في هذا اليوم المبارك ، يوم ذكرى الهجرة النبوية الشريفة ، التى كانت الحد الفاصل بين الدعوة الهادئة المتكتمة وبين الدعوة القوية العلنية ، بين ضعف المسلمين ومحنتهم وتحملهم ، وبين قوتهم وشوكتهم وظهورهم على عدوهم ، وبالجملة بين دعوة خافتة لم يحسب حسابها ، ولم يقدر لها الأعداء نجاحا ، وبين دعوة هزت ارجاء الأرض وخيف بأسها وعلا نجمها ، وأدت إلى انتصار الإسلام ورفعته ، وإلى عزة المسلمين وسعادتهم . في هذا اليوم المبارك لعل من الخير أن تقف لحظة تتدبر كشف الحساب الذي يقدمه التاريخ لنا معشر المسلمين لنعرف مكسبنا وخسارتنا ونتبين ما إذا كان رجحان كفة الميزان لنا أو علينا.
ولننظر أولا في عناوين بنود هذا الحساب ، وهي مقومات سعادة الفرد . وأهم هذه المقومات باختصار هو التمتع بصحة جيدة ، وتوافر الحاجيات الضرورية للحياة ، والاطمئنان النفسي الذي أساسه الأمن والحرية والإيمان والقناعة . وسعادة الأفراد تؤدي إلى سعادة المجتمع بوجه عام إذا توافرت في أفراده صفات أهمها : الصراحة والأمانة والوفاء والإيثار والرحمة .
جاءت تعاليم الإسلام تحوي العناصر المؤدية لهذه السعادة المزدوجة ، سعادة الأفراد وسعادة المجتمع ، المجتمع كله ، أى المسلمين من أفراده وغير المسلمين.
فقد حوت تلك التعاليم من قواعد النظافة والغسل ما يؤدى إلى جودة الصحة ، ومن الدعوة القوية إلى دوام التأمل والتفكير ، ومن الحث على الإقبال على طلب العلم باستمرار ما يكفل نماء الثروة وتقدم الصناعة وإتقان العمل . وهذا هو الذي يؤدي إلى توفر الحاجيات الضرورية للحياة ، بل إلى نشوء الكماليات التي تزيد في متعة الأفراد ، كما حوي الاسلام من أسس الحرية والمساواة بين
جميع الأفراد بغير أدني تفريق ، ومن أسس الإيمان بالله عز جلاله ، والتسليم له والاعتماد عليه وحده ، والرضا بالرزق الذي يبعثه ما هو حري بأن يؤدي إلى أعظم قسط من الاطمئنان النفسي عند كل إنسان .
ثم التفت الإسلام إلى ناحية المعاملة وقواعدها وآدابها ونظمها خير تنظيم ، وخدمها أجل خدمة ، فبين للفرد ما يجب ان يتحلى به من الأخلاق المتينة التى عليها يبني صرح الدولة وعليها تؤسس خير العلاقات بين افرادها ، بل خير الروابط التى تخلق من كل واحد من هؤلاء الأفراد أخا وفيا لغيره ، حريصا على خيره وسعادته ، يحب له ما يحب لنفسه . وغرس في نفوس المسلمين تلك الصفات التى تأبي على الواحد منهم أن يخون الآخر في ماله أو عرضه
وقد أقبل المسلمون في صدر الاسلام على هذه الدعوة المحمدية إقبالا عظيما وآمنوا بمحمد وما أنزل عليه إيمانا قويا ، وتحمسوا لتعاليم الاسلام ، وأخلصوا لمبادئه ونفذوها تنفيذا دقيقا بوازع نفساني أي بغير حاجة إلى رقابة خارجية ، فكانوا مضرب الأمثال في الصراحة والشجاعة والأمانة والوفاء ، والرحمة والإبثار والتآخي والتفاني في العقيدة . فكانت غاية الغايات عند كل منهم ، أن يحيي في سبيل الله وأن يموت مستشهدا في سبيل الله ، ومن ثم لم يحرصوا على الحياة ، ولم يهابوا الموت.
ولما توافرت لهم تلك الصفات سعدوا وعزوا وأقاموا دولة يسودها العدل . وتتوافر فيها الحرية . دولة هي خير مثال يحتذي .
دار الزمان دورته وعدت على الإسلام العوادي ، ثم جاءت المدنية الغربية المادية التي تقوم على أسس أهمها أولا استغلال العلم المادي والصناعة التى تقدمت تقدما مدهشا يبهر العقول ، استغلال ذلك لراحة الإنسان ومتعته الجسدية . لكن هذه المدنية الغربية للأسف لم تعبأ بالناحية النفسية ولا بالقواعد الخلقية ولا بالروابط الإنسانية ،
ولذلك كان أساسها الثاني استغلال فريق من الآدميين في سبيل راحة ومتعة فريق اخر من الآدميين . وكذا نحن المسلمين مع شديد الأسى والاسف من ذلك الفريق المسكين المسخر للفريق المحظوظ الذي رسم الخطط المحكمة لاستعباد إخوانه في الإنسانية واستنزاف دمهم في سبيل شهوته المادية الجامحة.
ولما نشط المسلمون أخــيرا واستيقظ فيهم الوعي الاجتماعي ، وأدركوا أن حالتهم تستدعي شيئا من النشاط والجد في سبيل نهوضهم من جديد وتبوئهم المكانة اللائقة بمجدهم القديم ، بهرتهم هذه المدينة الغربية الحديثة وأقبلوا عليها وافتتنوا بها وأخذ عقلاؤهم ومفكروهم يدعون قومهم للأخذ بأسبابها ومجاراة الأمم الغربية فيها . وبدا لهم أنها المثل الأعلى للحياة الراقية الصحيحة على الرغم مما فيها من شرور أهمها ما أشرنا إليه من أنها قائمة على اعتبارات مادية صرفة لا يقوم فيها وزن كبير للاعتبارات الإنسانية أو العاطفية ولا للاعتبارات الأخلاقية المحضة.
وقد أدى هذا التفكير بالعالم الشرقى ، والمسلمون جزء منه ، إلى حالة من الإنحلال الخلقى لا يمكن أن تقوم معه قائمة لدولة ، ولا يتوافر لمجتمع يسوده هذا الإنحلال عزة أو سعادة . ولنستعرض بعض النواحي التي ذكرنا في مقدمة هذا المقال أنها من مقومات سعادة الفرد والمجتمع ، لنري نصيب أغلبية المسلمين منها في الوقت الحاضر .
أما من جهة الصحة فالمدنية الحديثة لاشك قد وضعت أسسا للعناية الطبية واكتشفت علاجات لكثير من الأمراض لم يكن يعرفها الناس في صدر الإسلام ؛ لكن هذه المدنية نفسها قد جلبت معها أدواء جديدة لم تكن تعرف من قبل ، ولذلك لا نشك في أن الذين كانوا يعيشون في الأزمنة الماضية عيشة بسيطة نظيفة في الهواء الطلق وتحت أشعة الشمس كانوا أصح أبدانا من خلفائهم الذين يعيشون الآن في كنف التقدم الطبي والعناية الصحية في تلك الأحياء المكتظة بالسكان .
كذلك ربما كان الأقدمون يعيشون عيشة فيها بساطة وشئ من التقشف ؛ ومن ثم كانت مطالب الحياة عندهم قليلة ، وسهلة التحقيق نظرا لقناعة الناس وتسامحهم وتعاونهم ، أما الآن فقد أصبحت الحياة المدنية لا تطيب للناس إلا إذا توافر فيها كثير من الكماليات (وبعضها يضرهم من الناحية الصحية ) وهذه الكماليات يصعب على الأغلبية العظمى من الناس الحصول عليها.
فها أنت تري أنه حتى من الناحية المادية الصرفة كانت حياة الناس في الصدر الأول من الإسلام أصح وأيسر وأجلب للسعادة من حياتهم في عصر المدنية الغربية المادية الحديثة .
أما من الناحية الخلقية والروحية التي هي أساس الاطمئنان النفسي للفرد وسعادته وكذلك سعادة المجتمع بأكمله ، فإن الأمر يدعو في الوقت الحاضر إلى الإشفاق والأسف ، إن لم يكن إلي اليأس والحزن .
فأما الإيمان بالله فقد أقفرت منه النفوس ، وأصبح الناس حيارى قلقين جزعين ، تنتابهم الأمراض العصبية وتقض مضاجعهم الحوادث اليومية ، مما يجعل السعادة الفردية أبعد ما يكون عن متناولهم .
ثم أين نجد الوفاء في وقتنا الحاضر ؟ فالصديق يلقى صديقه في بشر مزيف وترحيب مصطنع ، فإذا سنحت له الفرصة طعنه من الخلف ولم يتورع عن إيذائه في سمعته وفي مورد رزقه بل وفي عرضه .
ثم أين الرحمة والبر اللذان يحملان المرء على أن يشغل باله بشؤون أخيه في الإنسانية فيعمل جاهدا على أنه يخفف ما يصيبه من ويلات بسبب الفقر أو المرض أو الجهالة ، وأين الذين يهبون أنفسهم وجهودهم لتعليم الجاهل أو لمعالجة المريض أو ينزلون طائعين مختارين عن أموالهم لتخفيف مصائب الحياة عن المعوزين والمحتاجين راضية نفوسهم مطمئنة قلوبهم منشرحة صدورهم إلى ما يفعلونه من بر صادر عما يستشعرونه من رحمة نحو إخوانهم.
وأخيرا أين الصراحة والشجاعة التي تجعل المرء يقاوم الشر ويدفع المنكر غير مبال بما قد يصيبه في سبيل ذلك من عنت أو ما قد يستهدف له في سبيل ذلك من سخط الكبار أو ذوي النفوذ ، فيمحض النصح خالصا لوجه الله بغير أدنى تهيب كما كانوا يفعلون من قبل ؟
اقرأ ما رواه سعادة عزام باشا في كتابه القيم "الرسالة الخالدة "الذي ظهر حديثا من أن سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموى قدم المدينة للزيارة ، وبعث إلي أبى حازم ، فلما دخل عليه قال : تكلم يا أبا حازم قال : نعم أتكلم يا أمير المؤمنين : لا تأخذ الأشياء إلا من محلها ، ولا تضعها إلا في أهلها . قال : ومن يقوى على ذلك ؟ قال : من قلده الله من أمر الرعية ما قلدك . قال : عظنى يا أبا حازم . قال : اعلم أن هذا الأمر لم يصل إليك إلا بموت من كان قبلك ، وهو خارج من يديك بمثل ما صار إليك . قال : مالك لا تجىء إلينا ؟ قال : وما أصنع بالمجىء إليك يا أمير المؤمنين ؟ إن أدنيتى فتنتنى وإن أقصيتنى أخزيتنى ، وليس مددك ما أرجوك له ، ولا عندى ما أخافك عليه . قال : فارفع إلينا حاجتك . قال : قد رفعتها إلي من هو أقدر منك عليها ، فما أعطانى قبلت ، وما منعنى رضيت.
أرأيت ما تنم عنه تلك الرواية من خصال ارتفع بها العرب في صدر الإسلام ؟ شجاعة وصراحة وقناعة وإيمان بالله وحده وتسليم له ورضاء بقضائه وقدره .
ثم أين تلك الأمانة في المعاملة وفي التجارة ، والخوف من الله ، والإخلاص في النصح للمسلمين ؟ إن الناس الآن لا يتورعون عن الغش بل السرقة . اقرأ رواية أخرى رواها سعادة عزام باشا في نفس كتابه الجديد المشار إليه آنفا : كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان ، ضرب قيمة كل حلة منها أربعمائة ، وضرب كل حلة منها قيمتها مائتان ، فمشى إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان فجاء أعرابى وطلب حلة بأربعمائة ، فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها ورضيها واشتراها ، فمضى بها ، وهى على يديه ،
فاستقبله يونس فعرف حلته . فقال للأعرابي : بكم اشتريت ؟ فقال : بأربعمائة . فقال لا تساوى أكثر من مائتين ، فارجع حتى تردها . فقال : هذه تساوى في بلدنا خمسمائة وأنا ارتضيها . فقال يونس : انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها ، ثم رده إلى الدكان ، ورد عليه مائتي درهم ، وخاصم ابن أخيه في ذلك ، وقال له : أما استحييت ! أما اتقيت الله ؟ ! تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين ؟ فقال والله ما أخذها إلا وهو راض بها . قال : فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك ؟
فأين لنا مثل هذه الأمانة في المعاملة الأولى ؟
وبعد فهل إذا وضعنا ما ربحناه من تلك المدنية المادية الغربية الحديثة في كفة ووضعنا ما خسرناه بسببها ( أو بأسباب أخرى ترجع إلينا نحن) في كفة أخرى هل ترجح كفة الكسب أو كفة الخسارة ؟ ذلك ما أدعه لعقل القارئ وحسه وضميره . وليعلم المسلمون أن الله لن يغير مابهم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
