الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 640الرجوع إلى "الثقافة"

المفاوضات

Share

يحكي أن ملكا من ملوك الأقدمين ، أعلن في مملكته عن قصة ليس لها آخر ، وكل من تقدم بقصة وفرغت يضرب عنقه ، فتقدم كثيرون وضربت أعناقهم ، ثم تقدم رجل فحذر وأنذر ؛ فصمم بعد التحذير والإنذار ، وحكى وقال : كانت أهراء من القمح كثيرة مملوءة ، وقد فتحوا في جانب من جوانها كوة لتجديد الهواء . ثم إن عصفورا دخل من الكوة إلى داخل الأهراء وأخذ حبة وخرج ، ثم دخل العصفور وأخذه حبة وخرج ، ثم دخل العصفور وأخذ حبة وخرج ، وهكذا ظل يكرر هذه العبارة مئات من المرات حتى مل الملك وسئم من العبارة ؛ فقال القاص : وما ذنبي والقمح كثير والعصفور لا يأخذ إلا حبة واحدة كل مرة ، فدعني أقص عليك حتى يفرغ العصفور من أخذ الغلال ، وما زال يكرر هذه الجملة حتى ضج الملك من التكرار ، وآمن بأن القصة حقيقة لا تنتهي .

وهكذا شأن المفاوضات ، فهي أيضا قصة لا تنتهي من عهد المفاوضات مع النقراشي إلى اليوم ، تتقدم خطوة وترجع خطوة ، وتبعث الأمل مرة ، وتبعث اليأس مرة أخرى ، ويعالجها وزير ثم تنتهي مدته ، فيعالجها وزير آخر ، ولا يعالجها إلا بعد أن يدرسها . وتتخذ شكل محادثات ثم تنقلب إلى مفاوضات ، وتكون مرة في القاهرة ومرة في أمريكا ومرة في انجلترا ،

ويحضر سفير مصر في لندن ثم يعود ، ثم يحضر ثم يعود ، ولا ندري فيم حضر ولا فيم عاد . ويجتمع معالي وزير الخارجية برجال الصحف ثم لا يقول شيئا ، والزمن دائما في خدمة الإنجليز ؛ فقد كان حزب العمال الذي يريد المفاوضة قويا ثم ضعف . وكان بيفن ملما بالموضوع كله ثم تخلى عن وزارة الخارجية مخلفا وزيرا جديدا يحتاج إلى أن يدرس المسألة من جديد . وكانت الشيوعية ضعيفة ثم انتشرت ، وكانت الحرب بعيدة ثم قربت . ونحن العلماء لا نستطيع أن نفهم ذلك ، فجلسة واحدة عندنا أو جلستان على الأكثر تكفي لأن يقال لا أو نعم . ولكن للسياسة منطق آخر وأسلوب آخر ، فهي تطاول وتطاول وتطاول ، حتى لتفوق صبر أيوب . ومن المؤسف أن نقف من هذه الفاوضات موقف الدليل المستجدي ، لا صاحب الحق المتأبي ، ولو وقفنا الموقف الثاني ما مسحت بنا الأرض . ومن هاج لعمل فرنسا في مراكش مرة ، ينبغي أن يهيج ألف مرة لما فعلته انجلترا في المفاوضات . ولئن كانت هذه المطاولة بقصد منها إعداد الرأي العام هنا وهناك لقبولها ، فإن الأيام على العكس من ذلك تفسد الشعور ، وتبعد النجاح . ولخير ألف مرة أن يبت في المفاوضات سريعا من أن تطول إلى ما لا نهاية .

اشترك في نشرتنا البريدية