الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 106الرجوع إلى "الثقافة"

المقاومة الشعبية، عند قدوم نابليون إلى مصر

Share

يبدأ تاريخ مصر الحديث من اليوم الأول الذى وطئ فيه نابليون أرض بلادنا المقدسة ، فقد بدأت مصر الحديثة منذ ذلك اليوم أن تستيقظ ، بعد أن مضت عليها حقبة من الزمن استسلمت فيها للدعة والاطمئنان ، وقد بدأت علاقاتها مع الدول الأوربية تتوثق ، وبدأت الدول الأوربية من ناحيتها تنظر إلى مصر نظرة المرشد الناصح حينا ، والطامع المتعنت أحيانا . ولكن لعل اشد ما يميز تاريخ الأمم الحديثة هو ذلك الشعور القومى الذى طاف بها منذ بداية القرن التاسع عشر . وقد تنبه الشعور القومى عند الأمم الحديثة حينما غزاها نابليون فقاومته : تنبه ذلك الشعور فى الروسيا وفى إسبانيا وفى إيطاليا ، لأن هذه الأمم جميعا ثارت على نابليون ، وكان للمقاومة التى اصطنعتها كل الفضل فى تكوينها القومى ؛ والمقاومة فى كل أمة هى التى تبعث الشعور الأول الذى يميز المبدأ القومى .

فهل تلقي حين نبحث تاريخنا الحديث مثل ذلك الشعور القومى الذى ميز حياة الشعوب الأوربية فى القرن التاسع عشر ؟ أفليس يحق لنا أن ننظر إلى تاريخ مصر منذ الفتح الفرنسى إلى الآن كوحدة عامة نمت فيها القومية المصرية ، حتى بلغت عنفوانها فى القرن العشرين ؟ أجل ! إن لنا أن ننظر تلك النظرة العامة ، ولكن ينبغي ألا نسرف كثيرا فى تقدير شعورنا القومى عند الحملة الفرنسية ؛ ذلك بأن المالك الأوربية الآخرى التى قاومت نابليون ، كانت قد بلغت درجة كبيرة من التقدم ، فهى

قد أفادت من شعور المقاومة الذى طاف بأفرادها ، وقام من بينهم زعماء ثبتوا حقوق الشعب . وكان أفراد هذه القوميات قد نالوا فسطا عظيما من الثروة والعلم ، فتمثلت مقاومتهم لنابليون فى حركات شعبية عامة . لكن مصر كان ينقصها كثير من العلم والمال . لذلك لم تكن المقاومة الشعبية للحملة الفرنسية ظاهرة كل الظهور ، ولم تنتج ما أنتجته الحركات الأخرى من وضع أسس دستورية ، أو جهاد فى سبيل إصلاح النواحى العامة .

حينما أغارت الحملة الفرنسية كانت القوى موزعة فى مصر بين فئات ثلاث . فكانت القوة الأولى عسكرية ، فى أيدى البكوات المماليك الذين ورثوها عن فئات منهم ، وانتقلت بين أيديهم من جيل إلى جيل . كان هؤلاء موكلين بأمر الدفاع عن مصر ، لكنهم كانوا يعتمدون على نظم الدفاع القديمة ، وكان غاية ما يحسنونه أساليب الفروسية من كر وفر وغير ذلك . ثم كانت هناك قوة ثانية ، هى قوة البدو الذين سكنوا الصحراوين الشرقية والغربية وكثيرا من أنحاء الصعيد . وكان بين هؤلاء البدو عصبية تجمع بينهم ، وتخلق منهم قوة عنيفة إذا أحسن القيام عليها . ثم كانت هناك قوة ثالثة خفية فى الشعب المصرى نفسه ، وهى خليط معقد من عقيدة الشعب الدينية ومن شعوره بأن هؤلاء المغيرين كانوا أجانب يجب أن يدفع بلاؤهم .

تلك هى القوى الثلاث التى التقت بها الحملة الفرنسية حينما أغارت على مصر . ولكن لم كانت المقاومة فى مصر

ضعيفة واهنة ؟ ولم استطاع نابليون أن يقضى عليها فى قليل من الزمن ؟ كانت هذه القوى متوزعة ، فلم تسكن فى البلد حكومة تستطيع أن تنسق تلك القوى الثلاث ، بل لم يكن فى مصر جيش قائم مدرب على أمور الدفاع ؛ وكان زعماء المماليك يجهلون كثيراً من نظم الحرب الحديثة ، وكانت بينهم حزازات لم يستطيعوا أن يتناسوها في ساعة الخطر المحدق . وكان الجيش الفرنسى ثلاثين ألفاً أو يزيد ، وكلهم جنود خبروا الحرب ، وذاقوا حلاوة النصر . وكان نابليون نفسه على رأس هذا الجيش واتبع خططاً حربية حديثة كفلت له النصر السريع . لذلك أخفقت المقاومة العسكرية التى تزعمها المماليك ، والتى ساعدهم فيها بدو الصحراء . وكان أشد فشل منيت به تلك المقاومة فى واقعتين : أولاهما شبراخيت فى ١٣ يوليه سنة ١٧٩٨ ، و ثانيتهما فى امبابه فى ٢١ يوليه سنة ١٧٩٨ .

لم يكن هناك جيش قائم من الجنود المصريين ، بل كان أمر الدفاع موكولا إلى هؤلاء المماليك ؛ هذا على أن آلافاً من المصريين اشتركوا فعلا فى ذلك الدفاع واضطربوا بين صفوف المماليك . لكن قوة المصريين كجماعة بدأت تظهر جلية واضحة فى الأشهر القليلة التى تلت دخول الحملة الفرنسية . وكأنما كان المصريون فى سبات عميق فأيقظتهم أحداث الحملة ؛ كان المماليك قبل ذلك يمثلون القوة السياسية الغشوم ، لكن المصريين كانوا راضين بحكم المماليك على ما كان ينطوى عليه من تعسف ، لأنه كان لذلك الحكم تقاليد انحدرت فى الحياة المصرية من جيل إلى جيل . أولئك المصريون اهتزوا حين رأوا أن هذه السلطة السياسية قد انتقلت إلى أجانب لا تجمعهم بالمصريين صلة من الدين أو العادة أو العرف . لذلك لم يذعن المصريون مطلقاً للحكومة الفرنسية الجديدة ، على الرغم من أن هذه الحكومة حاولت أن تستهويهم وتتملقهم

بمختلف الوعود ، بل وحاولت أن تصلح من شأنهم وأن تدفعهم إلي التقدم فى كثير من نواحى الحياة .

كان نابليون يريد أن يجتذب الشعب المصرى إليه ، فكان أول ما فعل عند قدومه إلى مصر ان أذاع منشوره المعروف . وفيه ينعى على الماليك أنهم أفسدوا فى مصر ، وفيه يكاد يدعى أنه مسلم ، وفيه يتملق الوطنية المصرية . لكن أهم ما فيه أنه وعد بإقامة حكومة أهلية يدير شؤونها العلماء والفضلاء . وإقامة حكومة أهلية كان شيئاً لم يسمع به المصريون من قبل ، ولعلهم لم يكونوا يعرفون كيف تكون الحكومة أهلية . ولكن لم يكن نابليون كريماً صادقاً فى بذل تلك الوعود ، فلم يكن يريد من كل ذلك إلا أن تستقر الحال فى مصر . فهو لم يكن يرمى من وراء هذه الحكومة الجديدة إلا إلى أنخاذها واسطة بينه وبين الشعب حتى يستطيع أن يحصل على الضرائب التى يفرضها ، وحتى يستسيغ الشعب أوامره حين يوافق عليها مشايخه وزعماؤه   وقد كان نابليون يظن أنه سوف يكسب عطف المصريين حين يقيم حكومته على أساس شبه دستورى ، لكن الشعب المصري لم ينصرف عن سوء الظن بالأجنىي . بل لقد كان الشعور الاجتماعى حياً متنبهاً ، حتى أصبحت العلاقة بين المصريين والفرنسيين سلسلة من الفتن والمقاومات والثورات .

أقام نابليون حكومته الجديدة ، محاولاً أن يشرك بعض شيوخ الأزهر وعلمائه فى الحكم ، فابتكر نظام الديوان . وهذا فى نفسه اعتراف بقوة الشعب المصرى الناشئ . ولكن هذا الشعب المصري لم يكن حينئذ يشعر بقوته تمام الشعور ، لأن العلم والمال كانا ينقصانه . لذلك لم يستطع هؤلاء العلماء أن يستفيدوا من موقفهم هذا  .  كان يشعر الشعب بذلك الضيق او الهوان الذى يملك النفس ، إذا ظلمت أو أهينت أو اعتدى عليها .

وما لبث هذا السخط أن انقلب إلى ثورة بعد ثلاثة شهور من وجود الفرنسيين . وكان يوم ٢١ أكتوبر سنة ١٧٩٨ يوما مشهوداً فى القاهرة ، لأنه اليوم الذى ثار فيه المصريون على الفرنسيين ، ولأن قوة الشعب الخفية التي انكمشت في ٢١ يوليه ، لم تزل تحاول أن تجد لنفسها مخرجاً حتى انفجرت في ٢١ أكتوبر ، وبين التاريخين حدثت أحداث كان من شأنها أن تثير المصريين . ولنبحث قليلاً فى تلك العوامل التي ادت إلى هذه الثورة .

أما أول هذه العوامل فهو عامل اقتصادى . وقد تحطم الأسطول الفرنسى فى واقعة أبى قير البحرية فى أول اغسطس سنة ١٧٩٨ ، وشعر الفرنسيون أنهم لابد أن يستغلوا موارد مصر استغلالاً كاملاً لأن السبل انقطعت بينهم وبين فرنسا . لذلك لجأوا إلى فرض الضرائب حتى أرهقوا الأهالى إرهاقاً لا حد له . فقد طلبوا قروضا من تجار يبلغ مجموعها مائة ألف من الجنيهات ، وعينوا قروضا إجبارية خاصة يؤديها أصحاب كل مهنة من المهن . واشتغلوا كثيراً فى نهب دور المماليك وأساءوا معاملة زوجاتهم ، حتى أخذوا من زوجة مراد بك وحدها ٦٠٠ ألف فرنك . وأسرفوا فى قتل الذين خالفوهم من مماليك وعرب ومصريين .

ثم إن الفرنسيين حاولوا أن يصلحوا كثيراً من أبنية القاهرة حتى توافق أساليبهم فى الدفاع والهجوم . فقد كانت القاهرة تضيق بشوارعها وأزقتها ، وكان على كل حارة باب يعتصم الناس وراءه .  وقد خشى الفرنسيون أن تساعد تلك الأبواب على العصيان فحطموا بعضها . فأثار ذلك شبهات العامة  . لكن العامة احرجوا كثيراً حين تدخل الفرنسيون فى شئونهم . إذ لم يحاول أحد من قبل أن يلزمهم بتغيير عاداتهم الخاصة . ثم إنهم كانوا يرون فى تلك الحارات معتصماً وأمناً .  زد على ذلك أن الفرنسيين فى

نفس الوقت كانوا يحصنون القلعة فحسب الناس أنهم مقبلون على أمر جليل وفقدوا الأمن والراحة والطمأنينة .

على أنه إلى جانب تلك العوامل كان هناك عامل اجتماعى آخر ، هو ذلك الاختلاف فى الأمزجة والعادات بين الفرنسيين والمصريين . وظهر اختلاف العادات بين الفريقين فى الفترات القليلة التى كانوا يختلطون فيها ؛ وقد حاول نابليون أن يقيم حفلات فى مهرجان النيل ، والمولد النبوى ، وتعيين أمير الحج ، وعيد الجمهورية الفرنسية ، حاول نابليون أن يقيم هذه الحفلات ليجتذب إليه الشعب المصرى ، لكن الشعب المصرى كان محافظا ، فساءه ما كان يظهره الفرنسيون فى تلك الحفلات من إسراف فى طلب السرور ومن تهتك النساء في أحيان . فلم يستسغ المصريون مثل تلك الحفلات حتى لقد كان يرفض جمهورهم أن يشتركوا فيها .

من أجل هذه العوامل ظهرت الثورة فى ٢١ أكتوبر سنة ١٧٩٨ ، واجتمعت لجنة من الثوار فى الجامع الأزهر ؛ وليس من شأننا أن نصف ماحدث فى ذلك اليوم العصيب ! ولكن حسبنا أن نقول أن تلك الثورة أظهرت فئتين من الزعماء ، كان لهم أكبر الأثر فى الحوادث التى حدثت فى مصر فى السنين السبع التى بدأت بقدوم نابليون وانتهت بولاية محمد على . أما الفئة الأولى فهى فئة شيوخ الأزهر وعلمائه ، وكانوا أكثر المصريين علماً ومالا . وقد أجلسهم نابليون مجلس الزعماء حين اختار بعضهم أعضاء فى الديوان . أما الفئة الثانية فقد كانت فئة زعماء الرعاع . وأولئك قوم من أولاد البلد لم يؤتوا إلا قليلا من العلم ، لكنهم كانوا يسيطرون على الرعاع والذعماء . وتلحظ فى الثورات دائماً هذين العنصرين : تلحظ قادة مستنيرين إلى جانب آخرين غير مستنيرين ؛ وزعماء الرعاع هم الذين يظهرون فى أول الأمر فيقودون العامة إلى التدمير

والتخريب ، ثم يظهر المستنيرون أخيراً حين تهدأ الثورة . وقد حدث ذلك فى سنة ١٧٩٨ وما بعدها . فقد بدأت هذه الثورة بالتدمير والتخريب ، وكان يقودها رجال من أبناء البلد لهم عزة وكرامة . لكن هذه الثورة خمدت وما لبثت أن تجمعت تحت زعامة العلماء حين تولاها السيد عمر مكرم بعد خروج الفرنسيين من مصر .

وكذلك بدأت الحملة الفرنسية والمقاومة الشعبية لا تكاد تكون شيئا مذكوراً فى حياة مصر السياسية . ولكن لم يمض عليها شهور ثلاثة حتى أصبحت هذه المقاومة كل ما يهتم له نابليون وجيشه . ولاشك فى أن إخماد الثورة كان قاسياً ، لكن الثورة أظهرت الفرنسيين

والمصريين فى موقفهما الحقيقي . فقد ألغي نابليون الديوان ، وأغلظ القول لأعضائه . ودخل الأزهر بجيوشه ، وتحلل المصريون من ذلك الشك الذى كان بداخلهم ، فكان العداء بينهم وبين الفرنسيين صريحاً .

فلنذكر إذاً أن مصر قد تحرك فيها شعور المقاومة الشعبية عندما غزاها نابليون . ولنذكر أن هذا الشعور لم يكن قومياً أو وطنياً بالمعنى الذي نفهمه الآن ، ولكن لقد كان شعوراً اجتماعياً يأبى الظلم ويشعر بالهوان . وقد كان هذا الشعور مقدمة لحياة قومية عرف فيها الشعب نفسه ، لكنها لم تبلغ عنفواها إلا بعد قرن أو يزيد

( بنى سويف )

اشترك في نشرتنا البريدية