حلقة فى سلسلة كتبه القيمة عن عظماء الإسلام ، بدأها بعبقرية محمد ، ثم عبقرية أبى بكر ، ثم عبقرية عمر ؛ ثم هذه فى عبقرية الإمام على . وما قلناه فى وصف هذه السلسلة وقيمتها ، وكيفية معالجة الكاتب لموضوعه ، ينطبق على هذه الحلقة - وكل ما لاحظناه من فرق أن المؤلف الفاضل إن كان فى كتبه الأولى فنانا وقاضيا ، فهو فى هذا الكتاب محام أولا ، وفنان ثانيا ، فلقد تعرض الكتاب للدفاع عن الإمام على فى مواقف النزاع مع خصومه أكثر مما تعرض لرسم شخصيته ، ولعل جو الكتابة فى على نفسه ، رضى الله عنه ، قضى بذلك ، فقد كانت حياته السياسية نزاعا لم ينته حتى بالموت ؛ فقد ظلت الخصومة بين أنصاره وأنصار أسرته وخصومه وخصوم أسرته قائمة حتى اليوم ، تتخذ شكل حرب بالسيف ، فإذا أغمد السيف قامت خصومة الكلام ؛ فيظهر أن طبيعة الجو أثرت فى المؤلف الفاضل ، فاتخذ فى ذلك موقف المدافع المناضل . وآخذ على المؤلف أيضا اعتماده أحيانا على ما روى من غير كبير نقد ، كاعتماده على كثير مما روى فى نهج البلاغة ، كوصف الخفاش والطاووس ونحو ذلك . وفى رأيى أنه لو عرض على محك البحث من مقارنته بالأساليب المعروفة فى ذلك العصر لرجح جانب أنها موضوعة ، وكما فى رواية حديث سوءة عمرو ، فإنها بالروايات والقصص أشبه ، ولم أجد هذه القصة عند المؤرخين الثقات أمثال الطبرى حسبما اطلعت ؛ والمؤرخون الأتبات إذا رووا هذه القصة حكوها بصيغة التمريض ، كما يعبر إحواننا الأزهريون ، فالسعودى يقول :
(( وقد قيل فى بعض الروايات )) ، وابن عبد البر فى الاستيعاب يقول : فيما ذكروا - وكلها تعبيرات تدل على الشك فيها وعدم الجزم بها .
وكالذى روى من وضعه علم النحو ، فتقسيم الكلمة أشبه بالتقسيم المنطقى اليونانى ، وهذا كله ناب عن طبيعة العصر .
وهذا لا يقدح فى الكتاب وقيمته ، فقد جلى نواحى كثيرة من نواحى عظمة الإمام ، وكم له من نواح عظيمة ؛ وقد حلل المؤلف كثيرا من المواقف تحليلا نفسيا واجتماعيا بديعا ، فنشكره ونستزيده .
٢ - كتاب علم النفس الجنائى
من أكبر خصائص هذا العصر شدة الاهتمام بعلم النفس ، فمدرسة فرويد وأدلر وتلاميذهما ومعاصروهما عنوا العناية التامة بدراسة النفس من نواحيها المختلفة ، وعنوا بالناحية العملية كما عنوا بالناحية النظرية ، وأنشئوا المعامل لعلم النفس كمعامل الطبيعة والكيمياء ، وأنشئوا المستشفيات لمعالجة النفس كالمستشفيات لمعالجة الجسم ؛ وغمرنا المؤلفون الأوربيون والأمريكيون بالكتب فى علم النفس من نواحيه المختلفة ، الفردى والاجتماعى ، ونفسية الحروب ، ونفسية التصوف ، ونفسية الدين الخ الخ .
ولا تزال اللغة العربية فى حاجة إلى من ينقل لها هذا التراث العظيم ترجمة وتأليفا .
وقد عنى المؤلف الفاضل فى كتابه بالناحية النظرية والعملية ، فتكلم فى القسم الأول عن نظريات علم النفس ، وفي القسم الثانى عن القسم العملى مما يتصل بالجرائم وما إليها .
وشخصية المؤلف ظاهرة فى الكتاب ، وخاصة فى القسم الثانى بما أضاف من تجارب شخصية ومشاهدات واقعية ؛ عرض ذلك كله فى أسلوب سهل واضح ؛ فكان قسمه الثانى الأول من نوعه فى اللغة العربية
٣ - حواء
ديوان شعر للأستاذ الحومانى الشاعر المشهور ، طبع بمطبعة الكشاف ببيروت ، وقد قسمه إلى أقسام ثلاثة : وحى القبل ، ووحى النهود ، ووحى الدموع .
أكثره نظم فى رواية حب حدثت للشاعر عند سفره إلى أمريكا ، فألهبه وأهاج شاعريته ، وخاصة بعد أن فارق من يحب إلى موطنه بالشام . وقد انتشر شعر الحومانى ، وروت الكثير منه بعض صحف الشام ومجلاتها . وقد أحسن الناشر فى جمعه ونشره ، ففى كثير من قطعه خيال لطيف ونظم جميل ، وإن كان أحيانا ينزل إلى مستوى لا يليق أن ينشر ما قيل فيه كقصيدة (( الحية الرقطاء )) ونحوها ؛ ولولا أن نقع فيما وقع فيه من الخطأ لنشرناها ، ونحن فى زمن أحوج ما نكون فيه إلى الشعر الذى يرسم المثل العليا للحياة ، وفى بعض قصائد الديوان ما يحقق هذا الغرض . وحبذا لو أجال الشاعر قلمه فيه مرة ثانية ، فأبعد منه ما لا يتفق والغرض الأسمى الذى ينشده الفنان النبيل .
٤ - مكتبة الإسكندرية فى العالم القديم
بحث لطيف فى الإسكندرية فى العصور القديمة ومكتبتها فى عهد البطالمة وفى العهد الرومانى ، وفى علوم الإسكندرية وآدابها فى القرنين السادس والسابع الميلادى ،
وخاتمة فى بحث ما نسب إلى عمرو بن العاص من إحراق المكتبة ، ثم فصل بالفرنسية للأستاذ ١ . كومب عن المكتبة البلدية فى السنين الأخيرة .
وهو بحث صادف وقته فى بدء حياة جامعة فاروق الأول وعملها على إعادة الحياة العلمية فى الإسكندرية ، ولعل المؤلف يجد من وقته ما يتابع فيه بحثه فى مدرسة الإسكندرية ومكتبتها وأكاديميتها ، حتى يشبع حاجة العربية إلى بحث واف شامل .
٥ - رابندرانات تاجور
مجموع مقالات عن (( تاجور )) كان قد نشرها المؤلف فى مجلة المقتطف ، ثم جمعها وخصصها هدية لأصدقاء ناجور .
والكتاب يقدم لنا صورة لطيفة من صور تاجور فى حياته وشعره ومدرسته ، ونظرته للأخلاق والمدنية والسياسة والمرأة والأدب والدين .
وفى كل ذلك يلخص الكاتب الفاضل نظرة تاجور إلى الموضوع ، ثم يستشهد على هذه الخلاصة بأقوال لتاجور نفسه ، معتمدا فى ذلك على كتبه نفسها وما كتب عنه الأدباء الأوربيون .
ولقد نجح المؤلف فى هذا التصوير ، فيخرج القارئ منه على صورة جميلة لتاجور ، صورة تسمو عن الحزبية والوطنية ، وتدعو إلى الإنسانية ، وتشيد بالروح الشرقية وتوضح خطر المدنية الغربية ، إلى سمو بالنفس عن عالم المادة ، وتذوق نبيل لجمال الطبيعة ، وفلسفة يجملها الشعر ، وشعر تسقه الفلسفة ، وإعجاب بالشرق لإجلاله المعانى الروحية ، وإشفاق عليه من جموده ، وإعجاب بالغرب لما فيه من ذخر ثقافى لا يعوض ، وأسف عليه لما يغمره من تيارى العنف والمادة ، فهو كتاب يفيد قارئه ، ويفتح له آفاقا واسعة فى التفكير والعاطفة .

