يبدأ تاريخ مصر الحديث من اليوم الأول الذى وطئ فيه نابليون أرض بلادنا المقدسة ، فقد بدأت مصر الحديثة منذ ذلك اليوم أن تستيقظ ، بعد أن مضت عليها حقبة من الزمن استسلمت فيها للدعة والاطمئنان ، وقد بدأت علاقاتها مع الدول الأوربية تتوثق ، وبدأت الدول الأوربية من ناحيتها تنظر إلى مصر نظرة المرشد الناصح حينا ، والطامع المتعنت أحيانا . ولكن لعل اشد ما يميز تاريخ الأمم الحديثة هو ذلك الشعور القومى الذى طاف بها منذ بداية القرن التاسع عشر . وقد تنبه الشعور القومى عند الأمم الحديثة حينما غزاها نابليون فقاومته : تنبه ذلك الشعور فى الروسيا وفى إسبانيا وفى إيطاليا ، لأن هذه الأمم جميعا ثارت على نابليون ، وكان للمقاومة التى اصطنعتها كل الفضل فى تكوينها القومى ؛ والمقاومة فى كل أمة هى التى تبعث الشعور الأول الذى يميز المبدأ القومى .
فهل تلقي حين نبحث تاريخنا الحديث مثل ذلك الشعور القومى الذى ميز حياة الشعوب الأوربية فى القرن التاسع عشر ؟ أفليس يحق لنا أن ننظر إلى تاريخ مصر منذ الفتح الفرنسى إلى الآن كوحدة عامة نمت فيها القومية المصرية ، حتى بلغت عنفوانها فى القرن العشرين ؟ أجل ! إن لنا أن ننظر تلك النظرة العامة ، ولكن ينبغي ألا نسرف كثيرا فى تقدير شعورنا القومى عند الحملة الفرنسية ؛ ذلك بأن المالك الأوربية الآخرى التى قاومت نابليون ، كانت قد بلغت درجة كبيرة من التقدم ، فهى
قد أفادت من شعور المقاومة الذى طاف بأفرادها ، وقام من بينهم زعماء ثبتوا حقوق الشعب . وكان أفراد هذه القوميات قد نالوا فسطا عظيما من الثروة والعلم ، فتمثلت مقاومتهم لنابليون فى حركات شعبية عامة . لكن مصر كان ينقصها كثير من العلم والمال . لذلك لم تكن المقاومة الشعبية للحملة الفرنسية ظاهرة كل الظهور ، ولم تنتج ما أنتجته الحركات الأخرى من وضع أسس دستورية ، أو جهاد فى سبيل إصلاح النواحى العامة .
حينما أغارت الحملة الفرنسية كانت القوى موزعة فى مصر بين فئات ثلاث . فكانت القوة الأولى عسكرية ، فى أيدى البكوات المماليك الذين ورثوها عن فئات منهم ، وانتقلت بين أيديهم من جيل إلى جيل . كان هؤلاء موكلين بأمر الدفاع عن مصر ، لكنهم كانوا يعتمدون على نظم الدفاع القديمة ، وكان غاية ما يحسنونه أساليب الفروسية من كر وفر وغير ذلك . ثم كانت هناك قوة ثانية ، هى قوة البدو الذين سكنوا الصحراوين الشرقية والغربية وكثيرا من أنحاء الصعيد . وكان بين هؤلاء البدو عصبية تجمع بينهم ، وتخلق منهم قوة عنيفة إذا أحسن القيام عليها . ثم كانت هناك قوة ثالثة خفية فى الشعب المصرى نفسه ، وهى خليط معقد من عقيدة الشعب الدينية ومن شعوره بأن هؤلاء المغيرين كانوا أجانب يجب أن يدفع بلاؤهم .
تلك هى القوى الثلاث التى التقت بها الحملة الفرنسية حينما أغارت على مصر . ولكن لم كانت المقاومة فى مصر
ضعيفة واهنة ؟ ولم استطاع نابليون أن يقضى عليها فى قليل من الزمن ؟ كانت هذه القوى متوزعة ، فلم تسكن فى البلد حكومة تستطيع أن تنسق تلك القوى الثلاث ، بل لم يكن فى مصر جيش قائم مدرب على أمور الدفاع ؛ وكان زعماء المماليك يجهلون كثيراً من نظم الحرب الحديثة ، وكانت بينهم حزازات لم يستطيعوا أن يتناسوها في ساعة الخطر المحدق . وكان الجيش الفرنسى ثلاثين ألفاً أو يزيد ، وكلهم جنود خبروا الحرب ، وذاقوا حلاوة النصر . وكان نابليون نفسه على رأس هذا الجيش واتبع خططاً حربية حديثة كفلت له النصر السريع . لذلك أخفقت المقاومة العسكرية التى تزعمها المماليك ، والتى ساعدهم فيها بدو الصحراء . وكان أشد فشل منيت به تلك المقاومة فى واقعتين : أولاهما شبراخيت فى ١٣ يوليه سنة ١٧٩٨ ، و ثانيتهما فى امبابه فى ٢١ يوليه سنة ١٧٩٨ .
لم يكن هناك جيش قائم من الجنود المصريين ، بل كان أمر الدفاع موكولا إلى هؤلاء المماليك ؛ هذا على أن آلافاً من المصريين اشتركوا فعلا فى ذلك الدفاع واضطربوا بين صفوف المماليك . لكن قوة المصريين كجماعة بدأت تظهر جلية واضحة فى الأشهر القليلة التى تلت دخول الحملة الفرنسية . وكأنما كان المصريون فى سبات عميق فأيقظتهم أحداث الحملة ؛ كان المماليك قبل ذلك يمثلون القوة السياسية الغشوم ، لكن المصريين كانوا راضين بحكم المماليك على ما كان ينطوى عليه من تعسف ، لأنه كان لذلك الحكم تقاليد انحدرت فى الحياة المصرية من جيل إلى جيل . أولئك المصريون اهتزوا حين رأوا أن هذه السلطة السياسية قد انتقلت إلى أجانب لا تجمعهم بالمصريين صلة من الدين أو العادة أو العرف . لذلك لم يذعن المصريون مطلقاً للحكومة الفرنسية الجديدة ، على الرغم من أن هذه الحكومة حاولت أن تستهويهم وتتملقهم
بمختلف الوعود ، بل وحاولت أن تصلح من شأنهم وأن تدفعهم إلي التقدم فى كثير من نواحى الحياة .
كان نابليون يريد أن يجتذب الشعب المصرى إليه ، فكان أول ما فعل عند قدومه إلى مصر ان أذاع منشوره المعروف . وفيه ينعى على الماليك أنهم أفسدوا فى مصر ، وفيه يكاد يدعى أنه مسلم ، وفيه يتملق الوطنية المصرية . لكن أهم ما فيه أنه وعد بإقامة حكومة أهلية يدير شؤونها العلماء والفضلاء . وإقامة حكومة أهلية كان شيئاً لم يسمع به المصريون من قبل ، ولعلهم لم يكونوا يعرفون كيف تكون الحكومة أهلية . ولكن لم يكن نابليون كريماً صادقاً فى بذل تلك الوعود ، فلم يكن يريد من كل ذلك إلا أن تستقر الحال فى مصر . فهو لم يكن يرمى من وراء هذه الحكومة الجديدة إلا إلى أنخاذها واسطة بينه وبين الشعب حتى يستطيع أن يحصل على الضرائب التى يفرضها ، وحتى يستسيغ الشعب أوامره حين يوافق عليها مشايخه وزعماؤه وقد كان نابليون يظن أنه سوف يكسب عطف المصريين حين يقيم حكومته على أساس شبه دستورى ، لكن الشعب المصري لم ينصرف عن سوء الظن بالأجنىي . بل لقد كان الشعور الاجتماعى حياً متنبهاً ، حتى أصبحت العلاقة بين المصريين والفرنسيين سلسلة من الفتن والمقاومات والثورات .
أقام نابليون حكومته الجديدة ، محاولاً أن يشرك بعض شيوخ الأزهر وعلمائه فى الحكم ، فابتكر نظام الديوان . وهذا فى نفسه اعتراف بقوة الشعب المصرى الناشئ . ولكن هذا الشعب المصري لم يكن حينئذ يشعر بقوته تمام الشعور ، لأن العلم والمال كانا ينقصانه . لذلك لم يستطع هؤلاء العلماء أن يستفيدوا من موقفهم هذا . كان يشعر الشعب بذلك الضيق او الهوان الذى يملك النفس ، إذا ظلمت أو أهينت أو اعتدى عليها .
وما لبث هذا السخط أن انقلب إلى ثورة بعد ثلاثة شهور من وجود الفرنسيين . وكان يوم ٢١ أكتوبر سنة ١٧٩٨ يوما مشهوداً فى القاهرة ، لأنه اليوم الذى ثار فيه المصريون على الفرنسيين ، ولأن قوة الشعب الخفية التي انكمشت في ٢١ يوليه ، لم تزل تحاول أن تجد لنفسها مخرجاً حتى انفجرت في ٢١ أكتوبر ، وبين التاريخين حدثت أحداث كان من شأنها أن تثير المصريين . ولنبحث قليلاً فى تلك العوامل التي ادت إلى هذه الثورة .
أما أول هذه العوامل فهو عامل اقتصادى . وقد تحطم الأسطول الفرنسى فى واقعة أبى قير البحرية فى أول اغسطس سنة ١٧٩٨ ، وشعر الفرنسيون أنهم لابد أن يستغلوا موارد مصر استغلالاً كاملاً لأن السبل انقطعت بينهم وبين فرنسا . لذلك لجأوا إلى فرض الضرائب حتى أرهقوا الأهالى إرهاقاً لا حد له . فقد طلبوا قروضا من تجار يبلغ مجموعها مائة ألف من الجنيهات ، وعينوا قروضا إجبارية خاصة يؤديها أصحاب كل مهنة من المهن . واشتغلوا كثيراً فى نهب دور المماليك وأساءوا معاملة زوجاتهم ، حتى أخذوا من زوجة مراد بك وحدها ٦٠٠ ألف فرنك . وأسرفوا فى قتل الذين خالفوهم من مماليك وعرب ومصريين .
ثم إن الفرنسيين حاولوا أن يصلحوا كثيراً من أبنية القاهرة حتى توافق أساليبهم فى الدفاع والهجوم . فقد كانت القاهرة تضيق بشوارعها وأزقتها ، وكان على كل حارة باب يعتصم الناس وراءه . وقد خشى الفرنسيون أن تساعد تلك الأبواب على العصيان فحطموا بعضها . فأثار ذلك شبهات العامة . لكن العامة احرجوا كثيراً حين تدخل الفرنسيون فى شئونهم . إذ لم يحاول أحد من قبل أن يلزمهم بتغيير عاداتهم الخاصة . ثم إنهم كانوا يرون فى تلك الحارات معتصماً وأمناً . زد على ذلك أن الفرنسيين فى
نفس الوقت كانوا يحصنون القلعة فحسب الناس أنهم مقبلون على أمر جليل وفقدوا الأمن والراحة والطمأنينة .
على أنه إلى جانب تلك العوامل كان هناك عامل اجتماعى آخر ، هو ذلك الاختلاف فى الأمزجة والعادات بين الفرنسيين والمصريين . وظهر اختلاف العادات بين الفريقين فى الفترات القليلة التى كانوا يختلطون فيها ؛ وقد حاول نابليون أن يقيم حفلات فى مهرجان النيل ، والمولد النبوى ، وتعيين أمير الحج ، وعيد الجمهورية الفرنسية ، حاول نابليون أن يقيم هذه الحفلات ليجتذب إليه الشعب المصرى ، لكن الشعب المصرى كان محافظا ، فساءه ما كان يظهره الفرنسيون فى تلك الحفلات من إسراف فى طلب السرور ومن تهتك النساء في أحيان . فلم يستسغ المصريون مثل تلك الحفلات حتى لقد كان يرفض جمهورهم أن يشتركوا فيها .
من أجل هذه العوامل ظهرت الثورة فى ٢١ أكتوبر سنة ١٧٩٨ ، واجتمعت لجنة من الثوار فى الجامع الأزهر ؛ وليس من شأننا أن نصف ماحدث فى ذلك اليوم العصيب ! ولكن حسبنا أن نقول أن تلك الثورة أظهرت فئتين من الزعماء ، كان لهم أكبر الأثر فى الحوادث التى حدثت فى مصر فى السنين السبع التى بدأت بقدوم نابليون وانتهت بولاية محمد على . أما الفئة الأولى فهى فئة شيوخ الأزهر وعلمائه ، وكانوا أكثر المصريين علماً ومالا . وقد أجلسهم نابليون مجلس الزعماء حين اختار بعضهم أعضاء فى الديوان . أما الفئة الثانية فقد كانت فئة زعماء الرعاع . وأولئك قوم من أولاد البلد لم يؤتوا إلا قليلا من العلم ، لكنهم كانوا يسيطرون على الرعاع والذعماء . وتلحظ فى الثورات دائماً هذين العنصرين : تلحظ قادة مستنيرين إلى جانب آخرين غير مستنيرين ؛ وزعماء الرعاع هم الذين يظهرون فى أول الأمر فيقودون العامة إلى التدمير
والتخريب ، ثم يظهر المستنيرون أخيراً حين تهدأ الثورة . وقد حدث ذلك فى سنة ١٧٩٨ وما بعدها . فقد بدأت هذه الثورة بالتدمير والتخريب ، وكان يقودها رجال من أبناء البلد لهم عزة وكرامة . لكن هذه الثورة خمدت وما لبثت أن تجمعت تحت زعامة العلماء حين تولاها السيد عمر مكرم بعد خروج الفرنسيين من مصر .
وكذلك بدأت الحملة الفرنسية والمقاومة الشعبية لا تكاد تكون شيئا مذكوراً فى حياة مصر السياسية . ولكن لم يمض عليها شهور ثلاثة حتى أصبحت هذه المقاومة كل ما يهتم له نابليون وجيشه . ولاشك فى أن إخماد الثورة كان قاسياً ، لكن الثورة أظهرت الفرنسيين
والمصريين فى موقفهما الحقيقي . فقد ألغي نابليون الديوان ، وأغلظ القول لأعضائه . ودخل الأزهر بجيوشه ، وتحلل المصريون من ذلك الشك الذى كان بداخلهم ، فكان العداء بينهم وبين الفرنسيين صريحاً .
فلنذكر إذاً أن مصر قد تحرك فيها شعور المقاومة الشعبية عندما غزاها نابليون . ولنذكر أن هذا الشعور لم يكن قومياً أو وطنياً بالمعنى الذي نفهمه الآن ، ولكن لقد كان شعوراً اجتماعياً يأبى الظلم ويشعر بالهوان . وقد كان هذا الشعور مقدمة لحياة قومية عرف فيها الشعب نفسه ، لكنها لم تبلغ عنفواها إلا بعد قرن أو يزيد
( بنى سويف )

