وضعت الحرب أوزارها فى أوربا . فحمدا لله ! حقا أن اليابان لا تزال هناك عند الأفق الشرقى البعيد ولا تزال المعركة دامية لم تنته بعد إلى نهايتها ، ولكن الإنسانية جديرة بأن تستبشر ، وأن تحمد الله على أن السلام قد عاد إلى جانب من جوانب الأرض ، والحريق إذا أطفئ جانب منه كان الأمل أعظم فى إطفاء الجانب الآخر الذى لا يزال مشتملا .
لا تزال أمام الإنسانية فواجع أخرى ، ولا تزال دونها كوارث أخرى قبل أن تصل إلى بر السلام . ولا يزال عليها أن تضحى بكثير من الدماء ، ولا يزال عليها أن تبذل كثيرا من الأموال قبل أن يعود إليها الأمن وقبل أن تستطيع أن تستقر لتلعق جراحها . ولكن الحمد لله ! لقد عاد السلام إلى أوربا !
وإن الغد القريب هو اليوم أولى بالتأمل من الأمس
الدامى . والأمل اليوم عظيم في أن الإنسانية سوف تفكر تفكيرا أكثر عدلا ، وأنها سوف تقيم حياتها على نظم أكثر استقرارا بعد أن عانت ما عانته من الشدائد والكوارث فى هذه السنوات الست القاسية . إن المصائب تصهر النفوس وتطهرها ، وليست الأمم إلا مثل الأفراد تنصهر في كوارثها وتتطهر إذا كانت تلتمس الهداية معتبرة بما كان .
لقد تكلم تشرشل ، وتكلم ترومان عند ما أعلنا للعالم بشرى النصر والسلام . وحسب المرء أن يفتح قلبه إلى أقوالهما لكى يزيد إيمانا بالمستقبل . فإن العداوة الماضية لم تؤثر في هتافهما عند السلام ، وكانت بهجة النصر فى حديثهما لا يشوبها شئ من شماتة أو تشف أو عزيمة على إيقاع النكال . إن الإنسانية المسكينة فى حاجة إلى التوجيه . والأمل عظيم فى أن يكون الغد خيرا من الأمس القريب والبعيد .
لقد كان العالم يسير قدما فى سبيله ثم اعتراه رجلان أذاعا فيه روح النضال والعداء . وكانت نتيجة ذلك الروح حربا شعواء ذهبت ضحيتها ملايين من الأنفس وملايين الملايين من الأموال . ولا شفاء للعالم بعد هذا النصر العزيز إلا إذا شاع فيه روح آخر غير روح النضال والعداء ، روح المحبة والعدل والحرية والإيثار . إن الدعاية التى بثها موسولينى وهتلر لم تكن سوى اتجاه اندفعا فيه مع فلسفة قاسية تقوم على الأنانية والنضال والعنف . وهى فلسفة طالما ضلت الأفكار وأزالتها وخدعتها بمظهرها الكاذب . وواجب الإنسانية اليوم أن ننظر إلى فلسفتها فتختار ما تحقق نفسه فى الماضى وما يبشر فى الغد بالسلام . واجبها أن تختار المبادئ الخالدة التى نادت بها المسيحية ونادى بها الإسلام وتادت بها الثورة الفرنسية ونادت بها الثورة المعاصرة ، مبادئ الرحمة والمعدل والحرية وأخوة الإنسان .
وإذا كنا نقدم هذه الكلمات العامة فانما تقصد من بعد ذلك أن نتجه إلى قادة الفكر في مصر راجين أن يتنبهوا إلى خطورة المستقبل القريب وأن يجردوا له الهمة ، فان حياة الأجيال المقبلة تتوقف على الخطوات التى يوشك الجيل الحاضر أن يخطوها في مستهل عهد السلام .
فنحن ملزمون بأن نساير العالم وأن نحقق معه الأغراض الإنسانية التى يتجه اليها . يقبل العالم اليوم على عهد تتطلع فيه نفوس البشر جميعا إلى نوع جديد من الحياة ، نوع جديد من الحياة التى تقوم فى داخل الأمم على العدالة الاجتماعية حتى يكفل لكل الأفراد حظ مناسب من العيش والحرية والأمان ، وتقوم الحياة فيه بين الأمم في علاقاتها بعضها ببعض على أساس التعامل الشريف ،يرتبط بعضها ببعض ويستند بعضها على بعض ويتعاون بعضها مع بعض . وهذا النوع الجديد من الحياة يتطلب عقلية جديدة غير تلك العقلية القديمة التى أدت إلى النظم الاجتماعية والسياسية والدولية الحالية ، وهى النظم التى ظهر أنها لا تؤدى إلا إلى الكوارث والآلام والاضطراب .
فلسنا نغالى إذا نحن قلنا إن مستقبل العالم يتوقف على نجاحه فى تكوين العقلية الجديدة للأجيال الناشئة . ومن هنا يتضح لنا أن أملنا الاكبر يجب أن يتعلق بسلامة عقلية الأجيال الناشئة أو بقول آخر أن المستقبل كله يتوقف على هذه المدارس التى ينظر إليها المصريون من خارجها ولا يطيلون التفكير فيها .
لست أريد بهذه المقدمة أن أقول إننا لم ندرك أهمية المدارس من قبل ، فان مصر كانت منذ زمن طويل تعتقد أن حياتها متوقفة على مقدار نجاحها فى تربية الأجيال الناشئة . ولكنى أقصد معنى آخر وهو أن اتجاهنا إلى إعداد الأجيال الناشئة كان إلى الآن متأثرا بفكرة غير الفكرة التى ينادى بها دعاة الأمل فى العهد الجديد .
كانت الفكرة دائما هى أن تربية الأجيال الناشئة أمر
لا يحتاج إلى أكثر من دروس تلقى ومدة سنوات قاسية يمضيها المتعلم داخل جدران مدرسة هى أقرب إلى أن تكون حكما محتوما عليه .
وكان المقصود بذلك فى نظر الناس هو إعداد الأبناء للحياة بشىء من التضحية ، فكانت المدارس فى نظرهم إلى الآن ضرورة قاسية يلجأ إليها الآباء لكى يعدوا أبناءهم لمصاعب الحياة وواجباتها .
ولكن الفكرة الجديدة التى ينادى بها دعاة العهد الجديد هى أن الحياة الحالية تحتاج إلى كثير من التعديل والإصلاح ، وتحتاج فوق ذلك إلى عقلية مرنة حرة ، لا تأخذ الحياة كما تجدها ، بل تتفاعل معها وتحولها إلى ما هو خير منها . فالتربية التى نريدها لأجيال المستقبل هى التى تهيء للابناء ، فرصة النمو والحرية والخلق ، فرصة التأثير فى الحياة وتوجيهها إلى هدف معنوى جديد .
التربية التى تريدها الاجيال المقبلة هى التى تهيء للابناء فرصة الحياة الحقيقية الحرة ، وتسير بهم على طريق التقدم نحو الغابات الانسانية المنشودة : العدالة والحرية والعمل مع الآخرين للخير العام
وإنى أستبيح لنفسى أن أقول إن المدرسة القائمة - لا فى مصر وحدها بل فى العالم كله - لا تستطيع أن تؤدى إلى هذا القصد الجديد . ولذلك أخذ دعاة الاصلاح فى كل مكان ينادون بوجوب الاهتمام بالمدرسة وجعلها فى الصف الأول من الاعتبار . وما أجدرنا نحن في مصر أن ننادى بمثل هذا النداء ؛ ففى المدرسة ، وفى المدرسة قبل أى ميدان آخر يجب علينا أن نبتغى المستقبل المنشود .
وهذا يستلزم منا أشياء كثيرة ، وليس من الممكن فى مثل هذه الكلمة القصيرة أن نحيط بها ، فلابد لنا من أن نشير إلى أمر جوهرى واحد وهو موقف الدولة من التعليم . لسنا ننكر أن الدولة تحس حاجة الشعب المصرى إلى التعليم ، ولسنا ننكر أنها تخصص له من أموالها مقدارا عظيما
كما أننا لانستطيع أن ننكر التضحيات المالية التى قدمتها راضية لكى تبلغ هذا المقصد . نسنا ننكر هذا كله ، ولكنه مع ذلك نحس إحساسا شديدا بأن شيئا ما ينقص التعليم . وقد حاول الكثيرون أن يضموا اصبعهم على هذا الشئ والذى ينقصه ، ولكنا نعتقد أننا إلى الآن لا نزال حيارى لا ندرك حقيقة الشئ الذى ينقص . فقد جاء وزراء معارف بعضهم بعد بعض وكل منهم يبذل جهده فى اصلاح التعليم على طريقته وبقدر ما يصل اليه اجتهاده واجتهاد معاونيه . وكانوا فى كل مرة يحسبون أنهم قد وضعوا أصبعهم على موضع النقص ، وتجردوا له بكل قوتهم . فاذا مهم بعد حين لا ينتجون إلا عقدة جديدة يضيع إلى جانبها كل جوهر الاصلاح الذى أرادوه فهل هذا الشئ الذي ينقص التعليم عندنا أخفى من أن تدركه العقول مهما بلغت من الذكاء والتجربة ؟
لا . لا . ليس هذا هو السبب ، فان الشىء الذى ينقصنا واضح لكل ذى عينين ، وكثيرا ما يتذاكره الناس فيما بينهم عفوا بغير تكلف ، ولكنهم مع ذلك لا يعبأون بأن يجعلوه موضع التفكير الجدى والتنفيذ الجدى .
الشىء الذى ينقصنا هو أن نجمل كل اهتمامنا بالمعلم أو على الأقل أن تجعل أكبر اهتمامنا بالمعلم .
نعلم جميعا أن المعلم هو الحجر الأول فى التعليم . ولسنا نجد أحدا ينكر هذه الحقيقة أو يحاول المجادلة فيها . ومع ذلك فقد كان المعلم هو آخر من تفكر فيه الدولة وآخر من كانت وزارة المعارف نفسها تهتم به . كانت وزارة المعارف مثلا إذا أرادت الاصلاح تقبل على البرامج فتفحصها ، وكانت بين حين وحين تعود اليها فتنقحها وتزيد فيها أو تنقص منها ، وتحسب أن هذا هو الذى يؤدى إلى إصلاح التعليم هذا ما فعله دولة على ماهر باشا إلى حد كبير عندما كان وزيرا للمعارف ، وهذا هو ما فعله معالى نجيب الهلالى باشا فى وزارته إلى حد كبير أيضا ، وهذا ما فعله كل وزير
تقريبا فى حدود مختلفة . ولسنا نلوم وزراء المعارف على ذلك فانه دليل على نية الاصلاح ، ولكننا مع ذلك لا نتردد فى أن نقول إن هذه المناهج كلها ليست سوى أمور ثانوية جدا إذا قيست بالمعلم نفسه . وقد حاول وزراء آخرون إصلاح نظم الإدارة ، وهذا بغير شك أمر مفيد ، ولكن هذه الإصلاحات جميعا لا يكون لها قيمة إلا إذا كان الاهتمام يتجه أولا إلى المعلم نفسه . فالمعلم هو الروح الحى في التعليم فإذا لم يكن روحا حيا لم يبق للتعليم حياة .
فنحن نطالب وزارة المعارف إذا شاءت أن تؤدى المستقبل خدمة لا تنسى ، وإذا شاءت أن نعد البلاد للمستقبل الذى ننشده أمم العالم جميعا - نطالبها بأن تتجه اتجاها جديا إلى المعلم ، ونطالب الدولة كلها بأن تعين وزارة المعارف على ذلك بأن تحلها من كل قيد ، وتطلقها من هيمنة أية وزارة أخرى ، وإن كانت وزارة المالية ، وتبذل لها من عنايتها ما يمكنها من أن تجعل المعلم روحا حيا يبعث الحركة فى ناشئة البلاد .
فإذا لم ترد الدولة ذلك ، وإذا لم ترد وزارة المعارف ذلك أو عجزت عنه ، فعليها إذا أن توفر ما تصرفه على التعليم لكى تصرفه في باب آخر ، لأن كل صرف على التعليم يكون ضائعا إذا لم تتجه إلى المعلم أولا .
