الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 398 الرجوع إلى "الثقافة"

المكتبان، " لجوته "

Share

كان لي صديق نبيل شجاع يسكن قصرا قديما مع أسرة كبيرة تربت في أحضانها فتاة يتيمة . فلما ترعرت الفتاة وبلغت الرابعة عشرة من عمرها كانت من حول سيدة البيت تلازمها وتقضي لها حاجاتها الشخصية وكانت الأسرة جد مرتاحة إليها راضية عنها ، وكانت هي لا تتمني سوي أن تبذل للمحسنين إليها من التفاتها ووفائها ما يوفي دينها ، وكانت حسنة التعليم والتهذيب خام حولها بعض الخطاب ، فلم تجد الأسرة في زواجها من أحد هؤلاء سعادة لها ، ولم تبد هي أدنى رغبة في تبديل حالها

وفجأة حدث أن الفتاة وهي ذاهبة في البيت جاثية سمع من تحتها دق هنا وههنا فبدا هذا لأول وهلة من عمل الصدفة . لكنه لما لم ينقطع الدق وظل يسم كل خطوة من خطواها ساورها القلق ، وبانت تهيب الخروج من حجرة ربة البيت إذ كانت لا تستشعر الاطمئنان الا فيها

وقد سمع هذا الدق كل من ماشاها في البيت أو كان في مقرية مها ، فكانوا بكندرون * بادي الامر ، لكنهم أخيرا ضاقوا به ، فجعل رب البيت ، وهو رجل نشيط الذهن بتحري ظروفه ، ويحقق أسبابه . ولم يكن الدق يسمع إلا حين أسير الفتاة ، وكان يسمع حين تضع قدمها على الأرض ناهبا المشي ، وحين ترفها ماضية فيه . بيد أن الدقات كانت أحيانا غير منتظمة ، وكانت على الأخص قوية جدا ، حين تخترق الفتاه في طريقها بهوا فسيحا.

وأخيرا احتفظ رب البيت ذات يوم ببعض العمال واستبقاهم قريبا منه ، فلما كان الدق على أشده كلفهم في الحال بنزع بعض الألواح من أرض المكان إثر مرورها عليها ، فلم يجد تحتها شيئا ، اللهم الا ظهور بعض الفيران الكبيرة ، فطوردت ، وكان لمطاردتها ضجة في البيت أية ضجة

وأغضب رب البيت هذا الحادث وما أشاع من اضطراب فلجأ إلي الشدة ، وتناول سوطه من الحائط، وأقسم ليقتلن به الفتاة ضربا إذا سمع الدق مرة أخري . من ذلك الحين صارت الفتاة تسير بسلام ، ولم يعد أحد يسمع من الدق شيئا

ورأت لويزة وهي من أهل البيت أن هذا دليل على أن عفريت الطفلة الجميلة كان من ذات نفسها ، وأنها لسبب من الأسباب مزحت هذا المزاح وعبثت بسادتها

فعارضها فربتس : فقد كان من أهل البيت من ينسب هذه الظاهرة إلى روح من الأرواح ، ويعتقد أن الروح راعية الفتاة تريد حملها على مغادرة البيت . لكنها بعد تهديد ربه لم تشأ أن تسبب لها الذي ورأي غير هؤلاء رأيا أقرب إلي المعقول ، ففسر الأمر بأن أحد محبيها المغرمين بها أوتي من العلم أو من الحذق ما مكنه من إحداث هذه الأصوات ليحمل الفتاة على ترك البيت والإرتماء في أحضانه . وسواء كان هذا أو ذاك أو لم يكن فان الطفلة الطبية ذوت من جراء هذا الحادث وذبلت ، وبات تشبه الطيف الحزين ، بعد إن كانت غضة ، مرحة ، طروبا ، هي اأطرب من بالبيت جميعا بيد أن هذا الهزال قد يكون له علة أخرى.

وقال كارل : من أسف ألا نستطيع تحري هذه الأحوال بالدقة ، وأننا في حكمنا على الحوادث التي تثير اهتمامنا نظل تتراوح بين مختلف الأحتمالات ، لأن الظروف التي وقعت فيها أمثال هذه العجائب تخفي علينا في الغالب .

فقال الشيخ رب البيت : لو لم يكن من العسير تحقيق هذه الحوادث واستحضار نقطها وبواعثها إثر وقوعها كيلا يفوت المرء شئ يمكن أن ينطوي على الخداع أو الخطأ ! هل يستطيع المرء ملاحقة حاو في خفة حركاته ورشاقتها مع أننا نعلم أنه يمكر بنا ؟

ولم يكد بفرغ من كلامه حتي سمت في زاوية الغرفة فرقعة قوية على حين غفلة ، فهب الجميع مذعورين ، وقال

بعد ذلك كارل مازحا : آمل ألا نسمع صوت عاشق يحتضر!

وكأنه ندم على ما قال فود لو يسترد عبارته إذ امتقع لها لون لويزة واعترفت بأنها ترتعد خوفا على حياة عريسها وتناول فريتس الصباح ليسري عنهم ، وتوجه إلى المكتب القائم في زاوية الغرفة ، فألفي غطاء المقوس مشقوقا شقا أفقيا كاملا ، فأدرك سبب الصوت

لكن أهل البيت تذكروا أن هذا المكتب هو خير ما صنع رونتجن ، وأن له في مكانه عدة سنين لم بسببه شئ ، فيكيف اتقن أن ينشق في هذه اللحظة ! لقد كانوا دائما يباهون بأنه أنموذج للنجارة المتبنة البديعة ، وكانوا يرونه الغير مفاخرين ، فإذا به الآن ينشق دفعة واحدة من دون أن يشعروا في الجو بأقل تبدل .

وقال كارل : دعونا تحقق هذا الظرف في الحال ، ونتبين مقياس الجو

فألفوا الزئبق على حاله لم يتحرك منذ بضعة أيام وكذلك وجدوا مقياس الحرارة لم يسقط إلا بقدر محول النهار إلي ليل وصاح كارل : من أسف أن مقياس الرطوبة ينقصنا فهو ألزم ما يلزمنا . وقال الشيخ : بلوح أنه تنقصنا دائما ألزم الأشياء كما أردنا امتحان الأرواح

وإنهم لفي تأملاتهم إذا يخادم بقطعها عليهم ، فيدخل الغرفة مسرعا ، ويعلن إليهم ان حريقا كبيرا يوح في السماء ، وانه لا يعلم أيشب في المدينة أم في الناحية

ولما كان أهل البيت قد باتوا من جراء الحادثين أشد حساسية بالذعر فقد وقع عليهم الخير وقما هو أشد مما يكون في العادة . وقد سارع فريتس إلي منظرة البيت وكان على لوحة أفقية فيها خريطة مفصلة للإقليم يمكن بواسطتها تعيين مواضع مختلف النواحي بالضبط تقريبا حتى أثناء

الليل ، وبقي سائر أعضاء الأسرة في انتظاره مهمومين لا يستقرون .

وعاد فريتس يقول : إن ما أحمل لا يسر . فالحريق في غير الاحتمال ليس بالمدينة ، ولكن في ضيعة خالتنا . إني اعرف الاتجاه بالضبط وأخشي ألا أكون مخطئا وأسف أهل البيت لما يذهب الأن طعمة للنيران من المنشآت الجميلة ، وغلوا في تقدير الخسارة .

وقال فريتس : إن فكرة مجيبة خطرت ببالي في تلك الأثناء ، وقد تهدي روعنا علي الأقل من ناحية ما بدا على المكتب من ظاهرة غريبة . فلنعين قبل كل شئ الساعة التي سمعنا فيها الصوت .

فحسبوا الوقت المنقضي فرأوا أن الساعة كان يمكن أن تكون حوالى منتصف الثانية عشرة .

واستطرد فريتس بقول : والآن أضحكوا أو لا تضحكوا ، فإني أريد أن أحدثكم بما وقع في خاطري . إنكم تعلمون أن أمنا أهدت إلي خالتنا من عدة سنين مكتبا شبيها بهذا ، بل قولوا مكتبا مثيلا لهذا وقد صنع كليهما معلم واحد ، في وقت واحد ، من حشب واحد ، وبدل في صنعهما عناية فائفة . وقد عاش كلاهما إلي الآن في حالة جيدة ، وأراهر أن المكتب الثاني بحضر الآن في مصيف خالني ، وأن التوام أخاء بكاند من هذا وسأذهب غدا بنفسي ، وأتحري هذه الواقعة الغريبة ما أمكن التحري

ولست أدري أكان هذا الرأي يحدو قريتس حقا ام من الرغبة في تهدئة روع أخته هي التي أوحت إليه بهذا الخاطر . وعلى كل فقد اغتنم أهل البيت هذه الفرصة للتحدث عن حالات من التعاطف لا سبيل إلى إنكارها ، وانتهوا إلي ان التعاطف بين الخشب الذي نشأ في جذع واحد وبين المصنوعات التي صنعها فنان واحد ، أمر لا يستبعد بل إنهم أتفقوا على أن هذه الظاهرات يمكن أن تعد من الظاهرات الطبيعية كتلك التي تتكرر كثيرا

ونلمسها بأيدينا ، ولا نستطيع تعليلها

وقال كارل : يلوح لي أن كل ظاهرة وكل واقعة هي ما يبعث الاهتمام في ذاته . فالذي يحاول تحليلها أو الوصل بينها وبين حوادث أخري إنما يلهو بذلك ويضحك على ذفوقنا ، ) بفعل بنا علي سبيل التثال كل من الباحث الطبي والقاص إن العمل أو الحادث الواحد لا يشير اهتمامنا لأنه قابل للتعليل أو محتمل ، ولكن لأنه حقيقي . فإذا كانت النار قد التهمت مكتب خالتنا حوالى منتصف الليل فيكون الانشقاف الغريب الذي وقع لمكتبنا في نفس الوقت حادثا حقيقيا ، وليكن بعد ذلك قابلا للتعليل أو ذا صلة بغيره ما يكون

ووثبت لويزة إلى النافدة حين سمعت فريدريك يدخل فناء القصر ، ثم ذهبت لملافاته ، واقتادته إلى الغرفة وكان

يبدو منهللا وإن كان قد جاء من مشاهد البؤس والخراب . وبدلا من أن يأخذ في سرد تفاصيل الحريق الذي شب في بيت خالتهم أنشأ يؤكد أن المكتب كان يحترق هناك في نفس الساعة التي سمعت فيها فرقعة مكتبهم بهذا العنف .

قال : وفي نفس اللحظة التي اقتربت فيها النار من غرفة الكتب أنقذ مدير البيت ساعة كانت موضوعة على المكتب . ولابد أنه وقع لها شئ وهو يحملها إلى الخارج ، لأن حركتها وقفت في منتصف السامة الثانية عشرة تماما ففيما يتعلق بالزمن على الأقل قد ثبت التوافق التام .

فابتسمت البارونية . وزعم ناظر القصر أنه ليس بعد في الإمكان أن نستخلص صلة بين شيئين لمجرد توافقهما . بيد أنه راق لويزة أن تربط بين الحادثين ، لاسيما وقد سمعت عن صحة عريسها ما طمأنها عليه ، وأرخي للخيال العنان يجول ويصول

اشترك في نشرتنا البريدية