعلماء اللغة قد فطنوا إلى أن بعضا من ألفاظ اللغة كانت أسماء أو أفعال أصوات كما أن منهم من اهتدى بالاستقراء إلى حقائق لغوية تلوح  صحيحة ؛ واضرب لذلك مثلا ما ذكره الزمخشري في الكشاف  عندما قرر أن كل أفعال اللغة العربية التي تبتدىء بنون وفاء تفيد المضي والنفاذ ، كقولنا نفذ ونقد ونغز ونذق ونفض .الخ ومع ذلك فانهم لم يستخدموا تلك الحقائق

في نقد الأدب ليوضحوا علي أساس لغوي ما يهتدي إليه الشعراء والكتاب بغرائزهم الصادقة ، عندما يؤثرون لفظا لفظ وفقا للمعنى  الذي يريدون العبارة عنه . ولقد كتب الأوربيون كتبا في إيضاح أسرار الشعراء والكتاب اللغوية ، فتراهم ) ١ ( يحصون أنواع الأحرف الصائتة ( voyeiles ) والأحرف الصامتة ) consunnes في البيت الجيد من الشعر ، ويقيمون بينها نسبا يستخرجون بفضلها ما يسمونه " بالانسجام الصوتي  Harmonie vocaique الذى ينتج من توزيع الأحرف الصائتة ، ثم انسجام المحاكاة " ( harmonie imitatve ) الذي ندركه في مطابقة الإحساس الذي يخلفه في النفس وقع الاحرف الصامتة المختلفة بالإحساس الذي لدينا عن الشئ الذي نتحدث عنه على نحو ما توحي السينات المتتابعة مثلا بصفير الريح ولكن هذه كلها ابحاث حديثة ليس لنا ان نتطلب مثلها من نقادنا القدماء

والجرجاني أشد إصابة في نقده لآراء العسكري السقيمة فهو يري " أن في كلام المتأخرين كلاما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ماله اسم في البديع إلى أن ينسى انه يتكلم ليفهم ويقول ليبين ، ويخيل اليه  انه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء وان يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء ، وربما طمس  بكثرة ما يتكلفه على المعنى وأفسده ، كمن يثقل العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها " . ( أسرار البلاغة ص ٦ ) وهو يلاحظ " أنك لا تجد تجنيسا مقبولا ، ولا سجعا حسنا حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه وحتي تجده لا تبتغي به بديلا

ولا تجد عنه حولا ومن ههنا كان احلى تجنيس تسمعه واعلاه واحقه بالحسن وأولاه ما وقع من غير قصد من المتكلم إلي اجتلابه ، وتأهب لطلبه ، او ما هو لحسن ملاءمته وأن كان مطلوبا - بهذه المنزلة وفي هذه الصورة

وأما نظرية النظم عند الجرجاني فنظرية كبيرة هامة وعند أن دراسة النظم - نظم الكلام لا تقف عند امر  الصحة بل تعدوه إلي تعليل الجودة ؛ وبعبارة اخري يمزج الجرجاني " النحو " بما سماه البلاغيون فيما بعد " علم المعاني " وله في ذلك حكمة بالغة تقتضينا ان نترك  الكلام عن تلك النظرية الخطيرة إلي المقال التالي .

اشترك في نشرتنا البريدية