تعرض الأستاذ أحمد عبد اللطيف لمناقشة ما كتبته حول المفعول معه وواو المعية، فأورد أمورا رأى إنها تحتاج إلى المناقشة فقال:
١ - إن سياق الآية (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم) بعيد عن الدقة لأني قلت إن الإيمان منصوب على أنه مفعول معه. والرد على هذا من وجوده.
(أ) لست في كتابتي للموضوع أبحث عن ترجيح إعراب للآية دون إعراب، ولم أمنع أن فيها أوجها أخر، والأستاذ متفق معي على أن الصبان في حاشيته على الأشموني اوردها على الرأي الذي ذكرته، وأزيده أن السيوطي في كتابه همع الهوامع أوردها كذلك فقال (وجاز النصب على المعية وعلى إضمار الفعل الصالح نحو فأجمعوا أمركم وشركاءكم ومثله تبوءوا الدار والإيمان. فالإيمان مفعول معه أو مفعول به باتعقدوا مقدراً) فإذا كان للآية أو للشاهد عدة أوجه - وكل وجه منها صحيح - كما في الآية واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، بجر الأرحام عطفا أو مقسما بها، وبنصبها عطفا به، ألا يجوز للكاتب أن يذكره في معرض الاستدلال وبخاصة إذا كان سليما من التأويل والتقدير؟
(ب) الآية وردت في الأنصار. فمن قال بتقدير فعل مناسب احتاج إلى أن يقول: تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان من قبل المهاجرين. ثم احتاج إلى أن يقول تبوءوا الدار
من قبل هجرة المهاجرين. وذلك لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين وإنما بعدهم وإن كانوا آمنوا قبل هجرتهم. ومن قال بتقدير فعل انصبابه على الاسمين احتاج إلى أن يقول: لزموا الدار والإيمان من قبل المهاجرين ثم لزموا. . . من قبل هجرة المهاجرين. أو قالوا في الحالين تبوءوا الدار من قبل المهاجرين وأخلصوا الإيمان. أو لزموا الدار من قبل المهاجرين ولزمو الإيمان. أوعلى كليهما اضطررنا إلى تأويل وتقدير أو تقديم أو تقديم مع أن هناك قاعدة مشهورة وهي أن ما سلم من التقدير أولى مما احتاج إلى تقدير.
(ج) أما من يرى أن الإيمان مفعول معه فقد تجنب أكثر هذا التكلف، فال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط: قال ابن عطية والمعنى تبوءوا الدار مع الإيمان وبهذا الاقتران يصح معنى قوله - من قبلهم - فتأمله. . . اهـ
(د) يوهم ما كتبه الأستاذ أن الفراء والفارسي والمازني إلى آخر من ذكرهم قد تعرضوا للآية عند المتكلم على التوضيح إذا امتنع العطف والمفعول معه كقول
علقتها تبناً وماء بارداً ... حتى غدت همالة عيناها
وكقوله:
إذا ما الغانيات برزن يوماً ... وزججن الحواجب والعيونا
أضمر فعل ناصب للاسم الواقع بعد الواو وهذا قول الفراء والفارس ومن تبعهما. وذهب الجرمي والمازني والمبرد وأبو عبيدة والأصمعي واليزيدي إلى أنه لا حذف وأن ما بعد الواو في (البيتين) معطوف على ما قبله، وذلك على تأويل العامل المذكور قبلهما بعامل يصح انصبابه عليهما معا فهو من باب التضمين (ومثل ذلك ذكره السيوطي في الهمع. فالشاهد الذي يعارضني به الأستاذ وقد استمده من النسفي - وأزيده أنه قد ذكره غيره - إنما هو فيما لا يحسن أن توضع فيه واو المعية ولا يجسن فيه العطف فاضطروا إلى التأويل والتقدير أما الآية فهي فيما يجوز فيه النصب على واو المعية واضمار الفعل الصالح. فالتنظير غير تام بين الآية والبيت. ومن كل هذا نخلص إلى أنني لم اكن بعيدا عن الدقة وإنما كنت أقرب إليها منه، هذا في الوقت الذي لم أكن أقصد في بحثي الأسبق إلى ترجيح إعراب على إعراب وإنما كنت أقصد إلى أن الواو في المفعول معه نص في المعية بدون تجوز أو تأويل، وشواهدي التي سقتها صريحة في هذا ومنها الآية
الكريمة. ولا يكفي في الرد أن يقال هذا بعيد كل البعد او أن هذا ضعيف من غير تبيان وجه البعد أو الضعف، فإذا ذكر بعض المفسرين أن المفعول معه في الآية ضعيف بدون حجة يبديها، لا يكفي في الإبعاد والإضعاف ما دام التعبير سليما واضح المعنى.
٢ - يظاهرني الأستاذ على نقدي تعريف المفعول معه ومن العجب أنه مع ذلك يريد أن يعتبر - بدون قصد - استذكرت والمصباح وأمثاله صحيح مع أنني قد بينت أنها أمثلة خاطئة إذ أنك لا تقول في كلام عربي استذكرت مع المصباح وإنما تقول استذكرت على ضوء المصباح، ولعل الأستاذ لم يتنبه إلى مرادي في بحثي الأسبق فكان منه ما اعترض به.
٣ - إن أسلوب الأستاذ الإفهامي ٠الذي ذكره - ليستدني القاعدة إلى إفهام تلاميذه إنما هو الواقع أسلوب يستبعدها. ألا ترى أن التلميذ وهو في الرابعة الابتدائية لا يتابعك حين تقول: (استذكرت والمصباح، إن ما بعد الواو لا يصح أن يقع منه الحديث إذ أن المصباح لا يستذكر. وإن المصباح مفعول معه وليس معناها استذكرت مع المصباح أي مصاحبا المصباح وإنما حصل (الحدث) مقالنا للمصباح) ولكن يفهمك من أول الأمر إذا قلت خرجت والأصيل، اي مع الأصيل. وهذا ما قلته سابقا وما جعلني أخطئ مؤلفي كتب القواعد التي ابتدعوا فيها أمثلتهم فلجئوا إلى تعريف يوضح ابتداعهم العجيب.
٤ - قال الأستاذ إني أحلت قول الشاعر (لا تنه عن خلق وثاني مثله إلى الحال وأنني قد تجوزت في رأيي تجوزاً بعيداً. وأنا من جهتي أعجب للأستاذ ألا يتنبه إلى أن قولي إنما كان (تهميشاً) وضعته ليكون ضابطا لمعرفة واو المعية السببية، ولن تجد شاهداً صحيحا يخرج عن رأيي، فالآية: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، معناها والله أعلم أنهم يتمنون الرجوع إلى الدنيا مع حالة كونهم غير مكذبيين بالله ومع حالة كونهم من المؤمنين، ومثل هذا يقال في الأمثلة والشواهد التي ذكرتها في بحثي الأسبق. وإني لشاكر للأستاذ أن أتاح لي فرصة الإيضاح، ولعله تنبه إلى ما أردت وذلك على قدر ما أعلم وأختم بما ختم به وفوق كل ذي علم عليم.

